باب كم يجوز الخيار
( باب كم يجوز الخيار ) أي هذا باب يذكر فيه كم يجوز الخيار ، هكذا هو التقدير ؛ لأن الباب منون ، ولكن ليس في حديثي الباب بيان لذلك ، قيل : لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يعرض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك . ( قلت ) : فعلى هذا كان ينبغي أن لا يذكر في الترجمة لفظة كم التي هي استفهامية بمعنى أي عدد ، ثم معنى الخيار ، قال ابن الأثير : الخيار اسم من الاختيار ، وهو طلب خير الأمرين ، إما إمضاء البيع أو فسخه ، قال بعضهم : وهو خياران خيار المجلس وخيار الشرط . ( قلت ) : قال ابن الأثير : الخيار على ثلاثة أضرب ؛ خيار المجلس ، وخيار الشرط ، وخيار النقيصة .
وبيَّن الكل ، فقال : وأما خيار النقيصة فأن يظهر بالمبيع عيب يوجب الرد ، أو يلتزم البائع فيه شرطا لم يكن فيه . انتهى . 59 - حدثنا صدقة قال : أخبرنا عبد الوهاب قال : سمعت يحيى قال : سمعت نافعا ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارا ، قال نافع : وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه .
قد ذكرنا الآن أنه ليس في هذا الحديث ولا في الذي بعده بيان مقدار مدة الخيار ، وليس فيهما إلا بيان ثبوت الخيار ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله : " كم يجوز الخيار " أي كم يخير أحد المتبايعين الآخر مرة ، وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام " ويختار ثلاث مرار " ، لكنه لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على ج١١ / ص٢٢٦الاستفهام كعادته . انتهى . ( قلت ) : هذا الاحتمال الذي ذكره لا يساعد البخاري في ذكره لفظة كم ؛ لأن موضوعها للعدد ، والعدد في مدة الخيار ، لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر ، وليس في حديثي الباب ما يدل على هذا ، وقوله : " وأشار إلى زيادة همام " لا يفيد ؛ لأنه يعقد ترجمة ، ثم يشير إلى ما تتضمنه الترجمة في باب آخر ، وهذا مما لا يفيده .
ورجال الحديث كلهم ذكروا ، وصدقة - بالفتحات - هو ابن الفضل المروزي ، من أفراده ، ومضى ذكره في باب العلم بالليل . وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، ويحيى بن سعيد الأنصاري . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا عن محمد بن المثنى وابن أبي عمر ، كلاهما عن عبد الوهاب .
وأخرجه الترمذي فيه عن واصل بن عبد الأعلى . وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو بن علي ، عن الثقفي . وعن علي بن حجر .
( ذكر معناه ) : قوله : " إن المتبايعين بالخيار " هكذا في رواية الأكثرين على الأصل ، وحكى ابن التين عن القابسي " إن المتبايعان " قال : وهي لغة . ( قلت ) : هذه لغة بلحارث بن كعب في إجراء المثنى بالألف دائما . وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي يليه " البيعان " بتشديد الياء آخر الحروف ، وقد ذكرنا في باب إذا بين البائعان أن البيع بمعنى البائع كالضيق بمعنى الضائق .
قوله : " ما لم يتفرقا " مضى الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : " أو يكون البيع خيارا " كلمة " أو " بمعنى إلا أن ، و " يكون " بالنصب ، أراد أن يكون البيع بخيار ، وقال الترمذي : معناه أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع ، فإذا خيره فاختار البيع فليس له بعد ذلك خيار في فسخ البيع وإن لم يتفرقا ، ثم قال الترمذي : وهكذا فسره الشافعي وغيره . ( قلت ) : وممن فسره بذلك الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وإسحاق بن راهويه ، حكاه ابن المنذر في ( الأشراف ) عنهم .
وقال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : وفي تأويل ذلك قولان : أحدهما : أن المراد إلا بيعًا شرط فيه خيار الشرط ، فلا ينقضي الخيار بفراق المجلس ، بل يمتد إلى انقضاء خيار الشرط . والقول الثاني : أن المراد إلا بيعا شرط فيه نفي خيار المجلس ؛ فإنه ينعقد في الحال وينقضي خيار المجلس . قال : وهذا وجه لأصحابنا ، والصحيح الذي ذكره الترمذي .
( قلت ) : روى الطحاوي حديث ابن عمر هذا ، ولفظه : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، وربما قال : أو يكون بيع خيار ، وقال أصحابنا : المعنى كل بيعين فلا بيع بينهما حاصل ، إلا في صورتين ، إحداهما عند التفرق ، إما بالأقوال وإما بالأبدان ، والأخرى عند وجود شرط الخيار لأحد المتبايعين بأن يشترط أحدهما الخيار ثلاثة أيام أو نحوها ، وإلى هذا ذهب الليث وأبو ثور . وقالت طائفة : معنى هذا الكلام أن يقول أحد المتبايعين بعد تمام البيع لصاحبه : اختر إنفاذ البيع أو فسخه ، فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهما ، وإن لم يتفرقا ، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ، وروي ذلك عن الشافعي ، وكان أحمد يقول : هما بالخيار أبدا ، قالا هذا القول أو لم يقولا ، حتى يتفرقا بأبدانهما من مكانهما . قوله : " قال نافع " إلى آخره هو موصول بالإسناد المذكور ، وإنما كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم العقد ، وقد ذكره مسلم أيضا ، فقال : قال نافع : فكان - يعني ابن عمر - إذا بايع رجلا وأراد أن لا يقيله ، قام فمشى هنيهة ، ثم رجع إليه ، وذكره الترمذي أيضا ، فقال : قال - أي نافع - : كان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد ، قام ليجب له .