بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ( 33 ) كِتَاب الِاعْتِكَاف 1 - بَاب الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 2025 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا ) أَيْ : مَشْرُوطِيَّةُ الْمَسْجِدِ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ . قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ الْآيَةَ ) وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسَاجِدِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيهَا . وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ : كَانُوا إِذَا اعْتَكَفُوا ، فَخَرَجَ رَجُلٌ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَ امْرَأَتَهُ جَامَعَهَا إِنْ شَاءَ فَنَزَلَتْ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوطِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ ، إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ الْمَالِكِيَّ فَأَجَازَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِلصَّلَاةِ فِيهِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ قُدِّمَ ، وَفِي وَجْهٍ لِأَصْحَابِهِ وَلِلْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ إِلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الصَّلَوَاتُ ، وَخَصَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِالْوَاجِبِ مِنْهُ ، وَأَمَّا النَّفْلُ فَفِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ بِعُمُومِهِ مِنْ كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فَاسْتَحَبَّ لَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ ، وَشَرَطَهُ مَالِكٌ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِنْدَهُمَا يَنْقَطِعُ بِالْجُمُعَةِ ، وَيَجِبُ بِالشُّرُوعِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَخَصَّهُ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ كَالزُّهْرِيِّ بِالْجَامِعِ مُطْلَقًا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَخَصَّهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، وَعَطَاءٌ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّهِ فَمَنْ شَرَطَ فِيهِ الصِّيَامَ قَالَ : أَقَلُّهُ يَوْمٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَصِحُّ مَعَ شَرْطِ الصِّيَامِ فِي دُونِ الْيَوْمِ . حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ ، وَعَنْ مَالِكٍ يُشْتَرَطُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَعَنْهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الصَّوْمَ قَالُوا : أَقَلُّهُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ لُبْثٍ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقُعُودُ ، وَقِيلَ : يَكْفِي الْمُرُورُ مَعَ النِّيَّةِ كَوُقُوفِ عَرَفَةَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ يَعْلَى بنِ أُمِّيَّةَ الصَّحَابِيِّ : إِنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ السَّاعَةَ وَمَا أَمْكُثُ إِلَّا لِأَعْتَكِفَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى فَسَادِهِ بِالْجِمَاعِ حَتَّى قَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ : مَنْ جَامَعَ فِيهِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ : يَتَصَدَّقُ بِدِينَارَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ : فَفِي الْمُبَاشَرَةِ أَقْوَالٌ ، ثَالِثُهَا إِنْ أَنْزَلَ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ . أَحَدُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ : قَالَ نَافِعٌ : وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِيهِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ له فراشه وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا · ص 318 عمدة القاري شرح صحيح البخاريمقدمة · ص 140 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتكاف أي : هذا كتاب في بيان الاعتكاف وأحواله وهذا بالبسملة ، ولفظ الكتاب في رواية النسفي ولم يقع هذا في رواية غيره إلا في رواية المستملي وقعت البسملة بعد قوله : أبواب الاعتكاف ، وهو في اللغة اللبث مطلقا . ويقال : الاعتكاف والعكوف الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومها في اللغة ، ومنه يقال لمن لازم المسجد : عاكف ومعتكف هكذا ذكره ابن الأثير في النهاية . وفي المغني هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ومنه قوله تعالي : مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ وقوله تعالى : يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ وقوله تعالى : وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا وفي الشرع : الاعتكاف الإقامة في المسجد واللبث فيه على وجه التقرب إلى الله تعالى على صفة يأتي ذكرها . قال الجوهري : عكفه أي : حبسه يعكفه بضم عينها وكسرها عكفا ، وعكف على الشيء يعكف عكوفا أي : أقبل عليه مواظبا يستعمل لازما فمصدره عكوف ، ومتعديا فمصدره عكف ، والاعتكاف مستحب قاله في بعض كتب أصحابنا ، وفي المحيط سنة مؤكدة ، وفي المبسوط قربة مشروعة وفي منية المفتي سنة ، وقيل : قربة ، وفي التوضيح قام الإجماع على أن الاعتكاف لا يجب إلا بالنذر . فإن قلت : كان الزهري يقول : عجبا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه وما ترك الاعتكاف حتى قبض ، قلت : قال أصحابنا : إن أكثر الصحابة لم يعتكفوا ، وقال مالك : لم يبلغني أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن المسيب ، ولا أحدا من سلف هذه الأئمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن ، وأراهم تركوه لشدته لأن ليله ونهاره سواء . وفي المجموعة للمالكية تركوه لأنه مكروه في حقهم إذ هو كالوصال المنهي . وأقل الاعتكاف نفلا يوم عند أبي حنيفة ، وبه قال مالك ، وعند أبي يوسف أكثر اليوم ، وعند محمد ساعة ، وبه قال : الشافعي وأحمد في رواية ، وحكى أبو بكر الرازي عن مالك : أن مدة الاعتكاف عشرة أيام فيلزم بالشروع ذلك وفي الجلاب أقله يوم والاختيار عشرة أيام ، وفي الإكمال استحب مالك أن يكون أكثره عشرة أيام ، وهذا يرد نقل الرازي عنه ، وقال أبو البركات بن تيمية الحنبلي : وقالت الأئمة الأربعة وأتباعهم : الصوم من شرط الاعتكاف الواجب وهو مذهب علي وابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة والشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، والقاسم بن محمد ، ونافع وابن المسيب ، والأوزاعي ، والزهري ، والثوري ، والحسن بن حي . وقال عبد الله بن مسعود ، وطاوس ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو ثور ، وداود ، وإسحاق وأحمد في رواية : إن الصوم ليس بشرط في الواجب والنفل وبه قال الشافعي : وأحمد وما ذكره أبو البركات قول قديم للشافعي واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال : ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه ورواه الدارقطني قال : ورفعه أبو بكر محمد بن إسحاق السوسي وغيره لا يرفعه وهو شيخ الدارقطني لكنه خالف الجماعة في رفعه مع أن النافي لا يحتاج إلى دليل واحتجت الطائفة الأولى بحديث عائشة الذي رواه أبو داود ، وفيه : لا اعتكاف إلا بصوم والمراد به الاعتكاف الواجب ، وعند الحنفية الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة ، ولصحة التطوع فيما روى الحسن عن أبي حنيفة فلذلك قال : أقله يوم والمراد به الاعتكاف مطلقا عند أصحابنا لأن من شرط الاعتكاف الصوم مطلقا فإن قلت : روى البخاري على ما يأتي أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال : فأوف بنذرك فهذا يدل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل لا يصلح ظرفا للصوم قلت : عند مسلم يوما بدل ليلة وأيضا روى النسائي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف في الجاهلية فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يعتكف ويصوم وأيضا هذا محمول على أنه كان نذر يوما وليلة بدليل أن في لفظ مسلم عن ابن عمر أنه جعل على نفسه يوما يعتكفه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : أوف بنذرك ، وقال ابن بطال : أصل الحديث قال عمر : إني نذرت أن أعتكف يوما وليلة في الجاهلية فنقل بعض الرواة ذكر الليلة وحدها ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمع ، وفي الذخيرة : أن الصوم كان في أول الإسلام بالليل ولعل ذلك كان قبل نسخه ، وقال النووي : قد تقرر أن النذر الجاري في الكفر لا ينعقد على الصحيح فلم يكن ذلك شيئا واجبا عليه ، وقال المهلب : كل ما كان في الجاهلية من الأيمان والطلاق وجميع العقود يهدمها الإسلام ويسقط حرمتها فيكون الأمر بذلك أمر استحباب ؛ كيلا يكون خلفا في الوعد ، وقال ابن بطال : محمول عند الفقهاء على الحض والندب ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاعتكاف في العشر الأواخر · ص 141 أبواب الاعتكاف أي : هذه أبواب الاعتكاف ، هكذا هو في رواية المستملي ، وليس لغيره ذلك إلا لفظ : كتاب في الاعتكاف في رواية النسفي . والمراد بالأبواب : الأنواع لأن في كل باب نوعا من أحكام الاعتكاف ، وقد ذكرنا فيما مضى أن الكتاب يجمع الأبواب والأبواب تجمع الفصول . باب الاعتكاف في العشر الأواخر أي : هذا باب في بيان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ، وقد ورد الاعتكاف بلفظ المجاورة ففي الصحيح من حديث أبي سعيد : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجاور في العشر الأوسط من رمضان الحديث ، وفي الصحيح في قصة بدء الوحي أنه كان يجاور بحراء . وقد اختلفوا هل المجاورة الاعتكاف أو غيره ؟ فقال عمرو بن دينار : الجوار والاعتكاف واحد . وسئل عطاء بن أبي رباح أرأيت الجوار والاعتكاف أمختلفان هما أو شيء واحد ؟ قال : بل هما مختلفان كانت بيوت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد فلما اعتكف في شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد فاعتكف فيه ، قلت له : فإن قال إنسان : علي اعتكاف أيام ففي جوفه لا بد ؟ قال : نعم ، وإن قال : علي جوار أيام فبابه أو في جوفه إن شاء ، هكذا رواه عبد الرزاق في المصنف عنهما ، قال شيخنا : وقول عمرو بن دينار هو الموافق للأحاديث ولما ذكر صاحب الإكمال حد الاعتكاف قال : ويسمى أيضا جوارا . والاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ والاعتكاف بالجر عطفا على لفظ الاعتكاف الأول ، وقيده بالمساجد ؛ لأنه لا يصح في غير المساجد وجمع المساجد وأكدها بلفظ كلها ؛ إشارة إلى أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد ، وفيه خلاف فقال حذيفة : لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة : مسجد مكة ، والمدينة ، والأقصى . وقال سعيد بن المسيب : لا اعتكاف إلا في مسجد نبي وفي الصوم لابن أبي عاصم بإسناده إلى حذيفة : لا اعتكاف إلا في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وروى الحارث عن علي رضي الله عنه : لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة . وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي لأن الآية نزلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو معتكف في مسجده فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي . وذهبت طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة ، روي ذلك عن علي وابن مسعود ، وعروة وعطاء ، والحسن والزهري ، وهو قول مالك في المدونة قال : أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع . وقالت طائفة الاعتكاف يصح في كل مسجد ، روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة ، والشعبي ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري والشافعي في الجديد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود وهو قول مالك في الموطأ ، وهو قول الجمهور والبخاري أيضا حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد . وقال صاحب الهداية : الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة ، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس ، وقال الزهري ، والحكم ، وحماد : هو مخصوص بالمساجد التي يجمع فيها ، وفي الذخيرة للمالكية قال مالك : يعتكف في المسجد سواء أقيم فيه الجماعة أم لا ، وفي المنتقى عن أبي يوسف الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة ، والنفل يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة ، وفي الينابيع : لا يجوز الاعتكاف الواجب إلا في مسجد له إمام ومؤذن معلوم يصلى فيه خمس صلوات . ورواه الحسن عن أبي حنيفة ثم أفضل الاعتكاف ما كان في المسجد الحرام ، ثم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم في بيت المقدس ، ثم في المسجد الجامع ، ثم في المساجد التي يكثر أهلها ويعظم ، وقال النووي : ويصح في سطح المسجد ورحبته كقولنا : لأنهما من المسجد ، وقال أيضا : المرأة لا يصح اعتكافها إلا في المسجد كالرجل . وقال ابن بطال : قال الشافعي : تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث شاءوا وقال أصحابنا : المرأة تعتكف في مسجد بيتها ، وبه قال النخعي ، والثوري ، وابن علية : ولا تعتكف في مسجد جماعة ذكره في الأصل . وفي منية المفتي : لو اعتكفت في المسجد جاز ، وفي المحيط : روى الحسن عن أبي حنيفة جوازه وكراهته في المسجد ، وفي البدائع : لها أن تعتكف في مسجد الجماعة في رواية الحسن عن أبي حنيفة ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها ، ومسجد حيها أفضل لها من المسجد الأعظم . قوله : لقوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ الآية ، وجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به ؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون ألا فيها ، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع ، وقال علي بن طلحة عن ابن عباس : هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان يحرم عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه . وقال الضحاك : كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء فقال الله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ أي : لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المساجد ، ولا في غيرها ، وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، وغير واحد : إنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية ، وقال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن مسعود ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة والضحاك ، والسدي ، والربيع بن أنس ، ومقاتل قالوا : لا يقربها وهو معتكف ، وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده ، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد منها فلا يحل له أن يلبث فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من غائط أو بول أو أكل ، وليس له أن يقبل امرأته ، ولا يضمها إليه ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه ، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه . قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي : هذا الذي بيناه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه ، وما حرمنا ، وما ذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا أي : تجاوزوها أو تعتدوها ، وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي : المباشرة في الاعتكاف . قوله : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ أي : كذلك يبين الله سائر أحكامه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لعلهم يتقون أي : يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون . 130 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال : حدثني ابن وهب ، عن يونس أن نافعا أخبره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وإسماعيل بن عبد الله هو المشهور بإسماعيل بن أبي أويس ، وأبو أويس اسمه عبد الله المدني ابن أخت مالك بن أنس ، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن يزيد بن أبي النجاد الأيلي والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح المصري ، وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن داود المهدي ، وأخرجه الترمذي من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، ومن حديث عروة عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله تعالى وأخرجه النسائي أيضا عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، وأخرجه ابن ماجه عن أبي السرح ، عن ابن وهب ، وفي الباب عن أبي بن كعب ، رواه أبو داود والنسائي ، وابن ماجه من رواية حماد عن ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي بن كعب : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان الحديث ، وأبو رافع هو الصائغ اسمه نفيع ، وعن رجل من بني بياضة رواه النسائي عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اعتكف العشر الأواخر من رمضان الحديث ، وعن أنس رواه الترمذي عنه وانفرد به قال : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما ، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وأخرجه ابن حبان والحاكم ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .