بَاب تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، قالا : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ . تابعه عبد الوهاب عن أيوب . وَعَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْتَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ .
يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ . قَوْلُهُ : فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيةِ : ( عَبْدُ الْوَاحِدُ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ ، وَعَاصِمٌ هُوَ الْأَحْوَلُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، وَعِكْرِمَةَ قَالَا : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَفَّانَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً وَهِيَ : قَالَ عُمَرُ : مَنْ يَعْلَمُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ ، وَقَدْ تَوَقَّفَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي اتِّصَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ عِكْرِمَةَ ، وَأَبَا مِجْلَزٍ مَا أَدْرَكَا عُمَرَ فَمَا حَضَرَا الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ أَنَّهُمَا أَخَذَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسِيَاقُهُ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا كَمَا سَنَذْكُرُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأَصَالَةِ ، فَلَا يَضُرُّ الْإِرْسَالُ فِي قِصَّةِ عُمَرَ ، فَإِنَّهَا مَذْكُورَةٌ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ أن لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ .
قَوْلُهُ : ( فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ السِّينِ فِي الثَّانِي وَتَأْخِيرِهَا فِي الْأَوَّلِ ، وَبِلَفْظِ الْمُضِيِّ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَقَاءِ فِي الثَّانِي ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ الْمُضِيِّ فِيهِمَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِتَقْدِيمِ السِّينِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى تَخْرِيجِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، فَإِنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ قَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مَوْقُوفًا ، فَرَوَى عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَعَاصِمٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا عِكْرِمَةَ يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : دَعَا عُمَرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا في الْعَشْر الْأَوَاخِر ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقُلْتُ لِعُمَرَ إِنِّي لَأَعْلَمُ - أَوْ أَظُنُّ - أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ ، قَالَ عُمَرُ : أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ فَقُلْتُ : سَابِعَةٌ تَمْضِي أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ : خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ، وَسَبْعَ أَرْضِينَ ، وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَالدَّهْرُ يَدُورُ فِي سَبْعٍ ، وَالْإِنْسَانُ خُلِقَ مِنْ سَبْعٍ ، وَيَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ ، وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْعٍ ، وَالطَّوَافُ وَالْجِمَارُ وَأَشْيَاءُ ذَكَرَهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ فَطِنْتَ لِأَمْرٍ مَا فَطِنَّا لَهُ فَعَلَى هَذَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَوَقْفِهَا فَرَجَحَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ الْمَرْفُوعُ فَأَخْرَجَهُ وَأَعْرَضَ عَنِ الْمَوْقُوفِ ، وَلِلْمَوْقُوفِ عَنْ عُمَرَ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَوَّلُهُ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَعَا الْأَشْيَاخَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لَا تَتَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا ، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وِتْرًا ، أَيُّ الْوِتْرِ هِيَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ : تَاسِعَةٌ سَابِعَةٌ خَامِسَةٌ ثَالِثَةٌ . فَقَالَ لِي : مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قُلْتُ : أَتَكَلَّمُ بِرَأْي؟ قَالَ : عَنْ رَأْيِكَ أَسْأَلُكَ . قُلْتُ : فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَفِي آخِرِهِ : فَقَالَ عُمَرُ : أَعْجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي مَا اسْتَوَتْ شُئُونُ رَأْسِهِ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَزَادَ فِيهِ : وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ النَّسَبَ فِي سَبْعٍ وَالصِّهْرَ فِي سَبْعٍ ، ثُمَّ تَلَا : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ : إِنِّي لَأَرَى الْقَوْلَ كَمَا قُلْتَ .
قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَيُّوبَ ) هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْ رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ هُنَا ، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ عَقِبَ طَرِيقِ وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَصْلَحَهَا ابْنُ عَسَاكِرَ فِي نُسْخَتِهِ كَذَلِكَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدَ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ مُتَابِعًا لِوُهَيْبٍ فِي إِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِثْلَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْتَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ خَالِدٍ أَيْضًا ، لَكِنْ جَزَمَ الْمِزِّيُّ بِأَنَّ طَرِيقَ خَالِدٍ هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ ، وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا حَذَفَهَا أَصْحَابُ الْمُسْنَدَاتِ لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُتِيتُ وَأَنَا نَائِمٌ فَقِيلَ لِي : اللَّيْلَةُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، فَقُمْتُ وَأَنَا نَاعِسٌ ، فَتَعَلَّقْتُ بِبَعْضِ أَطْنَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ يُصَلِّي ، قَالَ : فَنَظَرْتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى : إِنَّهَا فِي وِتْرٍ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ مِمَّا ظَاهِرُهُ الشَّفْعُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ بِالْعَدَدِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ ، فَتَكُونَ لَيْلَةُ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ هِيَ السَّابِعَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ : فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَيْ : أَوَّلُ مَا يُرْجَى مِنَ السَّبْعِ الْبَوَاقِي فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْتِمَاسِهَا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ قَوْلَهُ : تَاسِعَةٌ تَبْقَى يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ إِنْ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ وَلَا تَكُونَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْحَصْرِ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : تَبْقَى هَلْ هُوَ تَبْقَى بِاللَّيْلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ خَارِجًا عَنْهَا ، فَبَنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَيَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى الثَّانِي فَيَكُونُ عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى الِاحْتِمَالَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ مَثَلًا ثَلَاثِينَ فَالتِّسْعُ مَعْنَاهَا غَيْرُ اللَّيْلَةِ ، وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَالتِّسْعُ بِانْضِمَامِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا ، كَمَا وَقَعَ لَنَا نَظِيرُ ذَلِكَ فِي سَاعَةِ الْجُمْعَةِ ، وَقَدِ اشْتَرَكَتَا فِي إِخْفَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِيَقَعَ الْجِدُّ فِي طَلَبِهِمَا .
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهَا رُفِعَتْ أَصْلًا وَرَأْسًا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ عَنِ الرَّوَافِضِ وَالْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَكَأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْهُ . وَالَّذِي حَكَاهُ السُّرُوجِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ الشِّيعَةِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُحَنَّسَ قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : زَعَمُوا أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ رُفِعَتْ . قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ : ذَكَرَ الْحَجَّاجُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَهَا ، فَأَرَادَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أَنْ يَحْصِبَهُ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ أَيْضًا . الثَّالِثُ : أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ تَكُنْ فِي الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَنَقَلَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْعِدَّةِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَرَجَّحَهُ ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مَاتُوا رُفِعَتْ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ وَعُمْدَتُهُمْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ عَنْ أَعْمَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَلَا يَدْفَعُ التَّصْرِيحَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ . الرَّابِعُ : أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ مَشْهُورٌ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ حَكَاهُ قَاضِي خَانْ ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنْهُمْ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِمْ ، وَزَيَّفَ الْمُهَلَّبُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ : لَعَلَّ صَاحِبَهُ بَنَاهُ عَلَى دَوَرَانِ الزَّمَانِ لِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ ، وَهُوَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِهِ حَتَّى تُنْقَلَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ عَنْ رَمَضَانَ ا هـ .
وَمَأْخَذُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ . الْخَامِسُ : أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِرَمَضَانَ مُمْكِنَةٌ فِي جَمِيعِ لَيَالِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ الْجَزْمُ بِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ رِوَايَةً ، وَقَالَ السُّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ . وَقَالَ صَاحِبَاهُ : إِنَّهَا فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُ مُبْهَمَةٍ ، وَكَذَا قَالَ النَّسَفِيُّ فِي الْمَنْظُومَةِ : وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ بِكُلِّ الشَّهْرِ دَائِرَةٌ وَعَيَّنَاهَا فَادْرِ ا هـ .
وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ قَوْمٍ وَهُوَ السَّادِسُ . السَّابِعُ : أَنَّهَا أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ حكي عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ الصَّحَابِيِّ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَهُ . الثَّامِنُ : أَنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ ، حَكَاهُ شَيْخُنَا سِرَاجُ الدِّينِ بْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَالَّذِي رَأَيْتُ فِي الْمُفْهِمِ لِلْقُرْطُبِيِّ حِكَايَةُ قَوْلٍ أَنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ، وَكَذَا نَقَلَهُ السُّرُوجِيِّ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنْ كَانَا مَحْفُوظَيْنِ فَهُوَ الْقَوْلُ التَّاسِعُ ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ السُّرُوجِيِّ عَنِ الْمُحِيطِ أَنَّهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ .
الْعَاشِرُ : أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : مَا أَشُكُّ وَلَا أَمْتَرِيَ أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا . الْقَوْلُ الْحَادِي عَشَرَ : أَنَّهَا مُبْهَمَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَعَزَاهُ الطَّبَرِيُّ ، لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .
الْقَوْلُ الثَّانِي عَشَرَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ قَرَأْتُهُ بِخَطِّ الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ فِي شَرْحِهِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُشْكِلِهِ . الْقَوْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَزَاهُ الطَّبَرِيُّ ، لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . الْقَوْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ : أَنَّهَا أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَلَكِنْ قَالَ السُّبْكِيُّ : إِنَّهُ لَيْسَ مَجْزُومًا بِهِ عِنْدَهُمْ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَمِ حِنْثِ مَنْ عَلَّقَ يَوْمَ الْعِشْرِينَ عِتْقَ عَبْدِهِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، بَلْ بِانْقِضَاءِ الشَّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ .
وَقِيلَ : بِانْقِضَاءِ السَّنَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، بَلْ هِيَ فِي رَمَضَانَ . الْقَوْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا فَهِيَ لَيْلَةُ الْعِشْرِينَ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْتَمِسُوهَا اللَّيْلَةَ . قَالَ : وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : هَذِهِ أَوْلَى بِثَمَانٍ بَقِينَ .
قَالَ : بَلْ أَوْلَى بِسَبْعٍ بَقِينَ ، فَإِنَّ هَذَا الشَّهْرَ لَا يَتِمُّ . الْقَوْلُ السَّادِسَ عَشَرَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَسَيَأْتِي حِكَايَتُهُ بَعْدُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّهُ : سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَذَلِكَ صَبِيحَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَقَالَ : كَمِ اللَّيْلَةُ؟ قُلْتُ : لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ، فَقَالَ : هِيَ اللَّيْلَةُ أَوِ الْقَابِلَةُ . الْقَوْلُ السَّابِعَ عَشَرَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ مَرْفُوعًا : أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ نُسِّيتُهَا فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَكِنَّهُ قَالَ فِيهِ : لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ بَدَلَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَعَنْهُ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ .
قَالَ : انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ لَهُ صُحْبَةٌ مَرْفُوعًا ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَابِعَةٍ ، وَكَانَ أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَيَمَسُّ الطِّيبَ ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : اسْتَقَامَ قَوْلُ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . الْقَوْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلِلشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ وَاثِلَةَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ بِلَالٍ مَرْفُوعًا : الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ أَخْطَأَ ابْنُ لَهِيعَةَ فِي رَفْعِهِ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا بِغَيْرِ لَفْظِهِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي بِلَفْظِ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوَّلُ السَّبْعِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . الْقَوْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ وَعَزَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُشْكِلِ لِأَبِي بَكْرَةَ .
الْقَوْلُ الْعِشْرُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا ، إِلَّا أَنَّ عِيَاضًا قَالَ : مَا مِنْ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ إِلَّا وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا فِيهِ . الْقَوْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ الْجَادَّةُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَحَلَفَ عَلَيْهِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ كَأَنَّهُ شِقُّ جَفْنَةٍ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْفَارِسِيُّ : أَيْ : لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَإِنَّ الْقَمَرَ يَطْلُعُ فِيهَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الصَّهْبَاوَاتِ؟ قُلْتُ : أَنَا ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، وَحُذَيْفَةَ وَنَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : رَأَى رَجُلٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا : لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ : مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوُهُ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي أَوْسَطِهِ ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ نَحْوُهُ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِنْبَاطُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ عُمَرَ فِيهِ وَمُوَافَقَتُهُ لَهُ ، وَزَعَمَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ عَدَدِ كَلِمَاتِ السُّورَةِ ، وَقَدْ وَافَقَ قَوْلَهُ فِيهَا : هِيَ سَابِعُ كَلِمَةٍ بَعْدَ الْعِشْرِينَ ، وَهَذَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَبَالَغَ فِي إِنْكَارِهِ ، نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَالَ : إِنَّهُ مِنْ مُلَحِ التَّفَاسِيرِ وَلَيْسَ مِنْ مَتِينِ الْعِلْمِ .
وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى فَقَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ ، وَقَدْ أُعِيدَتْ فِي السُّورَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَذَلِكَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ . وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَكَذَا الْمُحِيطُ : مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . طُلِّقَتْ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّ الْعَامَّةَ تَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ .
الْقَوْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ قَبْلُ بِقَوْلٍ . الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ . الْقَوْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثِينَ حَكَاهُ عِيَاضٌ ، وَالسُّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
الْقَوْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهَا فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ ، وَصَارَ إِلَيْهِ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ . الْقَوْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِثْلُهُ بِزِيَادَةِ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ .
الْقَوْلُ السابع وَالْعِشْرُونَ : تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ كُلِّهِ ، قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ; وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهَا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّحِيحِ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ اعْتِكَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَشْرَ الْأَخِيرَ فِي طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَاعْتِكَافُ أَزْوَاجِهِ بَعْدَهُ وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ فِيهِ مُحْتَمَلَةٌ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ . نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَعْضُ لَيَالِيهِ أَرْجَى مِنْ بَعْضٍ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَرْجَاهُ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ ، وَقِيلَ : أرجاهُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ .
وَهُوَ الْقَوْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ ، وَقِيلَ : أَرْجَاهُ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ . وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّلَاثُونَ . الْقَوْلُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ : أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : هَلِ الْمُرَادُ لَيَالِي السَّبْعِ مِنْ آخَرِ الشَّهْرِ أَوْ آخَرِ سَبْعَةٍ تُعَدُّ مِنَ الشَّهْرِ؟ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ .
الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَحَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ . الْقَوْلُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ سِتَّ عَشْرَةَ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ . رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ .
الْقَوْلُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ . الْقَوْلُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنَّهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ آخَرِ لَيْلَةٍ .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ . الْقَوْلُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنَّهَا أَوَّلُ لَيْلَةٍ أَوْ تَاسِعُ لَيْلَةٍ أَوْ سَابِعَ عَشْرَةَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ آخِرُ لَيْلَةٍ . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ .
الْقَوْلُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ أَيْضًا . الْقَوْلُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ : لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ .
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ حَيْثُ قَالَ : سَبْعٌ يَبْقَيْنَ أَوْ سَبْعٌ يَمْضِينَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ : سَابِعَةٌ تَمْضِي أَوْ سَابِعَةٌ تَبْقَى قَالَ النُّعْمَانُ : فَنَحْنُ نَقُولُ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . الْقَوْلُ الْأَرْبَعُونَ : لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ : تَاسِعَةٌ تَبْقَى سَابِعَةٌ تَبْقَى خَامِسَةٌ تَبْقَى قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : قَوْلُهُ : تَاسِعَةٌ تَبْقَى لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَخْ . الْقَوْلُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ .
الْقَوْلُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ . الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّهَا فِي أَشِفَاعِ الْعَشْرِ الْوَسَطِ وَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ . قَرَأْتُهُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ .
الْقَوْلُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّهَا لَيْلَةُ الثَّالِثَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ أَوِ الْخَامِسَةِ مِنْهُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّالِثَةَ تَحْتَمِلُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَتَحْتَمِلُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَتَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَبِهَذَا يَتَغَايَرُ هَذَا الْقَوْلُ مِمَّا مَضَى . الْقَوْلُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّهَا فِي سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي .
رَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ : تَحَرَّهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ . ثُمَّ عَادَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : إِلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحْيِي لَيْلَةَ سِتَّ عَشْرَةَ إِلَى لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ يَقْصُرُ . الْقَوْلُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ أَوِ الْوِتْرِ مِنَ اللَّيْلِ .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي خَلَدَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ : مَتَى لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ : اطْلُبُوهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ وَآخِرِ لَيْلَةٍ وَالْوِتْرِ مِنَ اللَّيْلِ وَهَذَا مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا بَعْدَ الثَّالِثِ فَهَلُمَّ جَرًّا مُتَّفِقَةٌ عَلَى إِمْكَانِ حُصُولِهَا وَالْحَثِّ عَلَى الْتِمَاسِهَا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا آخَرَ ، وَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : قَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ بِهَا ، وَأَخْبَرَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ .
وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَوْلًا جَوَّزَ فِيهِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ . هَذَا آخَرُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ ، وَبَعْضُهَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى بَعْضٍ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا التَّغَايُرَ ، وَأَرْجَحُهَا كُلِّهَا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ ، وَأَرْجَاهَا أَوْتَارُ الْعَشْرِ ، وَأَرْجَى أَوْتَارِ الْعَشْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، وَأَرْجَاهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحِكْمَةُ فِي إِخْفَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِيَحْصُلَ الِاجْتِهَادُ فِي الْتِمَاسِهَا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي سَاعَةِ الْجُمُعَةِ ، وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ مُطَّرِدَةٌ عِنْدَ مِنْ يَقُولُ : إِنَّهَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَفِي جَمِيعٍ رَمَضَانَ ، أَوْ فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، أَوْ فِي أَوْتَارِهِ خَاصَّةً ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ الثَّانِي أَلْيَقُ بِهِ .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ لَهَا عَلَامَةٌ تَظْهَرُ لِمَنْ وُفِّقَتْ لَهُ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ : يَرَى كُلَّ شَيْءٍ سَاجِدًا . وَقِيلَ : الْأَنْوَارُ فِي كُلِّ مَكَانٍ سَاطِعَةً حَتَّى فِي الْمَوَاضِعِ الْمُظْلِمَةِ . وَقِيلَ : يَسْمَعُ سَلَامًا أَوْ خِطَابًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ : عَلَامَتُهَا اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ مَنْ وُفِّقَتْ لَهُ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِهَا رُؤْيَةُ شَيْءٍ وَلَا سَمَاعُهُ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا : هَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا لِمَنِ اتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ قَامَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ ، أَوْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى كَشْفِهَا لَهُ؟ وَإِلَى الْأَوَّلِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ ، وَالْمُهَلَّبُ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ ، وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ الْأَكْثَرُ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقْهَا وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : مَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ثُمَّ وُفِّقَتْ لَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى يُوَافِقُهَا ، أَيْ : يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يُوَافِقُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ ذَلِكَ . وَفِي حَدِيثِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْقَوْلَيْنِ أَيْضًا .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي حَدِيثِ : مَنْ قَامَ رَمَضَانَ وَفِي حَدِيثِ : مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ : مَعْنَاهُ مَنْ قَامَهُ وَلَوْ لَمْ يُوَافِقْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَوَافَقَهَا حَصَلَ لَهُ ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُوَافَقَةِ بِالْعِلْمِ بِهَا ، وَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَظَرِي ، وَلَا أُنْكِرُ حُصُولَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ لِمَنْ قَامَ لِابْتِغَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَلَوْ لَمْ تُوَفَّقْ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى حُصُولِ الثَّوَابِ الْمُعَيَّنِ الْمَوْعُودِ بِهِ ، وَفَرَّعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِهَا أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهَا شَخْصٌ دُونَ شَخْصٍ فَيُكْشَفُ لِوَاحِدِ وَلَا يُكْشَفُ لِآخَرَ وَلَوْ كَانَا مَعًا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي إِخْفَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِلْعُيُونِ مَا لَا يَظْهَرُ فِي سَائِرِ السَّنَةِ ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَخَفْ عَلَى كُلِّ مَنْ قَامَ لَيَالِي السَّنَةِ فَضْلًا عَنْ لَيَالِي رَمَضَانَ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالتَّكْذِيبِ لِذَلِكَ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَامَةِ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ فَيَخْتَصُّ بِهَا قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْصُرِ الْعَلَّامَةَ وَلَمْ يَنْفِ الْكَرَامَةَ ، وَقَدْ كَانَتِ الْعَلَامَةُ فِي السَّنَةِ الَّتِي حَكَاهَا أَبُو سَعِيدٍ نُزُولَ الْمَطَرِ ، وَنَحْنُ نَرَى كَثِيرًا مِنَ السِّنِينَ يَنْقَضِي رَمَضَانُ دُونَ مَطَرٍ مَعَ اعْتِقَادنَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو رَمَضَانُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، قَالَ : وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نَعْتَقِدُ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا مَنْ رَأَى الْخَوَارِقَ ، بَلْ فَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ ، وَرُبَّ قَائِمٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا إِلَّا عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ خَارِقٍ ، وَآخَرَ رَأَى الْخَارِقَ مِنْ غَيْرِ عِبَادَةٍ ، وَالَّذِي حَصَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ ، وَالْعِبْرَةُ إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِقَامَةِ ، فَإِنَّهَا تَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا كَرَامَةً ، بِخِلَافِ الْخَارِقِ فَقَدْ يَقَعُ كَرَامَةً وَقَدْ يَقَعُ فِتْنَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ رَدٌّ لِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ الْحَوْلِيِّ الْمَغْرِبِيِّ أَنَّهُ اعْتَبَرَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلَمْ تَفُتْهُ طُولَ عُمُرِهِ وَأَنَّهَا تَكُونُ دَائِمًا لَيْلَةَ الْأَحَدِ ، فَإِنْ كَانَ أَوَّلُ الشَّهْرِ لَيْلَةَ الْأَحَدِ كَانَتْ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ فِي لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْعَشْرِ الْوَسَطِ لِضَرُورَةِ أَنَّ أَوْتَارَ الْعَشْرِ خَمْسَةٌ . وَعَارَضَهُ بَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّهَا تَكُونُ دَائِمًا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، وَذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ ، وَكِلَاهُمَا لَا أَصْلَ لَهُ ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا كَافٍ فِي الرَّدِّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَتْ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ زِيَادَةٌ سَأَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا بَعْدَ بَابٍ آخَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .