بَاب الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا
) كِتَاب الِاعْتِكَاف 1 - بَاب الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 2025 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا ) أَيْ : مَشْرُوطِيَّةُ الْمَسْجِدِ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ . قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ الْآيَةَ ) وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسَاجِدِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيهَا .
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ : كَانُوا إِذَا اعْتَكَفُوا ، فَخَرَجَ رَجُلٌ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَ امْرَأَتَهُ جَامَعَهَا إِنْ شَاءَ فَنَزَلَتْ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوطِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ ، إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ الْمَالِكِيَّ فَأَجَازَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِلصَّلَاةِ فِيهِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ قُدِّمَ ، وَفِي وَجْهٍ لِأَصْحَابِهِ وَلِلْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ إِلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الصَّلَوَاتُ ، وَخَصَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِالْوَاجِبِ مِنْهُ ، وَأَمَّا النَّفْلُ فَفِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ بِعُمُومِهِ مِنْ كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فَاسْتَحَبَّ لَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ ، وَشَرَطَهُ مَالِكٌ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِنْدَهُمَا يَنْقَطِعُ بِالْجُمُعَةِ ، وَيَجِبُ بِالشُّرُوعِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَخَصَّهُ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ كَالزُّهْرِيِّ بِالْجَامِعِ مُطْلَقًا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَخَصَّهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، وَعَطَاءٌ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّهِ فَمَنْ شَرَطَ فِيهِ الصِّيَامَ قَالَ : أَقَلُّهُ يَوْمٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَصِحُّ مَعَ شَرْطِ الصِّيَامِ فِي دُونِ الْيَوْمِ . حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ ، وَعَنْ مَالِكٍ يُشْتَرَطُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَعَنْهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الصَّوْمَ قَالُوا : أَقَلُّهُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ لُبْثٍ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقُعُودُ ، وَقِيلَ : يَكْفِي الْمُرُورُ مَعَ النِّيَّةِ كَوُقُوفِ عَرَفَةَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ يَعْلَى بنِ أُمِّيَّةَ الصَّحَابِيِّ : إِنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ السَّاعَةَ وَمَا أَمْكُثُ إِلَّا لِأَعْتَكِفَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى فَسَادِهِ بِالْجِمَاعِ حَتَّى قَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ : مَنْ جَامَعَ فِيهِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ : يَتَصَدَّقُ بِدِينَارَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ : فَفِي الْمُبَاشَرَةِ أَقْوَالٌ ، ثَالِثُهَا إِنْ أَنْزَلَ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا .
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ . أَحَدُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ : قَالَ نَافِعٌ : وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِيهِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ له فراشه وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ .