71 - بَاب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا ، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوزُ 2162 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّلَقِّي ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا ، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ ، وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوزُ ) جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ ، لَكِنْ مَحَلُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا مَا إِذَا كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِشَرْطِهِ الْآتِي ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبِهِ عَاصِيًا آثِمًا وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ خِدَاعًا فَصَحِيحٌ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ ، وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْإِضْرَارِ بِالرُّكْبَانِ ، وَالْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ صَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ عَلَى مَا إِذَا اخْتَارَ الْبَائِعُ رَدَّهُ فَلَا يُخَالِفُ الرَّاجِحَ . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَلْزَمَهُ التَّنَاقُضَ بِبَيْعِ الْمُصَرَّاةِ ، فَإِنَّ فِيهِ خِدَاعًا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ ، وَبِكَوْنِهِ فَصَلَ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ لَهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْمَاضِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ فَفِيهِ : فَإِنْ كَذَّبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا قَالَ : فَلَمْ يَبْطُلْ بَيْعُهُمَا بِالْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ لِلْعَيْبِ ، وَقَدْ وَرَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : أَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ إِذَا بَاعَهَا لِمَنْ تَلَقَّاهُ يَصِيرُ بِالْخِيَارِ إِذَا دَخَلَ السُّوقَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّلَقِّيَ وَكَرِهَهُ الْجُمْهُورُ . قُلْتُ : الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ التَّلَقِّي فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ ، وَأَنْ يَلْتَبِسَ السِّعْرُ عَلَى الْوَارِدِينَ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ تَلَقَّاهُ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ ، فَإِنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إِذَا أَتَى السُّوقَ . قُلْتُ : وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ : لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ وَقَوْلُهُ : فَهُوَ بِالْخِيَارِ أَيْ : إِذَا قَدِمَ السُّوقَ وَعَلِمَ السِّعْرَ ، وَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَصِيَانَتِهِ مِمَّنْ يَخْدَعُهُ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى نَفْعِ أَهْلِ السُّوقِ لَا عَلَى نَفْعِ رَبِّ السِّلْعَةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ لَا لِأَهْلِ السُّوقِ . انْتَهَى . وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : أَوَّلُها حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ) هُوَ الْمَقْبُرِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنِ التَّلَقِّي ) ظَاهِرُهُ مَنْعُ التَّلَقِّي مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَمْ لَا ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ · ص 436 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب النهي عن تلقي الركبان · ص 284 باب النهي عن تلقي الركبان أي هذا باب في بيان النهي عن تلقي الركبان أي : عن استقبالهم لابتياع ما يحملونه إلى البلد قبل أن يقدموا الأسواق . وأن بيعه مردود ؛ لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالما ، وهو خداع في البيع ، والخداع لا يجوز . وأن بيعه بفتح الهمزة ، أي : وأن بيع متلقي الركبان مردود ، والضمير يرجع إلى المتلقي الذي يدل عليه . قوله : عن تلقي الركبان كما في قوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ أي : العدل الذي هو المصدر يدل عليه اعدلوا ، والمراد بالبيع العقد ، وقوله : مردود ، أي : باطل يرد إذا وقع ، وقد ذهب البخاري في هذا إلى مذهب الظاهرية ، وقال بعضهم : جزم البخاري بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد ، لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات النهي لا فيما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه ، فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه . انتهى . قلت : هؤلاء المحققون هم الحنفية ، فإن مذهبهم في باب النهي هذا ، وينبني على هذا الأصل مسائل كثيرة محلها كتب الفروع ، وقال ابن حزم : وهو حرام سواء خرج للتلقي أم لا ، بعد موضع تلقيه أم قرب ولو أنه عن السوق على ذراع ، والجالب بالخيار إذا دخل السوق في إمضاء البيع أو رده ، وقال ابن المنذر : كره تلقي السلع بالشراء مالك والليث والأوزاعي ، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز تلقي السلع حتى تصل إلى السوق ، ومن تلقاها فاشتراها منهم يشترك فيها أهل السوق إن شاءوا كان واحدا منهم ، وقال ابن القاسم : وإن لم يكن للسلعة سوق عرضت على الناس في المصر فيشتركون فيها إن أحبوا ، فإن أخذوها وإلا ردوها عليه ، ولا يرد على بائعها ، وقال غيره : يفسخ البيع في ذلك ، وقال الشافعي : من تلقاها فقد أساء ، وصاحب السلعة بالخيار إذا قدم به السوق في إنفاذ البيع أو رده ؛ لأنهم يتلقونهم فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها ، وهم أهل غرة ومكر وخديعة ، وحجته حديث أبي هريرة : فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار . وذهب مالك أن نهيه عن التلقي إنما يريد به نفع أهل السوق لا نفع رب السلعة ، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعي ، وقال الأبهري : معناه لئلا يستفيد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف ، فيؤدي ذلك إلى الضرر بهم في معايشهم ، ولهذا المعنى قال مالك : إنه يشترك معهم إذا تلقوا السلع ، ولا ينفرد بها الأغنياء . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به ، وإن كان يضرهم فهو مكروه ، واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر قال : كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام ، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام ، وقال الطحاوي : في هذا الحديث إباحة التلقي ، وفي أحاديث غيره النهي عنه ، وأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد ، فيكون ما نهى عنه من التلقي لما في ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين في السوق ، وما أبيح من التلقي هو ما لا ضرر فيه عليهم ، وقال الطحاوي أيضا : والحجة في إجازة الشراء مع التلقي المنهي عنه حديث أبي هريرة : لا تلقوا الجلب ، فمن تلقاه فهو بالخيار إذا أتى السوق فيه جعل الخيار مع النهي ، وهو دال على الصحة ؛ إذ لا يكون الخيار إلا فيها ؛ إذ لو كان فاسدا لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه . ( قلت ) : حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم وأبو داود والطحاوي أيضا ، وحديث ابن عمر المذكور الآن أخرجه مسلم والطحاوي . قوله : لأن صاحبه أي : صاحب التلقي عاص آثم أي : مرتكب الإثم إذا كان به أي : بالنهي عن تلقي الركبان عالما لأنه ارتكب المعصية مع علمه بورود النهي عن ذلك ، والعلم شرط لكل ما نهي عنه . قوله : وهو خداع أي : تلقي الركبان خداع للمقيمين في الأسواق أو لغير المتلقين ، والخداع حرام لقوله - صلى الله تعالى عليه – الخديعة في النار أي : صاحب الخديعة ، وقال بعضهم : لا يلزم من ذلك ، أي : من كونه خداعا أن يكون البيع مردودا ؛ لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ، ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه ، بل لدفع الضرر بالركبان . ( قلت ) : هذا التعليل هو الذي يقول به الحنفية في أبواب النهي ، والعجب من الشافعية أنهم يقولون : إن النهي يقتضي الفساد ، ثم مطلقا في بعض المواضع يذهبون إلى ما قاله الحنفية ، وقال بعضهم : ويمكن أن يحمل قول البخاري : إن البيع مردود ، على ما إذا اختار البائع رده فلا يخالف الراجح . ( قلت ) : هذا الحمل الذي ذكره هذا القائل يرده هذه التأكيدات التي ذكرها وهي قوله : لأن صاحبه عاص إلى آخره ، ولم يبق بعد هذه إلا أن يقال كاد أن يخرج من الإيمان ، ألا ترى إلى الإسماعيلي كيف اعترض عليه وألزمه هذا التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعا ومع ذلك لم يبطل البيع ، وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع له بأجر أو بغير أجر ، واستدل عليه أيضا بحديث حكيم بن حزام الماضي في بيع الخيار ففيه : فإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما قال : فلم يبطل بيعها بالكذب والكتمان للعيب ، وقد ورد بإسناد صحيح أن صاحب السلعة إذا باعها لمن تلقاه يصير بالخيار إذا دخل السوق ، ثم ساقه من حديث أبي هريرة . انتهى . ولو كان للحمل الذي ذكر القائل المذكور وجه لذكره الإسماعيلي ، ولا أطنب في هذا الاعتراض ، وقال ابن المنذر : أجاز أبو حنيفة التلقي وكرهه الجمهور ( قلت ) : ليس مذهب أبي حنيفة كما ذكره على الإطلاق ، ولكن على التفصيل الذي ذكرناه عن قريب ، والعجب من ابن المنذر وأمثاله كيف ينقلون عن أبي حنيفة شيئا لم يقل به ، وإنما ذلك منهم من أريحية العصبية على ما لا يخفى . 111 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا عبيد الله العمري ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التلقي وأن يبيع حاضر لباد . مطابقته للترجمة في قوله : عن التلقي . وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وسعيد هو المقبري ، وهذا من أفراده مشتمل على حكمين مضى البحث فيهما .