حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ

بَاب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ 2023 - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حدثني خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، فَرُفِعَتْ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ ) أَيْ : بِسَبَبِ تَلَاحِي النَّاسِ ، وَقَيَّدَ الرَّفْعَ بِـ مَعْرِفَةٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا لَمْ تُرْفَعْ أَصْلًا وَرَأْسًا . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : يُسْتَفَادُ هَذَا التَّقْيِيدُ مِنْ قَوْلِهِ : الْتَمِسُوهَا بَعْدَ إِخْبَارِهِمْ بِأَنَّهَا رُفِعَتْ ، وَمِنْ كَوْنِ أَنَّ وُقُوعَ التَّلَاحِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : فَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا فَإِنَّ وَجْهَ الْخَيْرِيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ خَفَاءَهَا يَسْتَدْعِي قِيَامَ كُلِّ الشَّهْرِ أَوِ الْعَشْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَقِيَتْ مَعْرِفَةُ تَعْيِينِهَا .

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ) كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فَقَالَ : عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا وَلَمْ يَقُلْ : عَنْ عُبَادَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُ عُبَادَةَ وَأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ : ( فَتَلَاحِي ) بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ : وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا مُلَاحَاةٌ ، وَهِيَ الْمُخَاصَمَةُ وَالْمُنَازَعَةُ وَالْمُشَاتَمَةُ ، وَالِاسْمُ اللِّحَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَانِ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَزَادَ أَنَّهُ لَقِيَهُمَا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَحَجَزَ بَيْنَهُمَا ، فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى سَبَبِ النِّسْيَانِ . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنَسِيتُهَا وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّعَدُّدِ بِأَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنَامًا فَيَكُونَ سَبَبُ النِّسْيَانِ الْإِيقَاظَ ، وَأَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ فِي الْيَقِظَةِ فَيَكُونَ سَبَبُ النِّسْيَانِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّةِ وَيَكُونَ النِّسْيَانُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ عَنْ سَبَبَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَسَمِعْتُ تَلَاحِيَ الرَّجُلَيْنِ فَقُمْتُ لِأَحْجِزَ بَيْنَهُمَا فَنَسِيتُهَا لِلِاشْتِغَالِ بِهِمَا ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ قَالُوا : بَلَى .

فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَأَنَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا فَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ النِّسْيَانِ ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي الْحَمْلَ عَلَى التَّعَدُّدِ . قَوْلُهُ : ( رَجُلَانِ ) قِيلَ : هُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ ابْنُ دِحْيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا . قَوْلُهُ : ( لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ) أَيْ : بِتَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ .

قَوْلُهُ : ( فَرُفِعَتْ ) أَيْ : مِنْ قَلْبِي ، فَنَسِيتُ تَعْيِينَهَا لِلِاشْتِغَالِ بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَرُفِعَتْ بَرَكَتُهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وَقِيلَ : التَّاءُ فِي رُفِعَتْ لِلْمَلَائِكَةِ لَا لِلَّيْلَةِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ : رُفِعَتْ أَيْ : مَعْرِفَتُهَا ، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَفْعَهَا مَسْبُوقٌ بِوُقُوعِهَا ، فَإِذَا وَقَعَتْ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِهَا مَعْنًى ، قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ بِرَفْعِهَا أَنَّهَا شُرِعَتْ أَنْ تَقَعَ فَلَمَّا تَخَاصَمَا رُفِعَتْ بَعْدُ ، فَنُزِّلَ الشُّرُوعُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الَّذِي ارْتَفَعَ عِلْمُ تَعْيِينِهَا تِلْكَ السَّنَةَ فَهَلْ أُعْلِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهَا؟ فِيهِ احْتِمَالٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهُ أُعْلِمَ ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ وَاهِبٍ الْمُغَافِرِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَتْ : لَا ، لَوْ عَلِمَهَا لَمَا أَقَامَ النَّاسُ غَيْرَهَا ا هـ . وَهَذَا قَالَتْهُ احْتِمَالًا وَلَيْسَ بِلَازِمٍ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّعَبُّدُ وَقَعَ بِذَلِكَ أَيْضًا فَيَحْصُلُ الِاجْتِهَادُ فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَاسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ ، فِي الْحَلَبِيَّاتِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ اسْتِحْبَابَ كِتْمَانِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِمَنْ رَآهَا ; قَالَ : وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِنَبِيِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبَرْ بِهَا ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِيمَا قُدِّرَ لَهُ فَيُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ ذَلِكَ عَنِ الْحَاوِي قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهَا كَرَامَةٌ وَالْكَرَامَةُ يَنْبَغِي كِتْمَانُهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الطَّرِيقِ مِنْ جِهَةِ رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَلَا يَأْمَنُ السَّلْبَ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنْ لَا يَأْمَنَ الرِّيَاءَ ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَدَبِ فَلَا يَتَشَاغَلُ عَنِ الشُّكْرِ لِلَّهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَذِكْرِهَا لِلنَّاسِ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْحَسَدَ فَيُوقِعُ غَيْرَهُ فِي الْمَحْذُورِ ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَام : يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ الْآيَةَ .

قَوْلُهُ : ( فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالتَّاسِعَةِ تَاسِعَ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَتَكُونَ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا تَاسِعَ لَيْلَةٍ تَبْقَى مِنَ الشَّهْرِ فَتَكُونَ لَيْلَةَ إِحْدَى أَوِ اثْنَيْنِ بِحَسَبِ تَمَامِ الشَّهْرِ وَنُقْصَانِهِ ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ : الْتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ أَيْ : فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث