52 - بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْكَيْلِ 2128 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْكَيْلِ ) أَيْ : فِي الْمُبَايَعَاتِ . قَوْلُهُ : ( الْوَلِيدُ ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ ثَوْرٍ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ دُحَيْمٍ عَنِ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا ثَوْرٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكرِبَ ) هَكَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ ثَوْرٍ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ ثَوْرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ خَالِدٍ ، وَالْمِقْدَامِ ، جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا ، وَرِوَايَتُهُ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَنَفْيُهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنِ الْمِقْدَامِ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، زَادَ فِيهِ أَبَا أَيُّوبَ ، وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى رُجْحَانِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ . قَوْلُهُ : ( يُبَارَكْ لَكُمْ ) كَذَا فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَزَادُوا فِي آخِرِهِ فِيهِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْكَيْلُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِيمَا يُنْفِقُهُ الْمَرْءُ عَلَى عِيَالِهِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَخْرِجُوا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ يُبَلِّغْكُمْ إِلَى الْمُدَّةِ الَّتِي قَدَّرْتُمْ ، مَعَ مَا وَضَعَ اللَّهُ مِنَ الْبَرَكَةِ فِي مُدِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِدَعْوَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْبَرَكَةُ لِلتَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْكَيْلِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : لَيْسَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ : كَانَ عِنْدِي شَطْرُ شَعِيرٍ آكُلُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ يَعْنِي : الْحَدِيثَ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي الرِّقَاقِ مُعَارَضَةً ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُخْرِجُ قُوتَهَا - وَهُوَ شَيْءٌ يَسِيرٌ - بِغَيْرِ كَيْلٍ فَبُورِكَ لَهَا فِيهِ مَعَ بَرَكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا كَالَتْهُ عَلِمَتِ الْمُدَّةَ الَّتِي يَبْلُغُ إِلَيْهَا عِنْدَ انْقِضَائِهَا اهـ . وَهُوَ صَرْفٌ لِمَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ مَعْنَى الْبَرَكَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : فَمَا زِلْنَا نَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى كَالَتْهُ الْجَارِيَةُ فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ فَنِيَ ، وَلَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَرَجَوْتُ أَنْ يَبْقَى أَكْثَرَ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : لَمَّا أَمَرَتْ عَائِشَةُ بِكَيْلِ الطَّعَامِ نَاظِرَةً إِلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ غَافِلَةً عَنْ طَلَبِ الْبَرَكَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ رُدَّتْ إِلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ اهـ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ حَدِيثَ الْمِقْدَامِ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّعَامِ الَّذِي يُشْتَرَى ، فَالْبَرَكَةُ تَحْصُلُ فِيهِ بِالْكَيْلِ لِامْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ ، وَإِذَا لَمْ يَمْتَثِلِ الْأَمْرَ فِيهِ بِالِاكْتِيَالِ نُزِعَتْ مِنْهُ لِشُؤْمِ الْعِصْيَانِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَالَتْهُ لِلِاخْتِبَارِ فَلِذَلِكَ دَخَلَهُ النَّقْصُ ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ أَبِي رَافِعٍ لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثَّالِثَةِ نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ ، قَالَ : وَهَلْ لِلشَّاةِ إِلَّا ذِرَاعَانِ فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَقُلْ هَذَا لَنَاوَلْتَنِي مَا دُمْتُ أَطْلُبُ مِنْكَ فَخَرَجَ مِنْ شُؤْمِ الْمُعَارَضَةِ انْتِزَاعُ الْبَرَكَةِ ، وَيَشْهَدُ لِمَا قُلْتُهُ حَدِيثُ : لَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّهُ عَلَيْكَ الْآتِي . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَيْلَ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَرَكَةُ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيمَا يُشْرَعُ فِيهِ الْكَيْلُ ، وَلَا تُنْزَعُ الْبَرَكَةُ مِنَ الْمَكِيلِ بِمُجَرَّدِ الْكَيْلِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ أَمْرٌ آخَرُ كَالْمُعَارَضَةِ وَالِاخْتِبَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلُهُ : كِيلُوا طَعَامَكُمْ أَيْ : إِذَا ادَّخَرْتُمُوهُ طَالِبِينَ مِنَ اللَّهِ الْبَرَكَةَ وَاثِقِينَ بِالْإِجَابَةِ ، فَكَانَ مَنْ كَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكِيلُهُ لِيَتَعَرَّفَ مِقْدَارَهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ شَكًّا فِي الْإِجَابَةِ فَيُعَاقَبَ بِسُرْعَةِ نَفَادِهِ ، قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَرَكَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِالْكَيْلِ بِسَبَبِ السَّلَامَةِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْخَادِمِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَدْ يَفْرُغُ مَا يُخْرِجُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَيَتَّهِمُ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ ، وَقَدْ يَكُونُ بَرِيئًا ، وَإِذَا كَالَهُ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَيْلِ الطَّعَامِ تَصْغِيرُ الْأَرْغِفَةِ ، وَلَمْ أَتَحَقَّقْ ذَلِكَ وَلَا خِلَافَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْكَيْلِ · ص 405 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يستحب من الكيل · ص 246 ( باب ما يستحب من الكيل ) أي هذا باب في بيان استحباب الكيل في المبيعات ، وقال ابن بطال : مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله . 78 - حدثنا إبراهيم بن موسى قال : حدثنا الوليد ، عن ثور ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : كيلوا طعامكم يبارك لكم . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الأمر على وجه الاستحباب في كيل الطعام عند الإنفاق ، على ما نذكره في معنى الحديث . وإبراهيم بن موسى بن يزيد أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير ، والوليد بن مسلم القرشي الدمشقي ، وثور - باسم الحيوان المشهور - ابن يزيد - من الزيادة - الحمصي ، وخالد بن معدان - بفتح الميم - الكلاعي - بفتح الكاف وتخفيف اللام وبالعين المهملة - أبو كريب الحمصي ، والمقدام - بكسر الميم - ابن معدي كرب ، أبو يحيى الكندي ، نزل الشام ، وسكن حمص . وهذا الحديث من أفراد البخاري . قوله : " عن ثور " وفي رواية الإسماعيلي " حدثنا ثور " . قوله : " عن خالد بن معدان ، عن المقدام " هكذا رواه الوليد وغيره ، وروى أبو الربيع الزهراني " عن المقدام بن المبارك " فأدخل بين خالد جبير بن نفير ، وهكذا رواه الإسماعيلي ، ورواه ابن ماجه . وفي رواية " عن خالد ، عن المقدام ، عن أبي أيوب الأنصاري " ، فذكره من مسند أبي أيوب ، ورجح الدارقطني هذه الزيادة . قوله : " كيلوا " أمر للجماعة و " يبارك لكم " بالجزم جوابه ، ويروى " يبارك لكم فيه " ، ثم السر في الكيل لأنه يتعرف به ما يقوته وما يستعده ، وقال ابن بطال : لأنهم إذا اكتالوا يزيدون في الأكل فلا يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي كانوا يقدرونها ، وقال عليه الصلاة والسلام : " كيلوا " أي أخرجوا بكيل معلوم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله عز وجل من البركة في مد المدينة بدعوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال أبو الفرج البغدادي : يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه في الكيل . ( فإن قلت ) : هذا يعارضه حديث عائشة " كان عندي شطر شعير فأكلت منه ، حتى طال علي فكلته ، ففني " . ( قلت ) : كانت تخرج قوتها بغير كيل ، وهي متقوتة باليسير ، فبورك لها فيه مع بركة النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الباقية عليها وفي بيتها ، فلما كالته علمت المدة التي يبلغ إليها عند انقضائها . ( فإن قلت ) : يعارضه أيضا ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل على حفصة فوجدها تكتال على خادمها ، فقال : " لا توكي فيوكي الله عليك " . ( قلت ) : كان ذلك لأنه في معنى الإحصاء على الخادم والتضييق ، أما إذا اكتال على معنى معرفة المقادير وما يكفي الإنسان فهو الذي في حديث الباب ، وقد كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدخر لأهله قوت سنة ، ولم يكن ذاك إلا بعد معرفة الكيل ، وقال بعضهم : والذي يظهر لي أن حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى ، فالبركة تحصل فيه بالكيل لامتثال أمر الشارع ، وإذا لم يمتثل الأمر فيه بالاكتيال نزعت منه لشؤم العصيان ، وحديث عائشة محمول على أنها كالته للاختبار ، فلذلك دخله النقص . انتهى . ( قلت ) : هذا ليس بظهور ، فكيف يقول : حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى ؟ وهذا غير صحيح ؛ لأن البخاري ترجم على حديث المقدام رضي الله تعالى عنه باستحباب الكيل والطعام الذي يشترى الكيل فيه واجب ، فهذا الظهور الذي أداه إلى أن جعل المستحب واجبا ، والواجب مستحبا ، وقال المحب الطبري : يحتمل أن يكون معنى قوله : " كيلوا طعامكم " أي إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة ، فكان من كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره ، فيكون ذلك شكا بالإجابة فيعاقب بسرعة نفاده ، ويحتمل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم ؛ لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه ، وهو لا يشعر ، فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه ، وقد يكون بريئا ، فإذا كاله أمن من ذلك .