47 - بَاب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، أَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ، ثُمَّ بَاعَهَا : وَجَبَتْ لَهُ وَالرِّبْحُ لَهُ 2115 - وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ : ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : بِعْنِيهِ . قَالَ : هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : بِعْنِيهِ فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا ، وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي ) أَيْ : هَلْ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِذَلِكَ؟ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ ، وَفِيهِ قِصَّتُهُ مَعَ عُثْمَانَ وَهُوَ بَيِّنٌ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْبَعِيرِ الصَّعْبِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصَرَّفَ فِي الْبَكْرِ بِنَفْسِ تَمَامِ الْعَقْدِ فَأَسْلَفَ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ : وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَائِعُ يَعْنِي : أَنَّ الْهِبَةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا تَمَّتْ بِإِمْضَاءِ الْبَائِعِ وَهُوَ سُكُوتُهُ الْمُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا تَعَسُّفٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ ، وَلَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ وَهَبَ مَا فِيهِ لِأَحَدٍ خِيَارٌ وَلَا إِنْكَارَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ مُبَيِّنًا اهـ . وَجَوَابُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَارَقَ عُمَرَ بِأَنْ تَقَدَّمَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ مَثَلًا ثُمَّ وَهَبَ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُ ذَلِكَ ، وَلَا مَا يَنْفِيهِ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ الْعَيْنِيَّةِ فِي إِبْطَالِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّرِيحَةُ مِنْ إِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى حَدِيثِ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ فَحَدِيثُ الْبَيِّعَانِ قَاضٍ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكْتَفَى بِالْبَيَانِ السَّابِقِ ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَائِعُ كَانَ ذَلِكَ قَاطِعًا لِخِيَارِ الْبَائِعِ كَمَا فَهِمَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إِذَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا أَحْدَثَهُ مِنَ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ أَنَّهُ بَيْعٌ جَائِزٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَنْكَرَ وَلَمْ يَرْضَ : فَالَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْبَيْعَ يَتِمُّ بِالْكَلَامِ دُونَ اشْتِرَاطِ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ ، وَمَنْ يَرَى التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ لَا يُجِيزُونَهُ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ اهـ . وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْإِطْلَاقِ ، بَلْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمَبِيعَاتِ : فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا الطَّعَامَ عَلَى مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . ثَانِيهَا : يَجُوزُ مُطْلَقًا إِلَّا الدُّورَ وَالْأَرْضَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ . ثَالِثُهَا : يَجُوزُ مُطْلَقًا إِلَّا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . رَابِعُهَا : يَجُوزُ مُطْلَقًا إِلَّا الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِعْتَاقِ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِعْتَاقُ ، وَيَصِيرُ قَبْضًا سَوَاءٌ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا وَلَمْ يَدْفَعْ أَمْ لَا ، وَالْأَصَحُّ فِي الْوَقْفِ أَيْضًا صِحَّتُهُ ، وَفِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْبَعِيرِ الصَّعْبِ حُجَّةٌ لِمُقَابِلِهِ ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ قَبْلَ الْهِبَةِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَغَوِيِّ قَالَ : إِذَا أَذِنَ الْمُشْتَرِي لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ كَفَى وَتَمَّ الْبَيْعُ وَحَصَلَتِ الْهِبَةُ بَعْدَهُ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اتِّحَادُ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ رَاكِبَ الْبَعِيرِ حِينَئِذٍ ، وَقَدِ احْتُجَّ بِهِ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الْقَبْضَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْبُخَارِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي بَابِ شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالْحُمُرِ إِذَا اشْتَرَى دَابَّةً وَهُوَ عَلَيْهَا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا؟ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَكْفِي التَّخْلِيَةُ فِي الدُّورِ وَالْأَرَاضِيِ وَمَا أَشْبَهَهَا دُونَ الْمَنْقُولَاتِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزِمِ الْبُخَارِيُّ بِالْحُكْمِ ، بَلْ أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ مَوْرِدَ الِاسْتِفْهَامِ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِالْبَيْعِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عُمَرَ : هُوَ لَكَ أَيْ : هِبَةً ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ثَمَنًا . قُلْتُ : وَفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَاشْتَرَاهُ وَسَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ بَيْعٌ ، وَكَوْنُ الثَّمَنِ لَمْ يُذْكَرْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هِبَةً مَعَ التَّصْرِيحِ بِالشِّرَاءِ ، وَكَمَا لَمْ يَذْكُرِ الثَّمَنَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ الْمُشْتَرَطُ وَقَعَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَمَا سَاقَهُ أَوَّلًا ، وَسَوْقُهُ قَبْضٌ لَهُ ؛ لِأَنَّ قَبْضَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ . قَوْلُهُ : ( أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ) جَعَلَ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ الْهِبَةِ أَصْلًا أَلْحَقَ بِهَا مَسْأَلَةَ الْعِتْقِ لِوُجُودِ النَّصِّ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ دُونَ الْعِتْقِ ، وَالشَّافِعِيَّةُ نَظَرُوا إِلَى الْمَعْنَى فِي أَنَّ لِلْعِتْقِ قُوَّةً وَسِرَايَةً لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ ، وَمَنْ أَلْحَقَ بِهِ مِنْهُمُ الْهِبَةَ قَالَ : إِنَّ الْعِتْقَ إِتْلَافٌ لِلْمَالِيَّةِ وَالْإِتْلَافُ قَبْضٌ ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ، ثُمَّ بَاعَهَا وَجَبَتْ لَهُ وَالرِّبْحُ لَهُ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِذَا بِعْتَ شَيْئًا عَلَى الرِّضَا فَإِنَّ الْخِيَارَ لَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا عَنْ رِضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ قَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَجَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ بِأَنَّهُ عَلَّقَهُ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ وَفِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ فِي الْهِبَةِ مَوْصُولًا . قَوْلُهُ : ( فِي سَفَرٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى بَكْرٍ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ : وَلَدُ النَّاقَةِ أَوَّلَ مَا يُرْكَبُ . قَوْلُهُ : ( صَعْبٍ ) أَيْ : نَفُورٌ . قَوْلُهُ : ( فَبَاعَهُ ) زَادَ فِي الْهِبَةِ : فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيرِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ لَا يَتَقَدَّمُوهُ فِي الْمَشْيِ ، وَفِيهِ جَوَازُ زَجْرِ الدَّوَابِّ ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ عَرْضُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ بِسِلْعَتِهِ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ فِي بَيْعِهَا ، وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ بَدَلِ الثَّمَنِ ، وَمُرَاعَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْوَالَ الصَّحَابَةِ وَحِرْصُهُ عَلَى مَا يُدْخِلُ عَلَيْهِمُ السُّرُورَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا · ص 392 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا · ص 394 2116 - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَالًا بِالْوَادِ بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي الْبَيْعَ ، وَكَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ ، وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ زَنْجُوَيْهِ ، وَالرَّمَادِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ ، عَنِ اللَّيْثِ بِهِ ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ فَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا أَنَّ أَبَا صَالِحٍ رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ كَذَلِكَ ، فَوَضَحَ أَنَّ لِلَّيْثِ فِيهِ شَيْخَيْنِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ سُوَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَالًا ) أَيْ : أَرْضًا أَوْ عَقَارًا . قَوْلُهُ : ( بِالْوَادِ ) يَعْنِي : وَادِيَ الْقُرَى . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبَيَّ ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ : فَطَفِقْتُ أَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيَّ الْقَهْقَرَى . قَوْلُهُ : ( يُرَادَّنِي ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَصْلُهُ يُرَادِدُنِي أَيْ : يَطْلُبُ مِنِّي اسْتِرْدَادَهُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا ) يَعْنِي : أَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِ عُثْمَانَ ، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَجِبَ لَهُ الْبَيْعُ وَلَا يَبْقَى لِعُثْمَانَ خِيَارٌ فِي فَسْخِهِ . وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ بِقَوْلِهِ : وَكَانَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، فَأَمَّا فِي الزَّمَنِ الَّذِي فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ فَكَانَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ مَتْرُوكًا ، فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الِاتِّبَاعِ ، هَكَذَا قَالَ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ : وَكَانَتِ السُّنَّةُ مَا يَنْفِي اسْتِمْرَارَهَا . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ : كُنَّا إِذَا تَبَايَعْنَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقِ الْمُتَبَايِعَانِ ، فَتَبَايَعْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا إِشْعَارٌ بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَهُ فَزَعَمَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ : لَيْسَتِ السُّنَّةُ بِافْتِرَاقِ الْأَبَدَانِ ، قَدِ انْتَسَخَ ذَلِكَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ أَرَ لَهَا إِسْنَادًا ، وَلَوْ صَحَّتْ لَمْ تُخَرَّجِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْخِلَافِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ قَدْ نُقِلَ عَنْهُمُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الِافْتِرَاقَ بِالْأَبْدَانِ . قَوْلُهُ : ( سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ ) أَيْ : زِدْتُ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي صَارَتْ إِلَيْهِ عَلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي بَاعَهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ . قَوْلُهُ : ( وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ ) يَعْنِي : أَنَّهُ نَقَصَ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي أَخَذَ بِهَا عَنِ الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي بِعْتُهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ : إِلَى الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا كَانَا بِهَا فَرَأَى ابْنُ عُمَرَ الْغِبْطَةَ فِي الْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلِذَلِكَ قَالَ : رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ جَوَازُ بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهَا فِي بَابِ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ ، وَجَوَازُ التَّحَيُّلِ فِي إِبْطَالِ الْخِيَارِ ، وَتَقْدِيمُ الْمَرْءِ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ غَيْرِهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْأَرْضِ بِالْأَرْضِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْغَبْنَ لَا يُرَدُّ بِهِ الْبَيْعُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع على المشتري · ص 230 ( باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع على المشتري أو اشترى عبدا فأعتقه ) أي هذا باب يذكر فيه إذا اشترى إلى آخره ، أي إذا اشترى شخص شيئا فوهبه من ساعته ، يعني على الفور قبل أن يتفرقا ، والحال أن البائع لم ينكر على المشتري . قوله : " أو اشترى عبدا فأعتقه قبل أن يتفرقا " ، وقال الكرماني : هذا مما ثبت بالقياس على الهبة الثابتة بالحديث ، وإنما لم يذكر جواب إذا لمكان الاختلاف فيه ؛ فإن المالكية والحنفية جعلوا القبض في جميع الأشياء بالتخلية ، وعند الشافعية والحنابلة : تكفي التخلية في الدور والعقار المنقولات . وقال طاوس فيمن يشتري السلعة على الرضا ، ثم باعها : وجبت له ، والربح له . مطابقته للترجمة ظاهرة ، تظهر بالتأمل ، ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور وعبد الرزاق من طريق ابن طاوس ، عن أبيه نحوه ، وزاد عبد الرزاق : وعن معمر ، عن أيوب بن سيرين إذا بعت شيئا على الرضى قال : الخيار لهما حتى يتفرقا عن رضى . قوله : " على الرضى " أي على شرط أنه لو رضي به أجاز العقد . قوله : " وجبت " أي المبايعة أو السلعة قاله الكرماني . ( قلت ) : رجوع الضمير الذي في " وجبت " إلى السلعة ظاهر ، وأما رجوعه إلى المبايعة فبالقرينة الدالة عليه . 67 - وقال الحميدي : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فكنت على بكر صعب لعمر ، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم ، فيزجره عمر ويرده ، ثم يتقدم ، فيزجره عمر ويرده ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر : بعنيه ، قال : هو لك ، يا رسول الله ، قال : بعنيه ، فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هو لك ، يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت . مطابقته للترجمة في قوله : " فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إلى آخره ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - اشترى ذلك البكر فوهبه لعبد الله بن عمر من ساعته . ورجاله أربعة : الأول : الحميدي بضم الحاء المهملة ، هو عبد الله بن الزبير بن عيسى ، وقد مر غير مرة . وسفيان هو ابن عيينة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهبة عن عبد الله بن محمد . قوله : " قال الحميدي " تعليق ، وبه جزم الإسماعيلي ، وأبو نعيم . وفي رواية ابن عساكر بإسناد البخاري : " قال لنا الحميدي " ، وتعليق الحميدي روى البخاري منه قطعة في باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه ، فقال : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا ابن عيينة . وأخرجه الإسماعيلي من حديث ابن أبي عمر ، وهارون عنه . وأخرجه أبو نعيم من حديث بشر بن موسى عنه . قوله : " في سفر " لم يدر أي سفر كان . قوله : " على بكر " بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف ولد الناقة أولَ ما يركب ، وقال ابن الأثير : البكر - بالفتح - الفتي من الإبل بمنزلة الغلام من الناس ، والأنثى بكرة . قوله : " صعب " صفة بكر ، وأراد به النفور ؛ لأنه لم يذلل بالركوب . قوله : " فكان " إلى قوله : " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " بيان لصعوبة هذا البكر فلذلك ذكره بالفاء . قوله : " فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وفي الهبة " فاشتراه النبي - صلى الله عليه وسلم - " قوله : " ما شئت " يعني من التصرفات . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه حجة لمن يقول : الافتراق بالكلام ، ألا ترى أن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق ؟ ولو لم يكن الجمل له لما وهبه حتى يهب له بافتراق الأبدان . وفيه ما كانت الصحابة عليه من توقيرهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأن لا يتقدموه في المشي . وفيه جواز زجر الدواب . وفيه أنه لا يشترط في البيع عرض صاحب السلعة سلعته ، بل يجوز أن يسأل في بيعها . وفيه جواز التصرف في المبيع قبل بذل الثمن . وفيه مراعاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أحوال أصحابه ، وحرصه على ما يدخل عليهم السرور ، وبه احتج محمد فيما إذا وهب المبيع قبل القبض أو تصدق به ورهنه من غير البائع ، وهو الأصح ، خلافا لأبي يوسف ، ولو وهبه من البائع قبل القبض فقبله البائع انتقض البيع ، ولو باعه منه لم يصح هذا البيع ولم ينتقض البيع الأول ؛ لأن الهبة مجاز عن الإقالة بخلاف البيع ، وإن كاتب العبد المبيع قبل القبض توقفت كتابته وكان للبائع حبسه بالثمن ، وإن نقد الثمن نفذت الكتابة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع على المشتري · ص 231 قال أبو عبد الله : وقال الليث : حدثني عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله عمر رضي الله عنهما قال : بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر ، فلما تبايعنا رجعت على عقبي ، حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع ، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ، قال عبد الله : فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال ، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال . مطابقته للترجمة من حيث إن للبايعين التصرفَ على حسب إرادتهما قبل التفرق إجازة وفسخا . قوله : قال أبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : وقال الليث أي ابن سعد المصري : حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي المصري واليها ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وهذا التعليق وصله الإسماعيلي ، عن أبي عمران ، حدثنا الرمادي ، قال : وأخبرني يعقوب بن سفيان قال : وأنبأنا القاسم ، حدثنا ابن زنجويه قالوا : حدثنا أبو صالح ، حدثنا الليث ، حدثني عبد الرحمن بن خالد بهذا . وقال أبو نعيم : ذكره البخاري ، فقال : وقال الليث ولم يذكر من دونه ، وقد دل على أن الحديث لأبي صالح ، وأبو صالح ليس من شرطه . قوله : مالا أي أرضا أو عقارا . قوله : بالوادي قال الكرماني : اللام للعهد ، وهو عبارة عن واد معهود عندهم . وقيل : هو وادي القرى . ( قلت ) : وادي القرى من أعمال المدينة . قوله : بخيبر وهو بلدة عنزة في جهة الشمال والشروق عن المدينة ، على نحو ست مراحل ، وخيبر بلغة اليهود حصن . قوله : فلما تبايعا رجعت على عقبي . وفي رواية أيوب بن سويد طفقت أنكص على عقبي القهقرى وعقبي بلفظ المفرد والمثنى . قوله : خشية أن يرادني خشية منصوب على أنه مفعول له ، ومعنى أن يرادني أن يطلب استرداده مني ، وهو بتشديد الدال ، وأصله يراددني . قوله : وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا أراد أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان وأنه فعل ذلك ليجب البيع ، ولا يبقى خيار في فسخه ( قلت ) : قوله وكانت السنة - تدل على أنه كان هكذا في أول الأمر . وعن هذا قال ابن بطال : وكانت السنة تدل على أن ذلك كان في أول الأمر ، فأما في الزمن الذي فعل ابن عمر ذلك فكان التفرق بالأبدان متروكا ، فلذلك فعله ابن عمر ؛ لأنه كان شديد الاتباع . واعترض بعضهم على هذا بقوله وقد وقع في رواية أيوب بن سويد : كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان ، فتبايعت أنا وعثمان - فساق القصة ، قال : وفيها إشعار باستمرار ذلك . انتهى . ( قلت ) : القول فيه مثل ما قال ابن بطال : في حديث الباب ، وقوله : وفيها إشعار باستمرار ذلك - غير مسلم ؛ لأن هذه دعوى بلا برهان ، على أنا نقول : ذكر ابن رشد في ( المقدمات ) له أن عثمان قال لابن عمر : ليست السنة بافتراق الأبدان ، قد انتسخ ذلك . وقد اعترض عليه بعضهم بقوله : هذه الزيادة لم أر لها إسنادا . ( قلت ) : لا يلزم من عدم رؤيته إسناده عدم رؤية قائله أو غيره ، فهذا لا يشفي العليل ، ولا يروى الغليل . قوله : قال عبد الله يعني ابن عمر . قوله : إلى أرض ثمود وهم قبيلة من العرب الأولى ، وهم قوم صالح عليه السلام ، يصرف ولا يصرف ، وأرضهم قريبة من تبوك . وحاصل المعنى أنه يبين وجه غبنه عثمان بقوله سقته يعني زدت المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي باعها بثلاث ليال ، وأنه نقص المسافة التي بيني وبين أرضي التي أخذتها - عن المسافة التي كانت بيني وبين الأرض التي بعتها بثلاث ليال ، وإنما قال : إلى المدينة ؛ لأنهما جميعا كانا بها ، فرأى ابن عمر الغبطة في القرب من المدينة ؛ فلذلك قال : رأيت قد غبنته . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج به من قال : إن الافتراق بالكلام ، وقالوا : لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان لكان المراد منه الحض والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم ، ألا ترى إلى قول ابن عمر : وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار قال ذلك لما ذكرنا ، وقال ابن التين : وذكر عبد الملك أن في بعض الروايات وكانت السنة يومئذ قال : ولو كان على الإلزام لقال : كانت السنة ، وتكون إلى يوم الدين . قال ابن بطال : حكى ابن عمر أن الناس كانوا يلتزمون حينئذ الندب ؛ لأنه كان زمن مكارمة ، وإن الوقت الذي حكى فيه التفرق بالأبدان كان التفرق بالأبدان متروكا ، ولو كان على الوجوب ما قال : وكانت السنة ؛ فلذلك جاز أن يرجع على عقبه ؛ لأنه فهم أن المراد بذلك الحض والندب ، لا سيما هو الذي حضر فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هبته البكر له بحضرة البائع قبل التفرق ، وقال الطحاوي : روينا عن ابن عمر ما يدل على أن رأيه كان في الفرقة بخلاف ما ذهب إليه من قال : إن البيع لا يتم إلا بها ، وهو ما حدثنا سليمان بن شعيب ، حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع ، قال ابن حزم : صح هذا عن ابن عمر ، ولا يعلم له مخالف من الصحابة ، وقال ابن المنذر : يعني في السلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها المشتري بعد تمام البيع ، قال ابن المنذر : هي من مال المشتري ؛ لأنه لو كان عبدا فأعتقه المشتري كان عتقه جائزا ، ولو أعتقه البائع لم يجز عتقه ، قال الطحاوي : فهذا ابن عمر يذهب فيما أدركت الصفقة حيا فهلك بعدها - أنه من مال المشتري ، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك ، وأن المبيع ينتقل من ملك البائع إلى ملك المبتاع ، حتى يهلك من ماله إن هلك . وفيه جواز بيع الأرض بالأرض . وفيه جواز بيع العين الغائبة على الصفة ، وفيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى . وفيه أن الغبن لا يرد به البيع .