189 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قال : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، قال : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قال : أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قال : وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ . وَقَالَ عُرْوَةُ عَنْ الْمِسْوَرِ ، وَغَيْرِهِ : يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ هَذَا فِي بَابِ مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُرْوَةُ ) هُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ( عَنِ الْمِسْوَرِ ) هُوَ ابْنُ مَخْرَمَةَ . قَوْلُهُ : ( وَغَيْرُهُ ) هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَمَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مَجْهُولٍ لَكِنَّهَا مُتَابَعَةٌ ، وَيُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ . قُلْتُ : وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَذَرُ بِهِ هُنَا ؛ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ مَعْرُوفٌ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِ اخْتِصَارًا كَمَا اخْتَصَرَ السَّنَدَ فَعَلَّقَهُ ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ عُرْوَةُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ أَخْبَرَنِي مَحْمُودٌ فَيَكُونُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَ مَحْمُودٍ وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدِيثَ عُرْوَةَ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ حَدِيثُ عُرْوَةَ مُعَلَّقًا بَلْ يَكُونُ مَوْصُولًا بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَصَنِيعُ أَئِمَّةِ النَّقْلِ يُخَالِفُ مَا زَعَمَهُ ، وَاسْتَمَرَّ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى هَذَا التَّجْوِيزِ حَتَّى زَعَمَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لِلْمِسْوَرِ ، وَمَحْمُودِ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ هُوَ لِلْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ ، وَهُوَ تَجْوِيزٌ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى النَّقْلِ فِي بَابِ النَّقْلِ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( كَانُوا يَقْتَتِلُونَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ كَادُوا بِالدَّالِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ، وَإِنَّمَا حَكَى ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ لِيُعْلِمَهُمْ شِدَّةَ تَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْقِتَالَ مُبَالَغَةً .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ · ص 354 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب استعمال فضل وضوء الناس · ص 76 52 - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ. هذا الحديث لا يطابق الترجمة أصلا ، وإنما يدل على ممازحة الطفل بما قد يصعب عليه ؛ لأن مج الماء قد يصعب عليه ، وإن كان قد يستلذه . وقد أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب العلم في باب متى يصح سماع الصغير ، وقد مر الكلام فيه مستوفى من جميع الوجوه . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني أحد الأعلام ، وصالح هو ابن كيسان ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، والربيع بفتح الراء . قوله ( من بئرهم ) يتعلق بقوله ( مج ) ، وقوله ( وهو غلام ) جملة اسمية وقعت حالا ، وقوله ( وهو الذي مج ) إلى لفظ ( بئرهم ) كلام لابن شهاب ذكره تعريفا أو تشريفا ، والضمير في بئرهم لمحمود وقومه بدلالة القرينة عليه ، والذي أخبر به محمود هو قوله : عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي ، وأنا ابن خمس سنين من دلو . ( وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنْ الْمِسْوَرِ وَغَيْرِهِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ: وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ) . عروة هو ابن الزبير بن العوام تقدم . المسور بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو - ابن مخرمة ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ، الزهري ، ابن بنت عبد الرحمن بن عوف ، قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين ، وصح سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روي له اثنان وعشرون حديثا ، ذكر البخاري منها ستة ، فأصابه حجر من أحجار المنجنيق ، وهو يصلي في الحجر ، فمكث خمسة أيام ، ثم مات زمن محاصرة الحجاج مكة سنة أربع وستين ، والألف واللام فيه كالألف واللام في الحارث ، يجوز إثباتها ويجوز نزعها ، وهو في الحالتين علم . قوله ( يصدق كل واحد منهما صاحبه ) أي يصدق كل من المسور ومروان صاحبه ؛ لأن المراد من قوله ( وغيره ) هو مروان ، على ما يأتي ، وقد خبط الكرماني هنا خباطا فاحشا ، وسأبينه عن قريب إن شاء الله تعالى . قوله ( وغيره ) يريد به مروان بن الحكم ؛ لأن البخاري أخرج هذا التعليق في كتاب الشروط في باب الشروط في الجهاد موصولا ، فقال : حدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، قال : أخبرني الزهري ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان ، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ، قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية .. الحديث ، وهو طويل جدا ، إلى أن قال : ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بعينيه ، قال : فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كانوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له .. إلى آخر الحديث ، والمراد من قوله ( ثم إن عروة ) وهو عروة بن مسعود ، أرسله كفار مكة إلى النبي عليه الصلاة والسلام زمن الحديبية . قوله ( وإذا توضأ ) الضمير فيه يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، والحاكي هو عروة بن مسعود ؛ لأنه هو الذي شاهد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يفعلون بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو أيضا أخبر بذلك لأهل مكة كما ستقف على الحديث بطوله . قوله ( كانوا يقتتلون ) كذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية الباقين ( كادوا يقتتلون ) ، قال بعضهم : هو الصواب ؛ لأنه لم يقع بينهم قتال . قلت : كلاهما سواء ، والمراد به المبالغة في ازدحامهم على نخامة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى وضوئه . وأما الكرماني فإنه قال أولا : فإن قلت : هو رواية عن المجهول ، ولا اعتبار به . قلت : الغالب أن عروة لا يروي إلا عن العدل ، فحكمه حكم المعلوم ، وأيضا هو مذكور على سبيل التبعية ، ويحتمل في التابع ما لا يحتمل في غيره. أقول : هذا السؤال غير وارد أصلا ؛ لأن هذا التعليق ، وهو قوله ( وقال عروة ) قد أخرجه البخاري موصولا ، وبين فيه أن المراد من قوله ( وغيره ) هو مروان كما ذكرناه ، فإذا سقط السؤال فلا يحتاج إلى الجواب . وقال الكرماني : ثانيا : فإن قلت : هذا تعليق من البخاري أم لا ؟ قلت : هو عطف على مقول ابن شهاب ، أي قال ابن شهاب : أخبرني محمود ، وقال عروة . أقول : نعم هذا تعليق ، وصله في كتابه كما ذكرنا ، وليس هو عطفا على مقول ابن شهاب . وقال : ثالثا : قوله ( منهما ) أي من محمود والمسور ، أي محمود يصدق مسورا ، ومسور يصدق محمودا . أقول : ليس كذلك ، بل المعنى أن المسور يصدق مروان بن الحكم ، ومروان يصدق مسورا . وقال : رابعا : ولفظ يصدق هو كلام ابن شهاب أيضا ، ومقول كل واحد منهما هو لفظ : وإذا توضأ . أقول : لفظ وإذا توضأ ليس مقول كل واحد منهما ، بل هو مقول عروة بن مسعود ؛ لأنه هو القائل بذلك والحاكي به عند مشركي مكة ، وذكر أبو الفضل بن طاهر أن هذا الحديث معلول ، وذلك أن المسور ومروان لم يدركا هذه القصة التي كانت بالحديبية سنة ست ؛ لأن مولدهما كان بعد الهجرة بسنتين ، وعلى ذلك اتفق المؤرخون ، وأما ما في ( صحيح مسلم ) عن المسور ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على هذا المنبر ، وأنا يومئذ محتلم . فيحتاج إلى تأويل لغوي ، يعني : أنه كان يعقل ، لا الاحتلام الشرعي ، أو أنه كان سمينا غير مهزول ، فيما ذكره القرطبي . وقال صاحب ( الأفعال ) : حلم حلما إذا عقل . وقال غيره : تحلم الغلام صار سمينا ، وهو معدود في صغار الصحابة ، مات سنة أربع وستين .