60 - بَاب صِيَامِ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ 1981 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ : صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى ، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ صِيَامِ الْبِيضِ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ : صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ . . . إِلَخْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِالْبِيضِ اللَّيَالِي وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْقَمَرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ ، حَتَّى قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ : مَنْ قَالَ : الْأَيَّامَ الْبِيضَ فَجَعَلَ الْبِيضَ صِفَةَ الْأَيَّامِ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ اليوم الْكَامِلَ هُوَ النَّهَارُ بِلَيْلَتِهِ ، وَلَيْسَ فِي الشَّهْرِ يَوْمٌ أَبْيَضُ كُلُّهُ إِلَّا هَذِهِ الْأَيَّامُ ؛ لِأَنَّ لَيْلَهَا أَبْيَضُ وَنَهَارَهَا أَبْيَضُ ، فَصَحَّ قَوْلُ : الْأَيَّامِ الْبِيضِ عَلَى الْوَصْفِ . وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِيضًا أَقْوَالًا أُخَرَ مُسْتَنِدَةً إِلَى أَقْوَالٍ وَاهِيَةٍ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَالْبِيضُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذُكِرَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِيمَاءِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَأَمْسَكَ الْأَعْرَابِيُّ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ : إِنِّي أَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ . قَالَ : إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُمِ الْغُرَّ ، أَيِ : الْبِيضَ وَهَذَا الْحَدِيثُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَيَّنَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُمِ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ وَجَاءَ تَقْيِيدُهَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ - وَيُقَالُ ابْنُ مِنْهَالٍ - عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ بِلَفْظِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ ، وَقَالَ : هِيَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا : صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ : أَيَّامُ الْبِيضِ صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ الْحَدِيثَ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ وَصِيَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ لَا تَخْتَصُّ بِهِ ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غُرَّةَ كُلِّ شَهْرٍ وَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ : كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ : الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَمَا قَبْلَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَ قَالَ : فَكُلُّ مَنْ رَآهُ فَعَلَ نَوْعًا ذَكَرَهُ ، وَعَائِشَةُ رَأَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فَأَطْلَقَتْ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَوَصَّى بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا هُوَ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ ، أَوْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ ، وَتَتَرَجَّحُ الْبِيضُ بِكَوْنِهَا وَسَطَ الشَّهْرِ وَوَسَطُ الشَّيْءِ أَعْدَلُهُ ، وَلِأَنَّ الْكُسُوفَ غَالِبًا يَقَعُ فِيهَا ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِمَزِيدِ الْعِبَادَةِ إِذَا وَقَعَ ، فَإِذَا اتَّفَقَ الْكُسُوفُ صَادَفَ الَّذِي يَعْتَادُ صِيَامَ الْبِيضِ صَائِمًا فَيَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَصُمْهَا فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ اسْتِدْرَاكُ صِيَامِهَا ، وَلَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ صِيَامَ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا إِنْ صَادَفَ الْكُسُوفَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الْمَوَانِعِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَصُومُ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، وَلَهُ وَجْهٌ فِي النَّظَرِ ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ ، وَمِنَ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَهُوَ أَشْبَهُ ، وَكَأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ غَالِبَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ بِالصِّيَامِ ، وَاخْتَارَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنْ يَصُومَهَا آخِرَ الشَّهْرِ لِيَكُونَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى ، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْأَمْرِ بِصِيَامِ سِرَارِ الشَّهْرِ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ أَيَّامُ الْبِيضِ كَانَ أَحَبَّ . وَفِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا أَنَّ اسْتِحْبَابَ صِيَامِ الْبِيضِ غَيْرُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ كُلٌّ مِنْهُمْ أَبُو عُثْمَانَ ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ مَوْصُولٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ النَّهْدِيِّ ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا وَآخَرَ فِي الْأَطْعِمَةِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ فِيهِ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ هُنَاكَ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ ، وَمِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهَا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي قَالَ فِي أَفْرَادِهِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْمُوصَى بِهِ هُوَ اللَّائِقُ بِحَالِهِ ، وَفِي قَوْلِهِ : خَلِيلِي إِشَارَةٌ إِلَى مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي إِيثَارِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَبَرَ عَلَى الْجُوعِ فِي مُلَازَمَتِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِهِ حَيْثُ قَالَ : أَمَّا إِخْوَانِي فَكَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَابَهُ حَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِيثَارِهِ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى وَالْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْمُلْكِ ، قَالَ : وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِافْتِخَارُ بِصُحْبَةِ الْأَكَابِرِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ ، لَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي تَعْيِينِ الْبِيضِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : لَا تَتَعَيَّنُ بَلْ يُكْرَهُ تَعْيِينُهَا ، وَهَذَا عَنْ مَالِكٍ . الثَّانِي : أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، الثَّالِثُ أَوَّلُهَا الثَّانِي عَشَرَ . الرَّابِعُ : أَوَّلُهَا الثَّالِثَ عَشَرَ . الْخَامِسُ : أَوَّلُهَا أَوَّلُ سَبْتٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، ثُمَّ مِنْ أَوَّلِ الثُّلَاثَاءِ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا ، وَهُوَ عَنْ عَائِشَةَ . السَّادِسُ : أَوَّلُ خَمِيسٍ ثُمَّ اثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيسٍ . السَّابِعُ : أَوَّلُ اثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيسٍ ثُمَّ اثْنَيْنِ . الثَّامِنُ : أَوَّلُ يَوْمٍ ، وَالْعَاشِرُ وَالْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ . التَّاسِعُ : أَوَّلُ كُلِّ عَشْرٍ عَنِ ابْنِ شَعْبَانَ الْمَالِكِيِّ . قُلْتُ : بَقِيَ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ آخَرُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الشَّهْرِ عَنِ النَّخَعِيِّ فَتَمَّتْ عَشْرَةً .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ · ص 266 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة · ص 94 باب صيام البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة أي هذا باب في بيان فضل صيام أيام البيض ، وهي الأيام التي لياليهن مقمرات لا ظلمة فيها ، وهي الثلاثة المذكورة : ليلة البدر ، وما قبلها ، وما بعدها . والبيض بكسر الباء جمع أبيض أضيف إليها الأيام ، تقديره أيام الليالي البيض ، وقيل : المراد بالبيض الليالي ، وهي التي يكون القمر فيها من أول الليل إلى آخره ، حتى قال الجواليقي : من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ ، قال بعضهم : فيه نظر ؛ لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته ، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام ؛ لأن ليلها أبيض ، ونهارها أبيض ، فصح قول الأيام البيض على الوصف انتهى . قلت : هذا كلام واه ، وتصرف غير موجه ؛ لأن قوله : لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته - غير صحيح ؛ لأن اليوم الكامل في اللغة عبارة عن : طلوع الشمس إلى غروبها ، وفي الشرع : عن طلوع الفجر الصادق ، وليس لليله دخل في حد النهار . قوله ( ونهارها أبيض ) يقتضي أن بياض نهار الأيام البيض من بياض الليلة ، وليس كذلك ؛ لأن بياض الأيام كلها بالذات ، وأيام الشهر كلها بيض ، فسقط قوله : وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام . وهل يقال ليوم من أيام الشهر غير أيام البيض هذا يوم بياضه غير كامل ، أو يقال : هذا كله ليس بأبيض ، أو يقال : بعضه أبيض ، فبطل قوله ، فصح قول الأيام البيض على الوصف ، والقول ما قاله الجواليقي . إذا قالت حذام فصدقوها ثم سبب التسمية بأيام البيض ما روي عن ابن عباس أنه قال : إنما سميت بأيام البيض ؛ لأن آدم عليه الصلاة والسلام لما أهبط إلى الأرض أحرقته الشمس فاسود ، فأوحى الله تعالى إليه أن صم أيام البيض ، فصام أول يوم فابيض ثلث جسده ، فلما صام اليوم الثاني ابيض ثلثا جسده ، فلما صام اليوم الثالث ابيض جسده كله . وقيل : سميت بذلك لأن ليالي أيام البيض مقمرة ، ولم يزل القمر من غروب الشمس إلى طلوعها في الدنيا ، فتصير الليالي والأيام كلها بيضا . قوله ( ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ) كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : صيام أيام البيض : ثلاثة عشر ، وأربعة عشر ، وخمسة عشر ، وذلك باعتبار الأيام ، والأول باعتبار الليالي . فإن قلت : كيف عين الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر من الشهر ، والحديث الذي ذكره في الباب ليس فيه التعيين لذلك ؟ قلت : جرت عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث ، وإن لم يكن على شرطه ، فقد روى القاضي يوسف بن إسماعيل في كتاب الصيام : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة بن قدامة ، عن حكيم بن جبير ، عن موسى بن طلحة قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي ذر ، وعمار ، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم : أتذكرون يوما كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمكان كذا وكذا ، فأتاه رجل بأرنب ، فقال : يا رسول الله إني رأيت بها دما ، فأمرنا ، فأكلنا ، ولم يأكل ، قالوا : نعم ، ثم قال له : ادنه فاطعم ، قال : إني صائم ، قال : أي صوم ؟ قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، أوله وآخره وكما تيسر علي ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : هل تدرون الذي أمر به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ قالوا : نعم ، يصوم ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، قال عمر رضي الله تعالى عنه : هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحكيم بن جبير ضعفه الجمهور ، وموسى بن طلحة عن عمر مرسل ، قاله أبو زرعة ، وبينهما ابن الحوتكية . وأصل الحديث عند النسائي في كتاب الصيد ، وليس فيه ذكر لعمار ، وأبي الدرداء ، رواه من طريق حكيم بن جبير ، وعمرو بن عثمان ، ومحمد بن عبد الرحمن ، عن موسى بن طلحة ، عن ابن الحوتكية قال : قال عمر رضي الله تعالى عنه : من حاضرنا يوم القاحة ؟ قال أبو الدرداء .. فذكر الحديث . وفيه قال : فأين أنت عن البيض الغر : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ؟ وابن الحوتكية سماه بعضهم يزيد ، وقال ابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل ) : وما سماه أحد إلا الحجاج بن أرطاة ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب ، عن موسى بن طلحة ، عن يزيد بن الحوتكية ، والقاحة بالقاف وتخفيف الحاء المهملة مكان من المدينة على ثلاث مراحل . وروى النسائي من رواية زيد بن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، وأيام البيض : صبيحة ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . وإسناده صحيح . وفي رواية : أيام البيض بغير واو . وروي : أيام البيض صبيحة ، بالرفع فيهما ، وروي بالجر فيهما ، حكاه صاحب ( المفهم ) . وروى ابن ماجه ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا شعبة ، عن أنس بن سيرين ، عن عبد الملك بن المنهال ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان يأمر بصيام أيام البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، ويقول : هو كصوم يوم الدهر ، أو كهيئة صوم الدهر . وروى أيضا : حدثنا إسحاق بن منصور قال : حدثنا حيان بن هلال قال : حدثنا همام ، عن أنس بن سيرين قال : حدثني عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . ورواه النسائي إلا أنه قال : قدامة بن ملحان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصيام أيام الليالي الغر البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، ورواه أبو داود إلا أنه قال : عن أنس ، عن ابن ملحان القيسي ، عن أبيه .. فذكره ، ولم يسمه ، وقال الحافظ المزي تبعا للحافظ ابن عساكر : ويشبه أن يكون ابن كثير ، أي شيخ أبي داود ، نسبه إلى جده ، وقال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي : قيل : إنه ملحان بن شبل البكري ، والد عبد الملك بن ملحان ، ذكره ابن عبد البر في الصحابة قال : وقيل : بل هو قتادة بن ملحان ، والد عبد الملك بن قتادة بن ملحان ، ولقتادة هذا صحبة فيما ذكره ابن أبي حاتم ، ولم يذكر أباه في كتابه ، ولا أبو القاسم البغوي في ( معجم الصحابة ) قال : وذكرهما - أعني قتادة ، وملحان - أبو عمر بن عبد البر في ( الاستيعاب ) . فإن قلت : روى النسائي بإسناد صحيح من رواية سعيد بن أبي هند أن مطرفا ، حدثه أن عثمان بن أبي العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : صيام حسن ثلاثة أيام من كل شهر . وأخرجه ابن حبان أيضا في ( صحيحه ) هذا ، ولم يعين فيه أياما بعينها . وروى النسائي أيضا من حديث حفصة رضي الله تعالى عنها قالت : أربع لم يكن يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم : صيام عاشوراء ، وأول العشر ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتين قبل الغداة . وروى أبو داود من حديث حفصة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر : الاثنين ، والخميس ، والاثنين من الجمعة الأخرى . وهذا فيه غير أيام البيض . وروى أبو داود ، والنسائي من رواية الحسن بن عبيد الله ، عن هنيدة الخزاعي ، عن أمه قالت : دخلت على أم سلمة رضي الله عنها ، فسألتها عن الصيام ، فقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها : الاثنين ، والخميس . والخميس لفظ أبي داود ، وقال النسائي : يأمر بصيام ثلاثة أيام : أول خميس ، والاثنين . وقد رواه أبو داود ، والنسائي من رواية الحر بن الصباح ، عن هنيدة ، عن امرأته ، عن بعض أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غير مسماة . وروى ابن عدي في ( الكامل ) من حديث أبي الدرداء قال : أوصاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بغسل يوم الجمعة ، وركعتي الضحى ، ونوم على وتر ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر . وروى يوسف القاضي في ( كتاب الصيام ) من حديث علي رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : صوم شهر الصبر ، وثلاثة أيام من كل شهر - صوم الشهر ، ويذهب بوحر الصدر . والوحر بفتح الحاء المهملة الغل . وروى الطبراني في ( المعجم الكبير ) من حديث النمر بن تولب من حديث الجريري ، عن أبي العلاء قال : كنا بالمربد ، فأتانا أعرابي ، ومعه قطعة أديم ، فقال : انظروا ما فيها ، فإذا كتاب من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وفيه : فقلت : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ قال : نعم ، وسمعته يقول : صوم شهر الصبر ، وصيام ثلاثة أيام من الشهر يذهبن وغر الصدر . وفيه : فسألت عنه ، فقيل : هذا نمر بن تولب ، وأصل الحديث رواه أبو داود ، والترمذي ، وليست فيه قصة الصيام ، ولم يسم فيه الصحابي ، والوغر بالتسكين الضغن والعداوة ، وبالتحريك المصدر . قلت : هو بالغين المعجمة ، وأصله من الوغرة ، وهي شدة الحر . وروى أبو نعيم في ( الحلية ) من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : ألا أخبركم بغرف الجنة .. الحديث . وفيه : فقلنا : لمن تلك ؟ فقال : لمن أفشى السلام وأدام الصيام .. الحديث . وفيه : ومن صام رمضان ، ومن كل شهر ثلاثة أيام ، فقد أدام الصيام . قلت : التوفيق بين هذه الأحاديث أن كل من رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فعل نوعًا - ذَكَرَهُ ، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها رأت منه جميع ذلك ، فلذلك أطلقت فيما رواه مسلم من حديثها أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام . والذي أمر به وحث عليه ووصى له ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما نذكره ، فهو أولى من غيره ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز . فإن قلت : أي الفصلين يترجح ؟ قلت : أيام البيض لكونها وسط الشهر ، ووسط الشهر أعدله ، ولأن الكسوف غالبا يقع فيها ، فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاده صيام البيض صائما ، فيتهيأ أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة ، بخلاف من لم يصمها ، فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها . فإن قلت : قال القاضي أبو بكر بن العربي : ثلاثة أيام من كل شهر صحيح ، وقال القاضي أبو الوليد الباجي في صيام البيض : قد روي في إباحة تعمدها بالصوم أحاديث لا تثبت . قلت : بل في التعيين أحاديث صحيحة منها حديث جرير ، فهو صحيح لا اختلاف فيه ، وقد ذكرناه عن قريب ، وقد صححه من المالكية أبو العباس القرطبي في ( المفهم ) . وفيه تعيين البيض ، ومنها حديث قرة بن إياس المزني ، فهو صحيح أيضا لا اختلاف فيه ، رواه الطبراني في الكبير قال : حدثنا محمد بن محمد التمار البصري ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : صيام البيض صيام الدهر وإفطاره . وقرة هو ابن إياس بن هلال بن ذياب المزني ، ورواه ابن حبان في ( صحيحه ) ، ولكن ليس عنده تعيين البيض ، وصحح ابن حبان أيضا حديث أبي ذر ، وحديث عبد الملك بن منهال ، عن أبيه في تعيين الأيام البيض ، وصحح أيضا حديث ابن مسعود في تعيين غرة الشهر ، فحديث أبي هريرة أخرجه الإمام أبو محمد بن عبد الله بن عطاء الإبراهيمي من حديث يونس بن يعقوب ، عن أبيه ، عن أبي صادق ، عن أبي هريرة : أوصاني خليلي بثلاث : الوتر قبل أن أنام ، وأصلي الضحى ركعتين ، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، وهي البيض . وحديث أبي ذر رواه الترمذي من حديث موسى بن طلحة قال : سمعت أبا ذر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام ، فصم ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . وقال : حديث أبي ذر حديث حسن ، ورواه النسائي ، وابن ماجه أيضا ، وحديث عبد الملك بن منهال قد مر عن قريب . وأما حكم المسألة فقد حكى النووي في ( شرح مسلم ) الاتفاق على استحباب صيام الأيام البيض ، وهي الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر . قال : وقيل : هي الثاني عشر ، والثالث عشر ، والرابع عشر . وقال شيخنا : وفيما حكاه من الاتفاق نظر ، فقد روى ابن القاسم ، عن مالك في ( المجموعة ) أنه سئل عن صيام أيام الغر ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، فقال : ما هذا ببلدنا ، وكره تعمد صومها ، وقال : الأيام كلها لله تعالى . وقال ابن وهب : وإنه لعظيم أن يجعل على نفسه شيئا كالفرض ، ولكن يصوم إذا شاء ، قال : واستحب ابن حبيب صومها ، وقال : أراها صيام الدهر ، وقال ابن حبيب : كان أبو الدرداء يصوم من كل شهر ثلاثة أيام : أول اليوم ، ويوم العاشر ، ويوم العشرين ، ويقول : هو صيام الدهر كل حسنة بعشر أمثالها . وقال شيخنا : وحاصل الخلاف أن في المسألة تسعة أقوال : أحدها : استحباب صوم ثلاثة أيام من الشهر غير معينة ، فأما تعيينها فمكروه ، وهو المعروف من مذهب مالك حكاه القرطبي . الثاني : استحباب الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وبه قال عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو ذر ، وآخرون من التابعين ، والشافعي ، وأصحابه ، وابن حبيب من المالكية ، وأبو حنيفة ، وصاحباه ، وأحمد ، وإسحاق . الثالث : استحباب الثاني عشر ، والثالث عشر ، والرابع عشر ، حكي ذلك عن قوم . الرابع : استحباب ثلاثة من أول الشهر ، وبه قال الحسن البصري . الخامس : استحباب السبت ، والأحد ، والاثنين من أول شهر ، ثم الثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس من أول الشهر الذي بعده ، وهو اختيار عائشة رضي الله عنها في آخرين . السادس : استحبابها من آخر الشهر ، وهو قول إبراهيم النخعي . السابع : استحبابها في الاثنين ، والخميس . الثامن : استحباب أول يوم الشهر ، والعاشر ، والعشرين ، وروي ذلك عن أبي الدرداء . التاسع : استحباب أول يوم ، والحادي عشر ، والعشرين ، وهو اختيار أبي إسحاق بن شعبان من المالكية . 88 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قال : حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ : صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى ، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ . قال الإسماعيلي ، وابن بطال ، وآخرون : ليس في الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب ما يطابق الترجمة ؛ لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شهر ، والترجمة مذكورة بما ذكره . قلت : قد أجبنا عن هذا عند تفسيرنا قوله ( ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ) ، على أنا قد ذكرنا عن قريب ، عن أبي هريرة في بعض طرق حديثه ما يوافق الترجمة . ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : أبو معمر بفتح الميمين ، واسمه عبد الله بن عمرو المنقري المقعد . الثاني : عبد الوارث بن سعيد التيمي . الثالث : أبو التياح بفتح التاء المثناة من فوق ، وتشديد الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة ، واسمه يزيد بن حميد الضبعي . الرابع : أبو عثمان هو أبو عبد الرحمن بن مل النهدي . الخامس : أبو هريرة رضي الله عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه العنعنة في موضع . وفيه القول في موضعين . وفيه ثلاثة من الرواة مذكورون بالكنى ، وقيل : أبو التياح لقب غير كنية ، ويكنى أبا حماد . وفيه أن رواته الثلاثة الأول كلهم بصريون ، وأبو عثمان كوفي ، ولكنه سكن البصرة ، وقد روى عن أبي هريرة جماعة منهم أبو عثمان ، لكن لم يقع في البخاري حديث موصول من رواية أبي عثمان ، عن أبي هريرة إلا من رواية النهدي ، وليس له في البخاري سوى هذا ، وآخر في الأطعمة ، ووقع عند مسلم عن شيبان ، عن عبد الوارث بهذا الإسناد ، فقال فيه : حدثني أبو عثمان النهدي ، وقد مضى هذا الحديث في باب صلاة الضحى في السفر ، فإنه أخرجه هناك عن مسلم بن إبراهيم ، عن شعبة ، عن عباس الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة ، وبين بعض متنيه اختلاف ، وقد مر الكلام فيه مستوفى . قوله ( خليلي ) أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله ( بثلاث ) أي : بثلاث أشياء . قوله ( صيام ثلاثة أيام ) بالجر على أنه بدل من ثلاث . قوله ( وركعتي الفجر ) عطف عليه . قوله ( وأن أوتر ) كلمة أن مصدرية ، أي : بأن أوتر ، أي : بالوتر ، أي : بصلاته قبل أن أنام ، أي : قبل النوم ، وإنما أفرده بهذه الوصية ؛ لأنه كان يوافقه في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا ؛ لأن أبا هريرة كان يصبر على الجوع في ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ، ألا ترى كيف قال : أما إخواني فكان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم .