57 - بَاب حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1977 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، يقول : بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ : أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ ، وَتُصَلِّي ؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِعَيْنيكَ عَلَيْكَ حَظًّا ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا . قَالَ : إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ . قَالَ : فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام . قَالَ : وَكَيْفَ ؟ قَالَ : كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى . قَالَ : مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ . قَالَ عَطَاءٌ : لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ . مَرَّتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَعْنِي : حَدِيثَ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ ، وَفِيهَا قَوْلُ سَلْمَانَ ، لِأَبِي الدَّرْدَاءِ وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ) الْفَلَّاسُ ، وَأَبُو عَاصِمٍ هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلُ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الَّذِينَ أَكْثَرَ عَنْهُمْ ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ مَا فَاتَهُ مِنْهُ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع ، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ النُّزُولَ مِنْ طَرِيقِهِ هَذِهِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ فِيهَا بِسَمَاعِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَهُ مِنْ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ . قَوْلُهُ : ( بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ ) سَبَقَتْ تَسْمِيَةُ الَّذِي بَلَّغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ وَأَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( وَتُصَلِّي ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَتُصَلِّي اللَّيْلَ ، فَلَا تَفْعَلْ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ ، والْكُشْمِيهَنِيِّ : لِعَيْنِكَ بِالْإِفْرَادِ . قَوْلُهُ : ( عَلَيْكَ حَظًّا ) كَذَا فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةَ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَقًّا بِالْقَافِ ، وَعِنْدَهُ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، وَلَكَ أَجْرُ التِّسْعَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ ) أَيْ : لِسَرْدِ الصِّيَامِ دَائِمًا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : وَكَيْفَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : وَإِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ وَلَمْ أَرَهَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَهَا مُنَاسَبَةٌ بِالْمَقَامِ ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ كَمَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ ، كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ : وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مُحَصَّلُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْ عَبْدَهُ بِالصَّوْمِ خَاصَّةً ، بَلْ تَعَبَّدَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ ، فَلَوِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ لَقَصَّرَ فِي غَيْرِهِ ، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَادُ فِيهِ لِيَسْتَبْقِيَ بَعْضَ الْقُوَّةِ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَكَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَقَوَّى بِالْفِطْرِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَطَاءٌ ) أَيْ : بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ . . . إِلَخْ ) أَيْ أنَّ عَطَاءً لَمْ يَحْفَظْ كَيْفَ جَاءَ ذِكْرُ صِيَامِ الْأَبَدِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، إِلَّا أَنَّهُ حَفِظَ أَنَّ فِيهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَحْدَهَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ . قَوْلُهُ : ( لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ مَرَّتَيْنِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قَالَ عَطَاءٌ : فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى كَرَاهِيَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : اسْتُدِلَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَوْجُهٍ : نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الزِّيَادَةِ ، وَأَمْرُهُ بِأَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ ، وَقَوْلُهُ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، وَدُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ صَامَ الْأَبَدَ . وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا صَامَ النَّفْيُ ، أَيْ : مَا صَامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ وَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْمَعْنَى بِالنَّفْيِ أَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ ، وَلَمْ يُفْطِرْ ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ . وَإِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ مُطْلَقًا ذَهَبَ إِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : يَحْرُمُ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا يَصُومُ الدَّهْرَ ، فَأَتَاهُ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ وَجَعَلَ يَقُولُ : كُلْ يَا دَهْرِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي نُعَيْمٍ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ : لَوْ رَأَى هَذَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ لَرَجَمُوهُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ : مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِ حَصْرًا لَهُ فِيهَا ؛ لِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَمْلِهِ عَلَيْهَا وَرَغْبَتِهِ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ غَيْرَ سُنَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْهَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ حَرَامًا . وَإِلَى الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا ذَهَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ : قَوْلُهُ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الدُّعَاءَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَصَابَهُ دُعَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْخَبَرَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ ، وَإِذَا لَمْ يَصُمْ شَرْعًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ الثَّوَابُ لِوُجُوبِ صِدْقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الصَّوْمَ ، وَقَدْ نَفَى عَنْهُ الْفَضْلَ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ الْفَضْلَ فِيمَا نَفَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ صِيَامِ الدَّهْرِ ، وَحَمَلُوا أَخْبَارَ النَّهْيِ عَلَى مَنْ صَامَهُ حَقِيقَةً ، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ فِيهِ مَا حَرُمَ صَوْمُهُ كَالْعِيدَيْنِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ وَهُوَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ مَا أُجِرَ وَلَا أَثِمَ ، وَمَنْ صَامَ الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ لَا يُقَالُ فِيهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ صَوْمَ الدَّهْرِ إِلَّا الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ يَكُونُ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا وَحَرَامًا ، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَيَّامَ التَّحْرِيمِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ شَرْعًا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ وَأَيَّامِ الْحَيْضِ ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي السُّؤَالِ عِنْدَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهَا ، وَلَا يَصْلُحُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهَا . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ صِيَامِ الدَّهْرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَوِّتْ فِيهِ حَقًّا ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، قَالَ السُّبْكِيُّ : أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا كَرَاهَةَ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ فَوَّتَ حَقًّا ، وَلَمْ يُوَضِّحُوا هَلِ الْمُرَادُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَوِ الْمَنْدُوبُ ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ : إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا وَاجِبًا حَرُمَ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا مَنْدُوبًا أَوْلَى مِنَ الصِّيَامِ كُرِهَ ، وَإِنْ كَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فَتَرْجَمَ ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ : إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكُ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي مَضَى ؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ فَحَمَلُوا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ : فِي حَقِّكَ فَيُلْتَحَقُ بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ يُدْخِلُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ مَشَقَّةً أَوْ يُفَوِّتُ حَقًّا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْهَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو ، عَنِ السَّرْدِ ، فَلَوْ كَانَ السَّرْدُ مُمْتَنِعًا لَبَيَّنَهُ لَهُ ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَالَ حَمْزَةَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ فَقَدْ قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ : لَا يُفْطِرُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ فَلَا يُدْخِلُهَا ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ أَيْ : ضَيَّقَتْ عَنْهُ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَكَاهُ الْأَثْرَمُ ، عَنْ مُسَدِّدٍ . وَحَكَى رَدَّهُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : سَأَلْتُ الْمُزَنِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ضُيِّقَتْ عَنْهُ فَلَا يَدْخُلُهَا ، وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّ مَنِ ازْدَادَ لِلَّهِ عَمَلًا وَطَاعَةً ازْدَادَ عِنْدَ اللَّهِ رِفْعَةً وَعَلَتْهُ كَرَامَةٌ ، وَرَجَّحَ هَذَا التَّأْوِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ فَقَالُوا : لَهُ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّائِمَ لَمَّا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَالِكَ الشَّهَوَاتِ بِالصَّوْمِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ فَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَكَانٌ ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ طُرُقَهَا بِالْعِبَادَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا ازْدَادَ الْعَبْدُ مِنْهُ ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ تَقَرُّبًا ، بَلْ رُبَّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا ازْدَادَ مِنْهُ ازْدَادَ بُعْدًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ، وَالْأَوْلَى إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى مَنْ فَوَّتَ حَقًّا وَاجِبًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ ، وَلَا يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُزَنِيُّ . وَمِنْ حَجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ : فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ وَقَوْلُهُ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ . قَالُوا : فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ مِمَّا شُبِّهَ بِهِ وَأَنَّهُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْبَابِهِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حُصُولُ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ صِيَامُ جَمِيعِ السَّنَةِ ، فَلَا يَدُلُّ التَّشْبِيهُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ . وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ لِصَوْمِ الدَّهْرِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَوْ صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ أَفْضَلُ ، فَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا فَيَكُونُ أَكْثَرَ أَجْرًا ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ أَجْرًا كَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا ، وَبَذْلِكَ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ أَوَّلًا ، وَقَيَّدَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصُومَ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا ، وَأَنْ لَا يَرْغَبَ عَنِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَ الصَّوْمَ حِجْرًا عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِذَا أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، فَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ زِيَادَةٌ فِي الْفَضْلِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُتَعَارِضَةُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ ، وَمِقْدَارُ كُلٍّ مِنْهَا فِي الْحَثِّ وَالْمَنْعِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ، فَزِيَادَةُ الْأَجْرِ بِزِيَادَةِ الْعَمَلِ فِي شَيْءٍ يُعَارِضُهُ اقْتِضَاءُ الْعَادَةِ التَّقْصِيرَ فِي حُقُوقٍ أُخْرَى يُعَارِضُهَا الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ ، وَمِقْدَارُ الْفَائِتِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مِقْدَارِ الْحَاصِلِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ، فَالْأَوْلَى التَّفْوِيضُ إِلَى حُكْمِ الشَّارِعِ وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ صِيَامَ دَاوُدَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بَلْ صَرِيحُهُ ، وَيَتَرَجَّحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ صِيَامَ الدَّهْرِ قَدْ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْحُقُوقِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَبِأَنَّ مَنِ اعْتَادَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَشُقُّ عَلَيْهِ ، بَلْ تَضْعُفُ شَهْوَتُهُ عَنِ الْأَكْلِ ، وَتَقِلُّ حَاجَتُهُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ نَهَارًا ، وَيَأْلَفُ تَنَاوَلَهُ فِي اللَّيْلِ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ لَهُ طَبْعٌ زَائِدٌ ، بِخِلَافِ مِنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ فِطْرٍ إِلَى صَوْمٍ وَمِنْ صَوْمٍ إِلَى فِطْرٍ ، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَشُقُّ الصِّيَامِ ، وَيَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ غَالِبًا مِنْ تَفْوِيتِ الْحُقُوقِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي حَقِّ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ؛ لِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفِرَارِ ضَعْفَ الْجَسَدِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ يُنْهِكُهُ ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّكَ لَتُقِلُّ الصِّيَامَ . فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضْعِفَنِي عَنِ الْقِرَاءَةِ ، وَالْقِرَاءَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ ، نَعَمْ إِنْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِالصِّيَامِ أَصْلًا وَلَا يُفَوِّتُ حَقًّا مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي خُوطِبَ بِهَا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّهِ أَرْجَحَ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فَتَرْجَمَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ صِيَامَ دَاوُدَ إِنَّمَا كَانَ أَعْدَلَ الصِّيَامِ وَأَحَبَّهُ إِلَى اللَّهِ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ يُؤَدِّي حَقَّ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَزَائِرِهِ أَيَّامَ فِطْرِهِ بِخِلَافِ مِنْ يُتَابِعُ الصَّوْمَ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُفَوِّتُ حَقًّا أَنْ يَكُونَ أَرْجَحَ ، وَعَلَى هَذَا فَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ : فَمَنْ يَقْتَضِي حَالُهُ الْإِكْثَارَ مِنَ الصَّوْمِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَمَنْ يَقْتَضِي حَالُهُ الْإِكْثَارَ مِنَ الْإِفْطَارِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَمَنْ يَقْتَضِي حَالُهُ الْمَزْجَ فَعَلَهُ ، حَتَّى إِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ قَدْ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ فِي ذَلِكَ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ أَخِيرًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ · ص 260 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حق الأهل في الصوم · ص 90 باب حق الأهل في الصوم أي هذا باب في بيان حق أهل الرجل في الصوم ، وقد ذكرنا بأن المراد بالأهل الأولاد والقرابة ، ومن حقهم الرفق بهم والإنفاق عليهم . رواه أبو جحيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . أي روى حق الأهل أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي ، وقد مر حديثه في قصة سلمان ، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما في باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ، وفيها قول سلمان لأبي الدرداء : وإن لأهلك عليك حقا ، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك . 85 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قال : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ عَطَاءً : أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يقول : بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ ، فَقَالَ : أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ ، وَتُصَلِّي ولا تنام ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِعَيْنِيكَ عَلَيْكَ حَظًّا ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا ، قَالَ : وإِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ ، قَالَ : فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، قَالَ : وَكَيْفَ ؟ قَالَ : كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ، قَالَ : مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ عَطَاءٌ : لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ ، مَرَّتَيْنِ . مطابقته للترجمة في قوله ( وأهلك عليك حظا ) وعمرو بن علي بن بحر بن كثير الباهلي أبو حفص البصري الصيرفي الفلاس الحافظ ، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، وهو من شيوخ البخاري الذين أكثر عنهم ، وربما روى عنه بواسطة ما فاته منه كما في هذا الموضع ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي ، وعطاء هو ابن أبي رباح المكي ، وأبو العباس بالباء الموحدة والسين المهملة ، اسمه السائب بن فروخ الشاعر الأعمى المكي ، وقد مر في باب ما يكره من التشديد في كتاب التهجد قاله الكرماني ، وليس كذلك ، بل هو مذكور في باب مجرد عن الترجمة عقيب باب ما يكره من ترك قيام الليل . وفيه قطعة من هذا الحديث . قوله ( بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم ) الذي بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هو عمرو بن العاص والد عبد الله صاحب القضية ، وأسرد بضم الراء ، أي : أصوم متتابعا ، ولا أفطر بالنهار . قوله ( فإما أرسل إلي وإما لقيته ) يعني من غير إرسال ، وكلمة إما للتفصيل ، ولا تفصيل إلا بين الشيئين ، وهما هنا إما إرسال النبي صلى الله عليه وسلم إليه لما بلغه أبوه قصته ، وإما أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم من غير طلب . قوله ( ألم أخبر ) على صيغة المجهول . قوله ( فإن لعينك ) بالإفراد في رواية السرخسي ، والكشميهني ، وفي رواية غيرهما : لعينيك ، بالتثنية . قوله ( حظا ) أي : نصيبا كذا هو في الموضعين ، وكذا وقع في رواية مسلم ، وعند الإسماعيلي : حقا بالقاف ، وعنده وعند مسلم من الزيادة : وصم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر التسعة . قوله ( وإني لأقوى ) بلفظ المتكلم من المضارع . قوله ( لذلك ) أي : لسرد الصوم دائما ، ويروى : على ذلك ، وفي رواية مسلم : إني أجدني أقوى من ذلك يا نبي الله . قوله ( وكيف ) أي قال عبد الله : كيف صيام داود عليه السلام ، وفي رواية مسلم قال : وكيف كان داود عليه السلام يصوم يا نبي الله . قوله ( ولا يفر إذا لاقى ) أي : لا يهرب إذا لاقى العدو ، قيل : في ذكر هذا عقيب ذكر صومه إشارة إلى أن الصوم على هذا الوجه لا ينهك البدن ولا يضعفه بحيث يضعفه عن لقاء العدو ، بل يستعين يفطر يوم على صيام يوم ، فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق ، ويجد مشقة الصوم في يوم الصيام ؛ لأنه لم يعتده بحيث يصير الصيام له عادة ، فإن الأمور إذا صارت عادة سهلت مشاقها . قوله ( وقال : من لي بهذه يا نبي الله ) أي : قال عبد الله : من تكفل لي بهذه الخصلة التي لداود عليه السلام لا سيما عدم الفرار . قوله ( قال عطاء ) أي : قال عطاء بن أبي رباح بالإسناد المذكور . قوله ( لا أدري كيف ذكر صيام الأبد ) يعني أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة إلا أنه حفظ فيها أنه صلى الله عليه وسلم قال : لا صام من صام الأبد ، وقد روى النسائي ، وأحمد هذه الجملة وحدها من طرق عن عطاء . قوله ( لا صام من صام الأبد مرتين ) يعني قالها مرتين ، وفي رواية مسلم : قال عطاء : فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد ؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : لا صام من صام الأبد ، لا صام من صام الأبد ؛ لأنه يستلزم صوم يوم العيد ، وأيام التشريق ، وقال ابن العربي : أما إنه لم يفطر فلأنه امتنع عن الطعام والشراب في النهار ، وأما إنه لم يصم فيعني لم يكتب له ثواب الصيام ، وفي قول معنى لا صام الدعاء قال : ويا بؤس من أخبر عنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لم يصم ، وأما من قال إنه أخبر ، فيا بؤس من أخبر عنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لم يصم ، فقد علم أنه لم يكتب له ثواب لوجوب الصدق في خبره ، وقد نفى الفضل عنه ، فكيف ما يطلب ما نفاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . فإن قلت : ما جواب المخبرين صوم الدهر عن هذا ؟ قلت : أجابوا عن هذا بأجوبة : أولها : ما قاله الترمذي : إنما يكون صيام الدهر إذا لم يفطر يوم الفطر ، ويوم الأضحى ، وأيام التشريق ، فمن أفطر في هذه الأيام فقد خرج من حيز الكراهة ، وإلا يكون قد صام الدهر كله ، ثم قال هكذا روى مالك ، وهو قول الشافعي ، والثاني : أنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقا ، والثالث : أن معناه أن من صام الأبد لا يجد من المشقة ما يجده غيره ، فيكون خبرا لا دعاء . وفيه نظر . وحديث : لا صام من صام الأبد - أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، عن أبي قتادة ، وأخرجه النسائي أيضا من حديث عبد الله بن الشخير من رواية ابنه مطرف قال : حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكر عنده رجل يصوم الدهر فقال : لا صام ولا أفطر . وأخرجه ابن ماجه أيضا ، ولفظه : من صام الأبد فلا صام ولا أفطر . وأخرجه الحاكم في المستدرك ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وأخرجه النسائي أيضا من حديث عمران بن حصين من رواية مطرف عنه قال : قيل : يا رسول الله إن فلانا لا يفطر نهار الدهر كله ، فقال : لا صام ولا أفطر . وأخرجه الحاكم أيضا ، وقال : صحيح على شرطهما ، وأخرجه النسائي من حديث عمر رضي الله تعالى عنه من رواية أبي قتادة عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فمررنا برجل فقالوا : يا نبي الله هذا لا يفطر منذ كذا وكذا ، فقال : لا صام ولا أفطر . أو : ما صام وما أفطر . وقال أبو القاسم بن عساكر : والصحيح أنه من مسند أبي قتادة ، وأخرجه أحمد في مسنده من حديث أسماء بنت يزيد من رواية شهر بن حوشب عنها قالت : أتي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بشراب ، فدار على القوم ، وفيهم رجل صائم ، فلما بلغه قيل له : اشرب ، فقيل : يا رسول الله إنه ليس يفطر أو إنه يصوم الدهر ، فقال : لا صام من صام الأبد . وأخرج النسائي حديث صحابي لم يسم ، ولفظه قيل للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : رجل يصوم الدهر ، قال : وددت أنه لم يصم الدهر .