حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ

بَاب الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ 2024 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابن عيينة ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : فِي رَمَضَانَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي يَعْفُورَ ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ ، وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ وَهُوَ أَبُو يَعْفُورَ الْمَذْكُورُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَلَهُمْ أَبُو يَعْفُورَ آخَرُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ اسْمُهُ وَقْدَانُ .

قَوْلُهُ : ( إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ ) أَيِ : الْأَخِيرُ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( شَدَّ مِئْزَرَهُ ) أَيِ : اعْتَزَالَ النِّسَاءَ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوَهُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجِدَّ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا يُقَالُ : شَدَدْتُ لِهَذَا الْأَمْرِ مِئْزَرِي ، أَيْ : تَشَمَّرْتُ لَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ التَّشْمِيرُ وَالِاعْتِزَالُ مَعًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ ، كمن يَقُولُ : طَوِيلُ النِّجَادِ ، لِطَوِيلِ الْقَامَةِ ، وَهُوَ طَوِيلُ النِّجَادِ حَقِيقَةً ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ شَدَّ مِئْزَرَهُ حَقِيقَةً فَلَمْ يَحُلَّهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ وَشَمَّرَ لِلْعِبَادَةِ . قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ الْمَذْكُورَةِ : شَدَّ مِئْزَرَهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ فَعَطَفَهُ بِالْوَاوِ فَيَتَقَوَّى الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ .

قَوْلُهُ : ( وَأَحْيَا لَيْلَهُ ) أَيْ : سَهِرَهُ ، فَأَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ وَأَحْيَا نَفْسَهُ بِسَهَرِهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ ، وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ اتِّسَاعًا ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ إِذَا حَيِيَ بِالْيَقِظَةِ أَحْيَا لَيْلَهُ بِحَيَاتِهِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ : لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا أَيْ : لَا تَنَامُوا فَتَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فَتَكُونَ بُيُوتُكُمْ كَالْقُبُورِ . قَوْلُهُ : ( وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ) أَيْ : لِلصَّلَاةِ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ : لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يُطِيقُ الْقِيَامَ إِلَّا أَقَامَهُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اعْتِزَالَهُ النِّسَاءَ كَانَ بِالِاعْتِكَافِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ : وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْبَيْتِ ، فَلَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا لَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ : اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَكِفْ أَحَدٌ مِنْهُنَّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوقِظَهُنَّ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَنْ يُوقِظَهُنَّ عِنْدَمَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ لِحَاجَتِهِ .

( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي آخِرِ بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا نَصُّهُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : كَانَ هُبَيْرَةُ مَعَ الْمُخْتَارِ يُجْهِزُ عَلَى الْقَتْلَى ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ هُبَيْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ لِهَذَا ، وَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَّ عَامَّةَ حَدِيثِهِ مُضْطَرِبٌ انْتَهَى . وَأَرَادَ بِحَدِيثِ هُبَيْرَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ مَرْيَمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ بِوَزْنِ عَظِيمٍ عَنْ عَلِيٍّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَرَادَ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي هُبَيْرَةَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ الْمُخْتَارَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ - لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَدَعَا إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِمَّنْ كَانَ يُوَالِي أَهْلَ الْبَيْتِ ، فَقَتَلَ الْمُخْتَارُ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا مِمَّنِ اتُّهِمَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ خَلَائِقَ كَثِيرَةً ، وَكَأَنَّ مَنْ وَثَّقَ هُبَيْرَةَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ عِنْدَهُ قَدْحًا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا ؛ وَلِذَلِكَ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ ، وَمِمَّنْ وَثَّقَ هُبَيْرَةَ .

وَمَعْنَى قَوْلِهِ : يُجْهِزُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَجِيمٍ وَزَايٍ : يُكْمِلُ الْقَتْلَ . وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَهُوَ كُوفِيٌّ نَخَعِيٌّ قَدَّمَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَلَيْهِ الْحَسَنَ بْنَ عَمْرٍو ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ صَالِحٌ ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَلَا يُقَاسُ بِالْأَعْمَشِ .

انْتَهَى . وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَلِذَلِكَ اسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَصَحَّحَ حَدِيثَهُ لِشَوَاهِدِهِ عَلَى عَادَتِهِ ، وَتَجَنَّبَ حَدِيثَ عَلِيٍّ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَدِيثَيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَلَى هَذَا فَمَحَلُّ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ فِي هَذَا الْبَابِ لَا قَبْلَهُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحِرْصُ عَلَى مُدَاوَمَةِ الْقِيَامِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ إِشَارَةً إِلَى الْحَثِّ عَلَى تَجْوِيدِ الْخَاتِمَةِ ، خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِخَيْرٍ آمِينَ .

قَوْلُهُ : ( أَبْوَابُ الِاعْتِكَافِ ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ إِلَّا النَّسَفِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ : كِتَابُ وَثَبَتَت لَهُ الْبَسْمَلَةُ مُقَدَّمَةً ، وَلِلْمُسْتَمْلِي مُؤَخَّرَةً . وَالِاعْتِكَافُ لُغَةً : لُزُومُ الشَّيْءِ وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ ، وَشَرْعًا : الْمَقَامُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا إِلَّا عَلَى مَنْ نَذَرَهُ ، وَكَذَا مَنْ شَرَعَ فِيهِ فَقَطَعَهُ عَامِدًا عِنْدَ قَوْمٍ . وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ ، وَانْفَرَدَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهُ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث