حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب بركة صاع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومده

( باب بركة صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومده ) أي هذا باب في بيان بركة صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قوله : " ومده " أي ومد النبي . وفي رواية النسفي " ومدهم " بصيغة الجمع ، وكذا لأبي ذر عن غير الكشميهني ، وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم ، وقال بعضهم : الضمير يعود للمحذوف في صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي صاع أهل مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومدهم ، ويحتمل أن يكون الجمع لإرادة التعظيم .

( قلت ) : هذا التعسف لأجل عود الضمير ، والتقدير بصاع أهل مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير موجه ولا مقبول ؛ لأن الترجمة في بيان بركة صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الخصوص ، لا في بيان صاع أهل المدينة . ولأهل المدينة صيعان مختلفة ، فروى ابن حبان في ( صحيحه ) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ج١١ / ص٢٤٨- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " قيل له : يا رسول الله ، صاعنا أصغر الصيعان ، ومدنا أكبر الأمداد ، فقال : اللهم بارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في قليلنا وكثيرنا ، واجعل لنا مع البركة بركتين " . قال ابن حبان : وفي ترك المصطفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإنكار عليهم حيث قالوا : صاعنا أصغر الصيعان - بيان واضح أن صاع المدينة أصغر الصيعان ، وروى الدارقطني من حديث إسحاق بن سليمان الرازي قال : قلت لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، كم وزن صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قال : خمسة أرطال وثلث بالعراقي .

وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) حدثنا يحيى بن آدم قال : سمعت حسن بن صالح يقول : صاع عمر رضي الله تعالى عنه ثمانية أرطال ، وقال شريك : أكثر من سبعة أرطال ، وأقل من ثمانية ، وروى البخاري في صحيحه ، عن السائب بن يزيد قال : كان الصاع على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مدا وثلثا بمدكم اليوم ، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، وروى الطحاوي عن ابن أبي عمر أنه قال : حدثنا علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعا ، عن أبي يوسف قال : قدمت المدينة فأخرج إلي من أثق به صاعا ، فقال : هذا صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقدرته ، فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل ، ثم قال : إن مالكا سئل عن ذلك ، فقال : هو تقدير عبد الملك لصاع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وروى الطحاوي أيضا من حديث إبراهيم قال : عبرنا الصاع ، فوجدنا حجاجيا ، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي . انتهى . وأيضا الأصل خلاف التقدير ، وأيضا فلا ضرورة إليه ، وأما وجه الضمير في رواية " مدهم " فهو أن يعود إلى أهل المدينة ، وإن لم يمض ذكرهم ؛ لأن القرينة اللفظية تدل على ذلك ، وهو لفظ الصاع والمد ، ولأن أهل المدينة اصطلحوا على لفظ الصاع والمد ، كما أن أهل العراق اصطلحوا على لفظ المكوك ، قال عياض : المكوك مكيال أهل العراق يسع صاعا ونصف صاع بالمدني ، وكما أن أهل مصر اصطلحوا على القدح والربع والويبة ، وإذا ذكر الصاع والمد يتبادر أذهان الناس غالبا إلى أنهما لأجل المدينة .

فيه عائشة رضي الله عنها ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أي في صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي في دعائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالبركة فيه ، روي عن عائشة ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقد مضى هذا في آخر كتاب الحج في حديث طويل ، عن عائشة . وفيه " اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا " .

79 - حدثنا موسى قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا عمرو بن يحيى ، عن عباد بن تميم الأنصاري ، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن ما دعا فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ففيه البركة . وموسى هو ابن إسماعيل ، ووهيب - بالتصغير - ابن خالد البصري ، وعمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني ، وعبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري النجاري المازني .

والحديث أخرجه مسلم في المناسك ، عن قتيبة . وعن أبي كامل الجحدري . وعن أبي بكر بن أبي شيبة .

وعن إسحاق بن إبراهيم . والكلام في حرم مكة وحرم المدينة قد مضى في كتاب الحج . وفيه الدعاء لما ذكر ، وهو علم من أعلام نبوته - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فما أكثر بركته ! وكم يؤكل ويدخر وينقل إلى سائر بلاد الله تعالى ! والمراد بالبركة في المد والصاع ما يكال بهما ، وأضمر ذلك لفهم السامع ، وهذا من باب تسمية الشيء باسم ما قرب منه كذا قيل .

( قلت ) : هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال ، فافهم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث