باب ما يستحب من الكيل
( باب ما يستحب من الكيل ) ج١١ / ص٢٤٧78 - حدثنا إبراهيم بن موسى قال : حدثنا الوليد ، عن ثور ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : كيلوا طعامكم يبارك لكم . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الأمر على وجه الاستحباب في كيل الطعام عند الإنفاق ، على ما نذكره في معنى الحديث .
وإبراهيم بن موسى بن يزيد أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير ، والوليد بن مسلم القرشي الدمشقي ، وثور - باسم الحيوان المشهور - ابن يزيد - من الزيادة - الحمصي ، وخالد بن معدان - بفتح الميم - الكلاعي - بفتح الكاف وتخفيف اللام وبالعين المهملة - أبو كريب الحمصي ، والمقدام - بكسر الميم - ابن معدي كرب ، أبو يحيى الكندي ، نزل الشام ، وسكن حمص . وهذا الحديث من أفراد البخاري . قوله : " عن ثور " وفي رواية الإسماعيلي " حدثنا ثور " .
قوله : " عن خالد بن معدان ، عن المقدام " هكذا رواه الوليد وغيره ، وروى أبو الربيع الزهراني " عن المقدام بن المبارك " فأدخل بين خالد جبير بن نفير ، وهكذا رواه الإسماعيلي ، ورواه ابن ماجه . وفي رواية " عن خالد ، عن المقدام ، عن أبي أيوب الأنصاري " ، فذكره من مسند أبي أيوب ، ورجح الدارقطني هذه الزيادة . قوله : " كيلوا " أمر للجماعة و " يبارك لكم " بالجزم جوابه ، ويروى " يبارك لكم فيه " ، ثم السر في الكيل لأنه يتعرف به ما يقوته وما يستعده ، وقال ابن بطال : لأنهم إذا اكتالوا يزيدون في الأكل فلا يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي كانوا يقدرونها ، وقال عليه الصلاة والسلام : " كيلوا " أي أخرجوا بكيل معلوم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله عز وجل من البركة في مد المدينة بدعوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال أبو الفرج البغدادي : يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه في الكيل .
( فإن قلت ) : هذا يعارضه حديث عائشة " كان عندي شطر شعير فأكلت منه ، حتى طال علي فكلته ، ففني " . ( قلت ) : كانت تخرج قوتها بغير كيل ، وهي متقوتة باليسير ، فبورك لها فيه مع بركة النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الباقية عليها وفي بيتها ، فلما كالته علمت المدة التي يبلغ إليها عند انقضائها . ( فإن قلت ) : يعارضه أيضا ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل على حفصة فوجدها تكتال على خادمها ، فقال : " لا توكي فيوكي الله عليك " .
( قلت ) : كان ذلك لأنه في معنى الإحصاء على الخادم والتضييق ، أما إذا اكتال على معنى معرفة المقادير وما يكفي الإنسان فهو الذي في حديث الباب ، وقد كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدخر لأهله قوت سنة ، ولم يكن ذاك إلا بعد معرفة الكيل ، وقال بعضهم : والذي يظهر لي أن حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى ، فالبركة تحصل فيه بالكيل لامتثال أمر الشارع ، وإذا لم يمتثل الأمر فيه بالاكتيال نزعت منه لشؤم العصيان ، وحديث عائشة محمول على أنها كالته للاختبار ، فلذلك دخله النقص . انتهى . ( قلت ) : هذا ليس بظهور ، فكيف يقول : حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى ؟ وهذا غير صحيح ؛ لأن البخاري ترجم على حديث المقدام رضي الله تعالى عنه باستحباب الكيل والطعام الذي يشترى الكيل فيه واجب ، فهذا الظهور الذي أداه إلى أن جعل المستحب واجبا ، والواجب مستحبا ، وقال المحب الطبري : يحتمل أن يكون معنى قوله : " كيلوا طعامكم " أي إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة ، فكان من كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره ، فيكون ذلك شكا بالإجابة فيعاقب بسرعة نفاده ، ويحتمل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم ؛ لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه ، وهو لا يشعر ، فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه ، وقد يكون بريئا ، فإذا كاله أمن من ذلك .