54 - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَالْحُكْرَةِ 2131 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَالْحُكْرَةِ ) أَيْ : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ : حَبْسُ السِّلَعِ عَنِ الْبَيْعِ ، هَذَا مُقْتَضَى اللُّغَةِ ، وَلَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ لِلْحُكْرَةِ ذِكْرٌ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ بِنَقْلِ الطَّعَامِ إِلَى الرِّحَالِ ، وَمَنْعِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ، فَلَوْ كَانَ الِاحْتِكَارُ حَرَامًا لَمْ يَأْمُرْ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ حَدِيثُ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا : لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، لَكِنْ لِمُجَرَّدِ إِيوَاءِ الطَّعَامِ إِلَى الرِّحَالِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاحْتِكَارَ الشَّرْعِيَّ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِكَارَ الشَّرْعِيَّ إِمْسَاكُ الطَّعَامِ عَنِ الْبَيْعِ ، وَانْتِظَارُ الْغَلَاءِ مَعَ اسْتِغْنَاءٍ عَنْهُ وَحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ ، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ رَفَعَ طَعَامًا مِنْ ضَيْعَتِهِ إِلَى بَيْتِهِ : لَيْسَتْ هَذِهِ بِحُكْرَةٍ . وَعَنْ أَحْمَدَ إِنَّمَا يَحْرُمُ احْتِكَارُ الطَّعَامِ الْمُقْتَاتِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ بِالتَّرْجَمَةِ بَيَانَ تَعْرِيفِ الْحُكْرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يُفَسِّرُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، فَسَاقَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا تَمْكِينُ النَّاسِ مِنْ شِرَاءِ الطَّعَامِ وَنَقْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ الِاحْتِكَارُ مَمْنُوعًا لَمُنِعُوا مِنْ نَقْلِهِ ، أَوْ لَبُيِّنَ لَهُمْ عِنْدَ نَقْلِهِ الْأَمَدُ الَّذِي يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ ، أَوْ لَأُخِذَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ شِرَاءِ الشَّيْءِ الْكَثِيرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الِاحْتِكَارِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الِاحْتِكَارَ إِنَّمَا يُمْنَعُ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ . وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الِاحْتِكَارِ أَحَادِيثُ : مِنْهَا حَدِيثُ مَعْمَرٍ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا ، وَحَدِيثُ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَعَنْهُ مَرْفُوعًا قَالَ : الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرِ مَلْعُونٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغَالِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ . الْأَوَّلُ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي تَأْدِيبِ مَنْ يَبِيعُ الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يُؤْوِيَهِ إِلَى رَحْلِهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَالْحُكْرَةِ · ص 407 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة · ص 249 ( باب ما يذكر في بيع الطعام ، والحكرة ) أي هذا باب في بيان ما يذكر في بيع الطعام قبل القبض . قوله : " والحكرة " بضم الحاء المهملة وسكون الكاف حبس السلع عن البيع ، وقال الكرماني : الحكرة احتكار الطعام - أي حبسه - يتربص به الغلاء ، هذا بحسب اللغة ، وأما الفقهاء فقد اشترطوا لها شروطا مذكورة في الفقه ، وقال الإسماعيلي : ليس في أحاديث الباب ذكر الحكرة ، وساعد بعضهم البخاري في ذلك ، فقال : وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه . ( قلت ) : سبحان الله ، هذا استنباط عجيب ، فما وجه هذا الاستنباط ؟ وكيف يستنبط منه الاحتكار الشرعي ؟ وليس الأمر إلا ما قاله الإسماعيلي ، اللهم إلا إذا قلنا : إن البخاري لم يرد بقوله : " والحكرة " إلا معناها اللغوي ، وهو الحبس مطلقا ، فحينئذ يطلق على الذي يشتري مجازفة ، ولم ينقله إلى رحله أنه محتكر لغة لا شرعا ، فافهم ؛ فإنه دقيق لا يخطر إلا بخاطر من شرح الله صدره بفيضه . وقد ورد في ذم الاحتكار أحاديث ، منها ما رواه معمر بن عبد الله مرفوعا " لا يحتكر إلا خاطئ " رواه مسلم . وروى ابن ماجه من حديث عمر رضي الله تعالى عنه " من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس " . وروي أيضا عنه مرفوعا " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وأخرجه الحاكم ، وإسناده ضعيف . وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا " من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ منه " . ورواه الحاكم أيضا وفي إسناده مقال . وروى الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا " من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ " . 81 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه رضي الله عنه قال : رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيعوه ، حتى يؤوه إلى رحالهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، من حيث إنه يتضمن منع بيع الطعام قبل القبض ؛ لأن الإيواء المذكور فيه عبارة عن القبض ، وضربهم على تركه يدل على اشتراط القبض ، والترجمة فيما يذكر في الطعام ، والذي ذكر في الطعام يعني الذي ذكره في أمر الطعام هذا ، يعني منع بيعه قبل الإيواء الذي هو عبارة عن القبض . وإسحاق بن إبراهيم هو إسحاق بن راهويه ، والوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي ، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ، والزهري محمد بن مسلم . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المحاربين ، عن عياش الرقام . وأخرجه مسلم في البيوع ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عمر " أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانه ، حتى يحولوه " . وأخرجه أبو داود فيه ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الرزاق . وأخرجه النسائي فيه ، عن نصر بن علي ، عن يزيد بن زريع . قوله : " مجازفة " نصب على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي يشترون الطعام شراء مجازفة ، ويجوز أن يكون نصبا على الحال يعني حال كونهم مجازفين ، والجزاف مثلث الجيم ، والكسر أفصح وأشهر ، وهو البيع بلا كيل ولا وزن ولا تقدير ، وقال ابن سيده : وهو يرجع إلى المساهلة ، وهو دخيل ، وقال القرطبي : في حديث الباب دليل لمن سوى بين الجزاف والمكيل من الطعام في المنع من بيع ذاك حتى يقبض ، ورأى أن نقل الجزاف قبضه ، وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور وأحمد وداود ، وحمله مالك على الأولى والأحب . ولو باع الجزاف قبل نقله جاز ؛ لأنه بنفس تمام العقد في التخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه ، وإلى جواز ذلك صار سعيد بن المسيب والحسن والحكم والأوزاعي وإسحاق ، وقال ابن قدامة : إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها لا نعلم فيه خلافا ، فإذا اشترى الصبرة جزافا لم يجز بيعها حتى ينقلها ، نص عليه أحمد في رواية الأثرم ، وعنه رواية أخرى بيعها قبل نقلها ، اختاره القاضي ، وهو مذهب مالك ، ونقلها قبضها كما جاء في الخبر ، وفي ( شرح المهذب ) عند الشافعي بيع الصبرة من الحنطة والتمر مجازفة صحيح ، وليس بحرام . وهل هو مكروه ؟ فيه قولان ، أصحهما : مكروه كراهة تنزيه ، والبيع بصرة الدراهم كذلك حكمه . وعن مالك أنه لا يصح البيع إذا كان بائع الصبرة جزافا يعلم قدرها ، كأنه اعتمد على ما رواه الحارث بن أبي أسامة ، عن الواقدي ، عن عبد الحميد بن عمر أن ابن أبي أنس قال : " سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عثمان يقول : في هذا الوعاء كذا وكذا ، ولا أبيعه إلا مجازفة ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذا سميت كيلا فكل " وعند عبد الرزاق قال : قال ابن المبارك : إن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - قال : " لا يحل لرجل باع طعاما قد علم كيله حتى يعلم صاحبه " .