43 - بَاب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ . وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ 193 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قال : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قال : كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ ) بِضَمِّ الْوَاوِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْفِعْلُ . قَوْلُهُ : ( وَفَضْلُ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَاءُ الْفَاضِلُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وُضُوءِ الرَّجُلِ . قَوْلُهُ : ( وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ ) ؛ أَيْ : بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ وَيَغْتَسِلُ مِنْهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ مَاءٌ فِي قُمْقُمٍ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ . قال الدَّارَقُطْنِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يَفْعَلُ ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَتَطَهَّرَ بِفَضْلِ الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ كَانَتْ تَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ أَوْ مَعَهُ ، فَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ : وُضُوءُ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ أَيْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : ( وَمِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْحَمِيمِ ؛ أَيْ : وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ : تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعْدَانَ بْنِ نَصْرٍ عَنْهُ ، قال : حَدَّثُونَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . فَذَكَرَهُ مُطَوَّلًا . وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ ، فَقَالَ : عَنِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ . وَأَوْلَادُ زَيْدٍ هُمْ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأُسَامَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَأَوْثَقُهُمْ وَأَكْبَرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَظُنُّهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَ ابْنَ عُيَيْنَةَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِحَذْفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ بَيْتِ وَهَذَا الَّذِي جَرَّأَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَقُولَ : الْمَقْصُودُ ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ ، وَأَمَّا الْحَمِيمُ فَذَكَرَهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ . وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمَا أَثَرَانِ مُتَغَايِرَانِ ، وَهَذَا الثَّانِي مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ وَفَضْلُ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ تَوَضَّأَ بِمَائِهَا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ ، مَعَ جَوَازِ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ مُسْلِمٍ وَاغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضٍ لِيَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا فَفَضَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَاءُ ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِهِ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ بِالتَّمَسُّكِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْمُشْرِكِ وَبِفَضْلِ وَضُوئِهِ مَا لَمْ تُعْلَمْ فِيهِ نَجَاسَةٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : انْفَرَدَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ بِكَرَاهَةِ فَضْلِ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ جُنُبًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ) ظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ ، فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ . قَوْلُهُ : ( فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَرَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى زَمَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكُونُ حُكْمُهُ الرَّفْعَ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِي الصَّحَابَةِ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ وَمِنْهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يَسْأَلُوهُ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى فِعْلِ غَيْرِ الْجَائِزِ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ أَبُو سَعِيدٍ ، وَجَابِرٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَزْلِ بِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا لَنَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : نُدْلِي فِيهِ أَيْدِينَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا ؛ لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ كَانَتْ صِغَارًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ وَاسْتِعْمَالِ فَضْلِ طَهُورِهَا وَسُؤْرِهَا لِجَوَازِ تَزَوُّجِهِنَّ ، وَعَدَمِ التَّفْرِقَةِ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( جَمِيعًا ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الْمَاءَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّؤُونَ جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، هَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَهَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ ، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَرِدُ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ اسْتَبْعَدَ اجْتِمَاعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَالُ يَتَوَضَّؤُونَ وَيَذْهَبُونَ ، ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ فَيَتَوَضَّأْنَ ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعًا ، قال أَهْلُ اللُّغَةِ : الْجَمِيعُ ضِدُّ الْمُفْتَرِقِ ، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الْإِنَاءِ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاءُ مَعَهُمْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ يَتَطَهَّرُ مِنْهُ ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ : لَا مَانِعَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِمِ . وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهُ ، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ دُونَ الْعَكْسِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا فَقَدْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ فِيهِ الطَّحَاوِيُّ ، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ الْمَنْعَ لَكِنْ مُقَيَّدًا بِمَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الصَّحَابِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُم مَنَعُوا التَّطَهُّرَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ، وَبِهِ قال أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، لَكِنْ قَيَّدَاهُ بِمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي الْجَوَازِ إِذَا اجْتَمَعَا ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ ، قال : لَكِنْ صَحَّ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَنْعُ فِيمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ ، وَعُورِضَ بِصِحَّةِ الْجَوَازِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَشْهَرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْجِهَتَيْنِ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ فِي الْمَنْعِ ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي الْجَوَازِ . أَمَّا حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، لَكِنْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ؛ حَيْثُ قال : عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ وَرَدَ من طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَا تَرَدُّدٍ لَكِنَّ رَاوِيَهَا غَيْرُ ضَابِطٍ وَقَدْ خُولِفَ ، وَالْمَحْفُوظُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَفِي الْمَنْعِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ ، قال : لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ سِنِينَ ، فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا . رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَلَمْ أَقِفْ لِمَنْ أَعَلَّهُ عَلَى حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ ، وَدَعْوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ مَرْدُودَةٌ ؛ لِأَنَّ إِبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ ، وَقَدْ صَرَّحَ التَّابِعِيُّ بِأَنَّهُ لَقِيَهُ ، وَدَعْوَى ابْنِ حَزْمٍ أَنَّ دَاوُدَ رَاوِيَهُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ يَزِيدُ الْأَوْدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَرْدُودَةٌ ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْمِ أَبِيهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : أَجْنَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ مِنْهُ ، فَقُلْتُ لَهُ ، فَقَالَ : الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ . وَاغْتَسَلَ مِنْهُ . لَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ . وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ رَاوِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَةُ وَهُوَ لَا يَحْمِلُ عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا صَحِيحَ حَدِيثِهِمْ . وَقَوْلُ أَحْمَدَ : إِنَّ الْأَحَادِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُضْطَرِبَةٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ ، وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ تُحْمَلَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ ، وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ · ص 357 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة · ص 82 ( باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة ) أي هذا باب في بيان حكم وضوء الرجل مع امرأته في إناء واحد ، والوضوء في الموضعين بضم الواو في الأول ، وفي الثاني بالفتح ؛ لأن المراد من الأول الفعل ، ومن الثاني الماء الذي يتوضأ به . قوله ( وفضل ) بالجر عطفا على قوله ( وضوء الرجل ) وفي بعض النسخ ( باب وضوء الرجل مع المرأة ) وهو أعم من أن تكون امرأته أو غيرها . ( وتوضأ عمر بالحميم من بيت نصرانية ) . هذا الأثر المعلق ليس له مطابقة للترجمة أصلا ، وهذا ظاهر كما ترى . وقال بعضهم : ومناسبته للترجمة من جهة الغالب أن أهل الرجل تبع له فيما يفعل ، فأشار البخاري إلى الرد على من منع المرأة أن تتطهر بفضل الرجل ؛ لأن الظاهر أن امرأة عمر رضي الله عنه كانت تغتسل بفضله أو معه ، فناسب قوله ( وضوء الرجل مع امرأته من إناء واحد ) . قلت : من له ذوق أو إدراك يقول هذا الكلام البعيد ، فمراده من قوله - أن أهل الرجل تبع له فيما يفعل في كل الأشياء أو في بضعها ، فإن كان الأول فلا نسلم ذلك ، وإن كان الثاني فيجب التعيين ، وقوله ( لأن الظاهر .. ) إلى آخره ، أي ظاهر دل على هذا ، وهل هذا إلا حدس وتخمين . وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه مناسبته للترجمة ؟ قلت : غرض البخاري في هذا الكتاب ليس منحصرا في ذكر متون الأحاديث ، بل يريد الإفادة أعم من ذلك ، ولهذا يذكر آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وفتاوى السلف ، وأقوال العلماء ، ومعاني اللغات ، وغيرها ، فقصد هاهنا بيان التوضؤ بالماء الذي مسته النار ، وتسخن بها بلا كراهة ، دفعا لما قال مجاهد . قلت : هذا أعجب من الأول وأغرب ، وكيف يطابق هذا الكلام ، وقد وضع أبوابا مترجمة ، ولا بد من رعاية تطابق بين تلك الأبواب وبين الآثار التي يذكرها فيها ، وإلا يعد من التخابيط . وكونه يذكر فتاوى السلف ، وأقوال العلماء ، ومعاني اللغات - لا يدل على ترك المناسبات ، والمطابقات . وهذه الأشياء أيضا إذا ذكرت بلا مناسبة يكون الترتيب مخبطا ، فلو ذكر شخص مسألة في الطلاق مثلا في كتاب الطهارة أو مسألة من كتاب الطهارة في كتاب العتاق مثلا نسب إليه التخبيط ، ثم هذا الأثر الأول وصله سعيد بن منصور ، وعبد الرزاق ، وغيرهما بإسناد صحيح ، بلفظ : إن عمر رضي الله عنه كان يتوضأ بالحميم ، ثم يغتسل منه . ورواه ابن أبي شيبة ، والدارقطني بلفظ : كان يسخن له ماء في حميم ، ثم يغتسل منه . قال الدارقطني : إسناده صحيح . قوله ( بالحميم ) بفتح الحاء المهملة ، وهو الماء المسخن . وقال ابن بطال : قال الطبري : هو الماء السخين ، فعيل بمعنى مفعول ، ومنه سمي الحمام حماما لإسخانه من دخله ، والمحموم محموما لسخونة جسده . وقال ابن المنذر : أجمع أهل الحجاز وأهل العراق جميعا على الوضوء بالماء السخن غير مجاهد ، فإنه كرهه . رواه عنه ليث بن أبي سليم ، وذكر الرافعي في كتابه : أن الصحابة تطهروا بالماء المسخن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكر عليهم هذا الخبر . وقال المحب الطبري : لم أره في غير الرافعي . قلت : قد وقع ذلك لبعض الصحابة فيما رواه الطبراني في ( الكبير ) والحسن بن سفيان في ( مسنده ) وأبو نعيم في ( المعرفة ) ، والمشهور من طريق الأسلع بن شريك ، قال : كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة ، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة ، فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا جنب ، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد ، فأموت أو أمرض ، فأمرت رجلا من الأنصار يرحلها ، ووضعت أحجارا ، فأسخنت بها ماء ، فاغتسلت ، ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى .. إلى غَفُورًا وفي سنده الهيثم بن زريق الراوي له ، عن أبيه ، عن الأسلع مجهولان ، والعلاء بن الفضل راويه عن الهيثم ، وفيه ضعف ، وقد قيل : إنه تفرد به ، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة ، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ذكره البخاري ، ومنهم سلمة بن الأكوع : أنه كان يسخن الماء يتوضأ به ، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح . ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إنا نتوضأ بالحميم ، وقد أغلي على النار . رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن بشر ، عن محمد بن عمرو ، حدثنا سلمة قال : قال ابن عباس : ومنهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع : أن ابن عمر كان يتوضأ بالحميم . قوله ( ومن بيت نصرانية ) وهو الأثر الثاني ، وهو عطف على قوله ( بالحميم ) أي وتوضأ عمر من بيت نصرانية ، ووقع في رواية كريمة بحذف الواو من قوله ( ومن بيت ) وهذا غير صحيح ؛ لأنهما أثران مستقلان ، فالأول ذكرناه ، والثاني الذي علقه البخاري ، ووصله الشافعي ، وعبد الرزاق ، وغيرهما ، عن سفيان بن عيينة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه : أن عمر توضأ من ماء نصرانية في جر نصرانية ، وهذا لفظ الشافعي . وقال الحافظ أبو بكر الحازمي : رواه خلاد بن أسلم ، عن سفيان بسنده ، فقال : " ماء نصراني " بالتذكير ، والمحفوظ ما رواه الشافعي " نصرانية " بالتأنيث . وفي ( الأم ) للشافعي : من جرة نصرانية ، بالهاء في آخرها . وفي ( المهذب ) لأبي إسحاق : جر نصراني . وقال : صحيح . وذكر ابن فارس في ( حلية العلماء ) : هذا سلاخة عرقوب البعير ، يجعل وعاء للماء . فإن قلت : ما وجه تطابق هذا الأثر للترجمة ؟ قلت : قال الكرماني : بناء على حذف واو العطف من قوله ( ومن بيت نصرانية ) ، ومعتقدا أنه أثر واحد لما كان هذا الأخير الذي هو مناسب لترجمة الباب من فعل عمر رضي الله عنه ، ذكر الأمر الأول أيضا ، وإن لم يكن مناسبا لها لاشتراكهما في كونهما من فعله تكثيرا للفائدة ، واختصارا في الكتاب ، ويحتمل أن يكون هذا قصة واحدة ، أي توضأ من بيت النصرانية بالماء الحميم ، ويكون المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة النصرانية ، وذكر الحميم إنما هو لبيان الواقع ، فتكون مناسبته للترجمة ظاهرة . قلت : هذا منه لعدم اطلاعه في كتب القوم ، فظن أنه أثر واحد ، وقد عرفت أنهما أثران مستقلان ، ثم ادعى أن الأمر الأخير مناسب للترجمة ، فهيهات أن يكون مناسبا ؛ لأن الباب في وضوء الرجل مع امرأته ، وفضل وضوء المرأة ، فأي واحد من هذين مناسب لهذا ، وأي واحد من هذين يدل على ذلك ، أما توضؤ عمر بالحميم فلا يدل على شيء من ذلك ظاهرا ، وأما توضؤ عمر من بيت نصرانية ، فهل يدل على أن وضوءه كان من فضل هذه النصرانية ، فلا يدل ولا يستلزم ذلك ، فمن ادعى ذلك فعليه البيان بالبرهان . وقال بعضهم : الثاني مناسب لقوله ( وفضل وضوء المرأة ) لأن عمر رضي الله عنه توضأ بمائها ، وفيه دليل على جواز التطهر بفضل وضوء المرأة المسلمة ؛ لأنها لا تكون أسوأ حالا من النصرانية . قلت : الترجمة فضل وضوء المرأة ، والنصرانية هل لها فضل وضوء حتى يكون التطابق بينه وبين الترجمة ، فقوله " من بيت نصرانية " لا يدل على أن الماء كان من فضل استعمال النصرانية ، ولأن الماء كان لها . فإن قلت : في رواية الشافعي من ماء نصرانية في جر نصرانية . قلت : نعم ، ولكن لا يدل على أنه كان من فضل استعمالها ، والذي يدل عليه هذا الأثر جواز استعمال مياههم ، ولكن يكره استعمال أوانيهم وثيابهم ، سواء فيه أهل الكتاب ، وغيرهم . وقال الشافعية : وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة ، فإن تيقن طهارة أوانيهم أو ثيابهم فلا كراهة إذا في استعمالها ، قالوا : ولا نعلم فيها خلافا ، وإذا تطهر من إناء كافر ، ولم يتيقن طهارته ، ولا نجاسته ، فإن كان من قوم لا يتدينون باستعمالها صحت طهارته قطعا ، وإن كان من قوم يتدينون باستعمالها ، فوجهان : أصحهما : الصحة ، والثاني : المنع ، وممن كان لا يرى بأسا به الأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما . وقال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا كرهه إلا أحمد ، وإسحاق . قلت : وتبعهما أهل الظاهر ، واختلف قول مالك في هذا ، ففي ( المدونة ) : لا يتوضأ بسؤر النصراني ، ولا بماء أدخل يده فيه . وفي ( العتبية ) أجازه مرة ، وكرهه أخرى . وقال الشافعي في ( الأم ) : لا بأس بالوضوء من ماء المشرك ، وبفضل وضوئه ما لم يعلم فيه نجاسة . وقال ابن المنذر : انفرد إبراهيم النخعي بكراهة فضل المرأة إن كانت جنبا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة · ص 84 56 - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمِيعًا . مطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرة ؛ لأنه لا يدل على الترجمة صريحا ؛ لأن المذكور فيها شيئان ، والحديث ليس فيه إلا شيء واحد . وقال الكرماني : يدل على الأول صريحا ، وعلى الثاني التزاما . فإن قلت هذا لا يدل على أن الرجال والنساء كانوا يتوضئون من إناء واحد . قلت : قال الدارقطني : وروى هذا الحديث محمد بن النعمان ، عن مالك بلفظ : من الميضأة ، وفي رواية القعنبي ، وابن وهب عنه : كانوا يتوضئون زمن النبي عليه الصلاة والسلام في الإناء الواحد . وأخرجه أبو داود أيضا من حديث أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام ندلي فيه أيدينا . ولا شك أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا . بيان رجاله : وهم أربعة ، كلهم تقدموا ، وعبد الله هو التنيسي . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والإخبار بصيغة الجمع ، والعنعنة ، والقول . ومنها : أن رواته ما بين تنيسي ومدني . ومنها : أن هذا السند من سلسلة الذهب ، وعن البخاري أصح أسانيد مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . بيان المعاني : قال بعضهم : ظاهر كان الرجال التعميم ، لكن اللام للجنس لا للاستغراق . قلت : أخذ هذا من كلام الكرماني حيث قال : فإن قلت : تقرر في علم الأصول أن الجمع المحلى بالألف واللام للاستغراق ، فما حكمه هاهنا ؟ قلت : قالوا بعمومه إلا إذا دل الدليل على الخصوص ، وهاهنا القرينة العادية مخصصة بالبعض . قلت : الجمع مثل الرجال والنساء ، وما في معناه من العام المتناول للمجموع إذا عرف باللام يكون مجازا عن الجنس مثلا إذا قلت : فلان يركب الخيل ويلبس الثياب البيض ، يكون للجنس ؛ للقطع بأن ليس القصد إلى عهد أو استغراق ، فلو حلف لا يتزوج النساء ، ولا يشتري العبيد أو لا يكلم الناس يحنث بالواحد إلا أن ينوي العموم ، فلا يحنث قط ؛ لأنه نوى حقيقة كلامه ، ثم هذا الجنس بمنزلة النكرة يخص في الإثبات ، كما إذا حلف أن يركب الخيل يحصل البر بركوب واحد ، ثم قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان الرجال والنساء إثبات ، فيقع على الأقل بقرينة العادة ، وإن كان يحتمل الكل . فإن قلت : لا يصلح التمسك به ؛ لأن قوله جميعا ينافي وقوعه على الأقل . قلت : معناه مجتمعين ، فالاجتماع راجع إلى حالة كونهم يتوضئون لا إلى كون الرجال والنساء مطلقا ، فافهم ، فإنه موضع دقيق . ثم قال الكرماني : فإن قلت : لا يصح التمسك به ؛ لأن فعل البعض ليس بحجة . قلت : التمسك ليس بالإجماع ، بل بتقرير الرسول عليه الصلاة والسلام . أقول : حاصل السؤال أنه لا يصح التمسك بما روي عن ابن عمر من قوله ( كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ) لأنك قد قلت : إن المراد البعض لقيام القرينة عليه بذلك ، واجتماع الكل متعذر ، فلا يكون حجة لعدم الإجماع عليه ، وحاصل الجواب : أن التمسك ليس بطريق الاجتماع ، بل بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قررهم على ذلك ، ولم ينكر عليهم ، فيكون ذلك حجة للجواز ، وقد ذكر أهل الأصول أن قول الصحابي كان الناس يفعلون ، ونحو ذلك حجة في العمل ، لا سيما إذا قيد الصحابي ذلك بزمن النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم قال الكرماني : لم لا يكون من باب الإجماع السكوتي ، وهو حجة عند الأكثر . قلت : لا يتصور الإجماع إلا بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه أن الصحابي إذا أسند الفعل إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون حكمه الرفع عند الجمهور خلافا لقوم . وقال بعضهم : يستفاد منه أن البخاري يرى ذلك . قلت : لا نسلم ذلك ؛ لأن البخاري وضع هذا المروي عن ابن عمر لبيان جواز وضوء الرجال والنساء جميعا من إناء واحد ، ومع هذا لا يطابق هذا ترجمة الباب بحسب الظاهر كما قررناه . الثاني : فيه دليل على جواز توضؤ الرجل والمرأة من إناء واحد ، وأما فضل المرأة فيجوز عند الشافعي الوضوء به أيضا للرجل ، سواء خلت به أو لا . قال البغوي وغيره : فلا كراهة فيه للأحاديث الصحيحة فيه ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء . وقال أحمد ، وداود : لا يجوز إذا خلت به ، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس ، والحسن البصري . وروي عن أحمد كمذهبنا ، وعن ابن المسيب والحسن - كراهة فضلها مطلقا . وحكى أبو عمر فيها خمسة مذاهب : أحدها : أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنبا أو حائضا ، والثاني : يكره أن يتوضأ بفضلها ، وعكسه ، والثالث : كراهة فضلها له ، والرخصة في عكسه ، والرابع : لا بأس بشروعهما معا ، ولا ضير في فضلها ، وهو قول أحمد ، والخامس : لا بأس بفضل كل منهما شرعا جميعا أو خلا كل واحد منهما به ، وعليه فقهاء الأمصار . أما اغتسال الرجال والنساء من إناء واحد فقد نقل الطحاوي ، والقرطبي ، والنووي الاتفاق على جواز ذلك . وقال بعضهم : وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر ، عن أبي هريرة : أنه كان ينهى عنه . وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم . قلت : في نظره نظر ؛ لأنهم قالوا بالاتفاق دون الإجماع ، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والإجماع ، على أنه روى جواز ذلك عن تسعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهم : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وجابر ، وأنس ، وأبو هريرة ، وعائشة ، وأم سلمة ، وأم هانئ ، وميمونة . فحديث علي رضي الله عنه عن أحمد ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله يغتسلون من إناء واحد . وحديث ابن عباس عند الطبراني في الكبير من حديث عكرمة عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة ، وتوضآ جميعا للصلاة . وحديث جابر رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة في مصنفه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه يغتسلون من إناء واحد . وحديث أنس عند البخاري ، عن أبي الوليد ، عن شعبة ، عن عبد الله بن جبير ، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل هو والمرأة من نسائه من الإناء الواحد . وروى الطحاوي نحوه عن أبي بكرة القاضي . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البزار في ( مسنده ) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله أو بعض أهله يغتسلون من إناء واحد . وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند الطحاوي ، والبيهقي ، قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، فيبدأ قبلي . وحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها عند ابن ماجه والطحاوي قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام من إناء واحد . وأخرجه البخاري بأتم منه . وحديث أم هانئ رضي الله عنها عند النسائي : أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين . وحديث ميمونة عند الترمذي بإسناده إلى ابن عباس قال : حدثتني ميمونة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة . وقال : هذا حديث حسن صحيح . فهذه الأحاديث كلها حجة على من يكره أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل ، وبقي الكلام في ابتداء أحدهما قبل الآخر . وجاء حديث بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : اغتسلت من جنابة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل ، فقالت له : يا رسول الله ، إني كنت جنبا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الماء لا يجنب . وجاء أيضا حديث أم حبيبة الجهنية عند ابن ماجه والطحاوي قالت : ربما اختلفت يدي ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء من إناء واحد . وهذا في حق الوضوء . قال الطحاوي : هذا يدل على أن أحدهما كان يأخذ من الماء بعد صاحبه . فإن قلت : روي عن عبد الله بن سرجس ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ، والمرأة بفضل الرجل ، ولكن يشرعان جميعا . وأخرجه الطحاوي ، والدارقطني ، وروي أيضا من حديث الحكم الغفاري ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة . لا يدري أبو حاجب أيهما قال . وأبو حاجب هو الذي روى عن الحكم ، واسم أبي حاجب سوادة بن عاصم العنزي . وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والطحاوي ، وروي أيضا عن حميد بن عبد الرحمن ، قال : كنت لقيت من صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فذكر مثله . أخرجه الطحاوي ، والبيهقي في المعرفة . قلت : نقل عن الإمام أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة ، وفي جواز ذلك مضطربة ، قال : لكن صح من الصحابة المنع فيما إذا دخلت به ، ولكن يعارض هذا ما روي بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة الذين ذكرناهم . وأشهر الأحاديث عند المانعين حديث عبد الله بن سرجس ، وحديث حكم الغفاري . وأما حديث عبد الله بن سرجس فإنه روي مرفوعا وموقوفا . وقال البيهقي : الموقوف أولى بالصواب ، وقد قال البخاري : أخطأ من رفعه . قلت : الحكم للرافع ؛ لأنه زاد ، والراوي قد يفتي بالشيء ، ثم يرويه مرة أخرى ، ويجعل الموقوف فتوى ، فلا يعارض المرفوع ، وصححه ابن حزم مرفوعا من حديث عبد العزيز بن المختار الذي في مسنده ، والشيخان أخرجا له ، ووثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة ، فلا يضره وقف من وقفه ، وتوقف ابن القطان في تصحيحه ؛ لأنه لم يره إلا في كتاب الدارقطني ، وشيخ الدارقطني فيه لا يعرف حاله . قلت : شيخه فيه عبد الله بن محمد بن سعد المقبري ، ولو رآه عند ابن ماجه أو عند الطحاوي لما توقف ؛ لأن ابن ماجه رواه عن محمد بن يحيى ، عن المعلى بن أسد ، والطحاوي رواه عن محمد بن خزيمة ، وهما مشهوران . وأما حديث الحكم الغفاري ، فقالت جماعة من أهل الحديث : إن هذا الحديث لا يصح ، وأشار الخطابي أيضا إلى عدم صحته . وقال ابن منده : لا يثبت من جهة السند . قلت : لما أخرجه الترمذي ، قال : هذا حديث حسن ، ورجحه ابن ماجه على حديث عبد الله بن سرجس ، وصححه ابن حبان ، وأبو محمد الفارسي ، والقول قول من صححه ، لا من ضعفه ؛ لأنه مسند ظاهره السلامة من تضعف وانقطاع . وقال ابن قدامة : الحديث رواه أحمد ، واحتج به ، وتضعيف البخاري له بعد ذلك لا يقبل لاحتمال أن يكون وقع له من غير طريق صحيح ، ويرد بهذا أيضا قول النووي : اتفق الحفاظ على تضعيفه . الثالث من الأحكام : أن ظاهر الحديث يدل على جواز تناول الرجال والنساء الماء في حالة واحدة ، وحكى ابن التين ، عن قوم : أن الرجال والنساء كانوا يتوضئون جميعا من إناء واحد ، هؤلاء على حدة ، وهؤلاء على حدة . قلت : الزيادة في الحديث ، وهو قوله ( من إناء واحد ) يرد عليهم ، وكأنهم استبعدوا اجتماع الرجال والنساء الأجنبيات ، وأجاب ابن التين عن ذلك بما حكاه عن سحنون : أن معناه : كان الرجال يتوضئون ويذهبون ، ثم تأتي النساء ، فيتوضَأْنَ . قلت : هذا خلاف الذي يدل عليه جميعا ، ومع هذا جاء صريحا ، وحدة الإناء في ( صحيح ابن خزيمة ) في هذا الحديث من طريق معتمر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون ، والنساء معهم من إناء واحد ، كلهم يتطهرون منه . قيل : ولنا أن نقول : ما كان مانع من ذلك قبل نزول آية الحجاب ، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم ، وفيه نظر ، والله تعالى أعلم .