42 - بَاب كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ ؟ 2107 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَافِعًا ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا . قَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ ) وَالْخِيَارُ بِكَسْرِ الْخَاءِ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيَارِ أَوِ التَّخْيِيرِ ، وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخِهِ ، وَهُوَ خِيَارَانِ : خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ خِيَارَ النَّقِيصَةِ ، وَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي الشَّرْطِ فَلَا يُزَادُ . وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ ، وَالتَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ مِقْدَارِهِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ بَيَانٌ لِذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَعَلَّهُ أَخَذَ مِنْ عَدَمِ تَحْدِيدِهِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ ، بَلْ يُفَوَّضُ الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى الْحَاجَةِ لِتَفَاوُتِ السِّلَعِ فِي ذَلِكَ . قُلْتُ : وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلْقَمَةَ الْغَرَوِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَهَذَا كَأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ فِي قِصَّةِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَسَأَذْكُرُهُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ ، وَبِهِ احْتُجَّ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ أَمَدَ الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ التَّوْقِيتَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْغَالِبِ يُمْكِنُ الِاخْتِيَارُ فِيهَا ، لَكِنْ لِكُلِّ شَيْءٍ أَمَدٌ بِحَسَبِهِ يَتَخَيَّرُ فِيهِ ، فَلِلدَّابَّةِ مَثَلًا وَالثَّوْبِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ وَلِلْجَارِيَةِ جُمُعَةٌ وَلِلدَّارِ شَهْرٌ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَمْتَدُّ الْخِيَارُ شَهْرًا وَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَخْتَصُّ الْخِيَارُ بِالْمُشْتَرِي وَيَمْتَدُّ لَهُ إِلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ انْفَرَدَ بِذَلِكَ ، وَقَدْ صَحَّ الْقَوْلُ بِامْتِدَادِ الْخِيَارِ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْهُ فِي أَبْوَابِ الْمُلَازَمَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ : كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ أَيْ : كَمْ يُخَيِّرُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْآخَرَ مَرَّةً . وَأَشَارَ إِلَى مَا فِي الطَّرِيقِ الْآتِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ زِيَادَةِ هَمَّامٍ : وَيَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ لَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةً أَبْقَى التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ كَعَادَتِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ الثَّقَفِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ : إِنَّ الْمُتَبَايِعَانِ قَالَ : وَهِيَ لُغَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ الْبَيِّعَانِ بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَالْبَيِّعُ بِمَعْنَى الْبَائِعِ كَضَيِّقٍ وَضَائِقٍ وَصَيِّنٍ وَصَائِنٍ وَلَيْسَ كَبَيِّنٍ وَبَائِنٍ ، فَإِنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ كَقَيِّمٍ وَقَائِمٍ ، وَاسْتِعْمَالُ الْبَيِّعِ فِي الْمُشْتَرِي إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ أَوْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَائِعٌ . قَوْلُهُ : ( مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ يَفْتَرِقَا بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ ، وَنَقَلَ ثَعْلَبٌ ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ افْتَرَقَا بِالْكَلَامِ وَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ لَا أَنَّهُ بِالِاعْتِقَادِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ لَازِمِهِ فِي الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ آخَرَ فِي عَقِيدَتِهِ كَانَ مُسْتَدْعِيًا لِمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهُ بِبَدَنِهِ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْجَوَابِ ، وَالْحَقُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمفَضْلِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ بِالْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ اتِّسَاعًا . قَوْلُهُ : ( أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ بَابٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ . . . إِلَخْ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ الْمَذْكُورَ بِالْأَبْدَانِ كَمَا سَيَأْتِي . وَفِي الْحَدِيثِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ · ص 382 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كم يجوز الخيار · ص 225 ( باب كم يجوز الخيار ) أي هذا باب يذكر فيه كم يجوز الخيار ، هكذا هو التقدير ؛ لأن الباب منون ، ولكن ليس في حديثي الباب بيان لذلك ، قيل : لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يعرض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك . ( قلت ) : فعلى هذا كان ينبغي أن لا يذكر في الترجمة لفظة كم التي هي استفهامية بمعنى أي عدد ، ثم معنى الخيار ، قال ابن الأثير : الخيار اسم من الاختيار ، وهو طلب خير الأمرين ، إما إمضاء البيع أو فسخه ، قال بعضهم : وهو خياران خيار المجلس وخيار الشرط . ( قلت ) : قال ابن الأثير : الخيار على ثلاثة أضرب ؛ خيار المجلس ، وخيار الشرط ، وخيار النقيصة . وبيَّن الكل ، فقال : وأما خيار النقيصة فأن يظهر بالمبيع عيب يوجب الرد ، أو يلتزم البائع فيه شرطا لم يكن فيه . انتهى . 59 - حدثنا صدقة قال : أخبرنا عبد الوهاب قال : سمعت يحيى قال : سمعت نافعا ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارا ، قال نافع : وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه . قد ذكرنا الآن أنه ليس في هذا الحديث ولا في الذي بعده بيان مقدار مدة الخيار ، وليس فيهما إلا بيان ثبوت الخيار ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله : " كم يجوز الخيار " أي كم يخير أحد المتبايعين الآخر مرة ، وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام " ويختار ثلاث مرار " ، لكنه لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته . انتهى . ( قلت ) : هذا الاحتمال الذي ذكره لا يساعد البخاري في ذكره لفظة كم ؛ لأن موضوعها للعدد ، والعدد في مدة الخيار ، لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر ، وليس في حديثي الباب ما يدل على هذا ، وقوله : " وأشار إلى زيادة همام " لا يفيد ؛ لأنه يعقد ترجمة ، ثم يشير إلى ما تتضمنه الترجمة في باب آخر ، وهذا مما لا يفيده . ورجال الحديث كلهم ذكروا ، وصدقة - بالفتحات - هو ابن الفضل المروزي ، من أفراده ، ومضى ذكره في باب العلم بالليل . وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، ويحيى بن سعيد الأنصاري . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا عن محمد بن المثنى وابن أبي عمر ، كلاهما عن عبد الوهاب . وأخرجه الترمذي فيه عن واصل بن عبد الأعلى . وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو بن علي ، عن الثقفي . وعن علي بن حجر . ( ذكر معناه ) : قوله : " إن المتبايعين بالخيار " هكذا في رواية الأكثرين على الأصل ، وحكى ابن التين عن القابسي " إن المتبايعان " قال : وهي لغة . ( قلت ) : هذه لغة بلحارث بن كعب في إجراء المثنى بالألف دائما . وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي يليه " البيعان " بتشديد الياء آخر الحروف ، وقد ذكرنا في باب إذا بين البائعان أن البيع بمعنى البائع كالضيق بمعنى الضائق . قوله : " ما لم يتفرقا " مضى الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : " أو يكون البيع خيارا " كلمة " أو " بمعنى إلا أن ، و " يكون " بالنصب ، أراد أن يكون البيع بخيار ، وقال الترمذي : معناه أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع ، فإذا خيره فاختار البيع فليس له بعد ذلك خيار في فسخ البيع وإن لم يتفرقا ، ثم قال الترمذي : وهكذا فسره الشافعي وغيره . ( قلت ) : وممن فسره بذلك الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وإسحاق بن راهويه ، حكاه ابن المنذر في ( الأشراف ) عنهم . وقال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : وفي تأويل ذلك قولان : أحدهما : أن المراد إلا بيعًا شرط فيه خيار الشرط ، فلا ينقضي الخيار بفراق المجلس ، بل يمتد إلى انقضاء خيار الشرط . والقول الثاني : أن المراد إلا بيعا شرط فيه نفي خيار المجلس ؛ فإنه ينعقد في الحال وينقضي خيار المجلس . قال : وهذا وجه لأصحابنا ، والصحيح الذي ذكره الترمذي . ( قلت ) : روى الطحاوي حديث ابن عمر هذا ، ولفظه : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، وربما قال : أو يكون بيع خيار ، وقال أصحابنا : المعنى كل بيعين فلا بيع بينهما حاصل ، إلا في صورتين ، إحداهما عند التفرق ، إما بالأقوال وإما بالأبدان ، والأخرى عند وجود شرط الخيار لأحد المتبايعين بأن يشترط أحدهما الخيار ثلاثة أيام أو نحوها ، وإلى هذا ذهب الليث وأبو ثور . وقالت طائفة : معنى هذا الكلام أن يقول أحد المتبايعين بعد تمام البيع لصاحبه : اختر إنفاذ البيع أو فسخه ، فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهما ، وإن لم يتفرقا ، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ، وروي ذلك عن الشافعي ، وكان أحمد يقول : هما بالخيار أبدا ، قالا هذا القول أو لم يقولا ، حتى يتفرقا بأبدانهما من مكانهما . قوله : " قال نافع " إلى آخره هو موصول بالإسناد المذكور ، وإنما كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم العقد ، وقد ذكره مسلم أيضا ، فقال : قال نافع : فكان - يعني ابن عمر - إذا بايع رجلا وأراد أن لا يقيله ، قام فمشى هنيهة ، ثم رجع إليه ، وذكره الترمذي أيضا ، فقال : قال - أي نافع - : كان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد ، قام ليجب له .