82 - بَاب بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ ، وَهِيَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالثَّمَرِ ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ ، وَبَيْعُ الْعَرَايَا قَالَ أَنَسٌ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ 2183 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ . 2184 - قَالَ سَالِمٌ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ ) بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ ، مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْحَرْبُ الزَّبُونَ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا ، وَقِيلَ : لِلْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ الْمُزَابَنَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَبْنِ أَرَادَ دَفْعَ الْبَيْعِ بِفَسْخِهِ ، وَأَرَادَ الْآخَرُ دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ . قَوْلُهُ : ( وَهِيَ بَيْعُ التَّمْرِ ) بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ ( بِالثَّمَرِ ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الرُّطَبُ خَاصَّةً . وَقَوْلُهُ : بَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ أَيْ : بِالْعِنَبِ وَهَذَا أَصْلُ الْمُزَابَنَةِ ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ كُلَّ بَيْعٍ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ ، أَوْ بِمَعْلُومٍ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ ، قَالَ : وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَضْمَنُ لَكَ صُبْرَتَكَ هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا مَثَلًا ، فَمَا زَادَ فَلِي وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ ، فَهُوَ مِنَ الْقِمَارِ وَلَيْسَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ . قُلْتُ : لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ فَثَبَتَ أَنَّ مِنْ صُوَرِ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْقِمَارِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا قِمَارًا أَنْ لَا تُسَمَّى مُزَابَنَةً . وَمِنْ صُوَرِ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا وَسَتَأْتِي هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ بَعْدَ أَبْوَابٍ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْمُزَابَنَةُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْجُزَافِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ إِذَا بِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنَ الْكَيْلِ وَغَيْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ أَمْ لَا . وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْهُ مَا يَدْخُلُهُ مِنَ الْقِمَارِ وَالْغَرَرِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : نَظَرَ مَالِكٌ إِلَى مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ لُغَةً - وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ - وَيَدْخُلُ فِيهَا الْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْمُزَابَنَةَ بِأَنَّهَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، وَهُوَ خَطَأٌ فَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ مِنْ أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقِيلَ : هِيَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْجُزْءِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فِي تَفْسِيرِهَا أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَنَسٌ إِلَخْ ) يَأْتِي مَوْصُولًا فِي بَابِ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ وَفِيهِ تَفْسِيرُ الْمُحَاقَلَةِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ سَالِمٍ وَمِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْهُ ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ . وَفِي طَرِيقِ نَافِعٍ تَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مِنَ الْمَرْفُوعِ . وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَذَلِكَ ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا رِوَايَةُ سَالِمٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِذِكْرِ الْمُزَابَنَةِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ فَهُمْ أَعْرَفُ بِتَفْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُزَابَنَةٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ كَيْلٌ بِجُزَافٍ وَلَا جُزَافٌ بِجُزَافٍ ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِلْحَاقِ . وَقِيلَ : يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سَالِمٌ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ أُفْرِدَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ مَضْمُومًا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَلَمْ يَفْصِلْ حَدِيثَ ابْنَ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا وَمُرَادُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ اسْتِثْنَاءَ الْعَرَايَا بِوَاسِطَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ مَحْفُوظَةً احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ حَمَلَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَكَانَ عِنْدَهُ بَعْضُهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ مِنْهُ وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالتَّسَاوِي إِنَّمَا يَصِحُّ حَالَةَ الْكَمَالِ ، وَالرُّطَبُ قَدْ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ عَنِ الْيَابِسِ نَقْصًا لَا يَتَقَدَّرُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُسَاوَاةِ حَالَةَ الرُّطُوبَةِ ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَقَالَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَلَا إِذًا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ . قَوْلُهُ : ( رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ ) أَيْ : بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالثَّمَرِ ( فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ) وَهَذَا مِنْ أَصْرَحِ مَا وَرَدَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ حَمَلَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ عَلَى عُمُومِهِ ، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْعَرَايَا مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَزَعَمَ أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ وَرَدَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ ، وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ أَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يَكُونُ بَعْدَ النَّاسِخِ . قَوْلُهُ : ( بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ ) كَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أَوْ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ : بِالرُّطَبِ وَبِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَهُ بِالْوَاوِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ أَوْ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ لَا الشَّكِّ بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ . وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا عَلَى الزُّهْرِيِّ ؛ فَإِنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بالْإِسْنَادَيْنِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ وَفَرَّقَهُمَا ، وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ كَانَتْ فِيهَا حُجَّةٌ لِلْوَجْهِ الصَّائِرِ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ الْمَخْرُوصِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالرُّطَبِ الْمَخْرُوصِ أَيْضًا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ خَيْرَانَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَا نَوْعًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ جَازَ وَهُوَ رَأْيُ أَبِي إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّخْلِ وَالْآخَرُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَقِيلَ : وَمِثْلُهُ مَا إِذَا كَانَا مَعًا عَلَى النَّخْلِ ، وَقِيلَ : إِنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا إِذَا كَانَا نَوْعَيْنِ ، وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ أُخَرُ يَطُولُ ذِكْرُهَا . وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِإِلْحَاقِ الْبُسْرِ فِي ذَلِكَ بِالرُّطَبِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ · ص 448 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بيع المزابنة وهي بيع التمر بالثمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا · ص 297 باب بيع المزابنة وهي بيع التمر بالثمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا أي هذا باب في بيان حكم بيع المزابنة ، وقد مر الكلام فيها وفي العرايا في باب بيع الزبيب بالزبيب مستوفى . قوله : وهي أي : المزابنة ، بيع التمر بالتاء المثناة من فوق . قوله : بالثمر بالثاء المثلثة وفتح الميم ، وأراد به الرطب ، يعني بيع التمر اليابس بالرطب . قوله : بالكرم أي : بالعنب . قال أنس : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة والمحاقلة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسيأتي هذا التعليق موصولا في باب المخاصرة والمحاقلة مفاعلة من الحقل بالحاء المهملة والقاف ، وهو الزرع وموضعه ، وهي بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية ، وقيل : هي المزارعة بالثلث أو الربع أو نحوه مما يخرج منها فيكون كالمخابرة ، وروى جابر أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن المخابرة والمحاقلة والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع قبل إدراكه ، وقال الليث بمائة فرق من الحنطة ، والمخابرة كراء الأرض بالثلث أو الربع ، وقيل : هي بيع الزرع قبل إدراكه ، وقال الليث : الحقل الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ ، وقال الهروي : إذا كانت المحاقلة مأخوذة من هذا فهو بيع الزرع قبل إدراكه ، قال : والمحقلة المزرعة ، وقيل : لا تنبت البقلة إلا الحقلة ، وقال أبو عبيد : المحاقلة مأخوذة من الحقل ، وهو الذي يسميه الناس القراح بالعراق ، وفي الحديث ما تصنعون بمحاقلكم أي : بمزارعكم ، وتقول للرجل : احقل أي : ازرع ، وإنما وقع الخطر في المحاقلة والمزابنة لأنهما من الكيل ، وليس يجوز شيء من الكيل والوزن إذا كانا من جنس واحد إلا يدا بيد ومثلا بمثل ، وهذا مجهول لا يدرى أيهما أكثر . 129 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ، ولا تبيعوا الثمر بالتمر . مطابقته للترجمة في قوله : ولا تبيعوا الثمر بالتمر فإنه بيع المزابنة . قوله : التمر بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم ، وقوله : بالثمر بالثاء المثلثة وفتح الميم ، وهو الرطب . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعقيل بضم العين ، والحديث أخرجه مسلم ، عن محمد بن رافع ، عن حجين بن المثنى ، عن الليث . قوله : يبدو صلاحه أي : يظهر ، قال النووي : يبدو بلا همز ، ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه يقع في كثير من كتب المحدثين وغيرهم حتى يبدوا هكذا بألف في الخط ، وهو خطأ ، والصواب حذفها في مثل هذا للناصب ، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب ، مثل زيد يبدوا ، والاختيار حذفها أيضا ، ويقع مثله في حتى تزهوا ، وصوابه حذف الألف . قوله : صلاحه هو ظهور حمرته أو صفرته ، وفي رواية لمسلم في حديث جابر : حتى يطعم ، وفي رواية : حتى يشقه ، والإشقاق أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء ، وفي رواية : حتى تشقح ، وقال سعيد بن مينا الراوي عن جابر : يحمار ويصفار ويؤكل منها ، وفي رواية للطحاوي في حديث ابن عباس : حتى يؤكل منه ، وفي رواية له في حديث جابر : حتى يطيب ، وفي رواية له في حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - : حتى يصلح ، وفي رواية لمسلم في حديث ابن عمر : ما صلاحه ؟ قال : تذهب عاهته . ثم اعلم أن بدو الصلاح متفاوت بتفاوت الأثمار ، فبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه ، وكذلك العنب الأسود بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد وأن ينحو أبيضه إلى البياض مع النضج ، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد ، وبدو صلاح القثاء والفقوص أن ينعقد ويبلغ مبلغا يوجد له طعم ، وأما البطيخ فأن ينحو ناحية الاصفرار والطيب ، وأما اللوز فروى أشهب وابن نافع ، عن مالك أنه يباع إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب ، فإنه لا يطيب حتى ينزع ، وأما الجزر واللفت والفجل والثوم والبصل فبدو صلاحه إذا استقل ورقه وتم وانتفع به ، ولم يكن في قلعه فساد ، والبر والفول والجلبان والحمص والعدس إذا يبس ، والياسمين وسائر الأنوار أن يفتح أكمامه ويظهر نوره ، والقصيل والقصب والقرطم إذا بلغ أنه يرعى دون فساد . ( ذكر مذاهب العلماء في هذا الباب ) قال النووي : فإن باع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط القطع صح بالإجماع ، قال أصحابنا : ولو شرط القطع ثم لم يقطع فالبيع صحيح ويلزمه البائع بالقطع ، فإن تراضيا على إبقائه جاز ، وإن باع بشرط التبقية فالبيع باطل بالإجماع لأنه ربما تتلف الثمرة قبل إدراكها ، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل ، وأما إذا شرط القطع فقد انتفى هذا الضرر ، وإن باعها مطلقا بلا شرط القطع فمذهبنا ومذهب الجمهور أن البيع باطل ، وبه قال مالك ، وقال أبو حنيفة : يجب شرط القطع . انتهى . قلت : مذهب الثوري وابن أبي ليلى والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق عدم جواز بيع الثمار في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر . ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد جواز بيع الثمار على الأشجار بعد ظهورها ، وبه قال مالك في رواية ، وأحمد في قول ، وحجتهم في هذا ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع وزاد الترمذي : ومن باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وجه التمسك به أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - جعل فيه تمر النخل لبائعها إلا أن يشترط المبتاع فيكون له باشتراطه إياها ويكون ذلك مبتاعا لها ، وفي هذا إباحة بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ؛ لأن كل ما لا يدخل في بيع غيره إلا بالاشتراط هو الذي يكون مبيعا وحده وما لا يدخل في بيع غيره من غير اشتراط هو الذي لا يجوز أن يكون مبيعا وحده . قوله : قد أبرت ، من قولهم : فلان أبر نخله إذا لقحه ، والاسم منه الإبار كالإزار ، وأجابوا عن الحديث المذكور أن المراد منه البيع قبل أن يتكون ، فيكون بائعها بائعا بما ليس عنده ، وقد نهى رسول الله عن ذلك ، وقال الطحاوي رحمه الله ما ملخصه : إن قوما قالوا : إن النهي المذكور ليس للتحريم ولكنه على المشورة منه عليهم لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه ، ورووا في ذلك عن زيد بن ثابت قال : كان الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار ، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر العفن والدمان وأصابه قشام عاهات يحتجون بها فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك : لا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم ، فكان نهيه عن ذلك على هذا المعنى ، وأخرج الطحاوي حديث زيد هذا بإسناد صحيح ، وأخرجه النسائي أيضا والبيهقي . قوله : العفن بفتحتين الفساد ، وأما بكسر الفاء فهو من الصفات المشبهة ، والدمان بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم ، وفي آخره نون ، هو فساد التمر قبل إدراكه حتى يسود ، ويروى باللام وبالراء في موضع النون ، والقشام بضم القاف داء يقع في الثمرة فتهلك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بيع المزابنة وهي بيع التمر بالثمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا · ص 299 قال سالم : وأخبرني عبد الله ، عن زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ، ولم يرخص في غيره هذا موصول بالإسناد المذكور ، وسيأتي في آخر الباب أنه أفرد حديث زيد بن ثابت من طريق نافع عن ابن عمر ، وقد ذكر في باب بيع الزبيب بالزبيب من وجه آخر عن نافع مضموما في سياق واحد ، وأخرجه الترمذي ولم يفصل حديث ابن عمر من حديث زيد بن ثابت ، وأشار إلى أنه وهم فيه ، والصواب التفصيل . قوله : رخص بعد ذلك أي : بعد النهي عن بيع التمر بالثمر في بيع العرايا ، وقال بعضهم : وهذا من أصرح ما ورد في الرد على من حمل من الحنفية النهي عن بيع التمر بالثمر على عمومه ومنع أن يكون بيع العرايا مستثنى منه ، وزعموا أنهما حكمان وردا في سياق واحد ، وكذلك من زعم منهم كما حكاه ابن المنذر عنهم أن بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع التمر بالثمر ؛ لأن المنسوخ لا يكون إلا بعد الناسخ . انتهى . قلت : إبقاء النهي على العموم أولى من إبطال شيء منه ، ولا منع من أن يكون النهي عن بيع الثمر بالتمر وبيع العرايا حكمين واردين في سياق واحد ، وعموم النهي ثابت بيقين ، وقول زيد بن ثابت إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - رخص بعد ذلك لا يخرجه عن عمومه المتيقن ؛ لأن معنى كلامه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أظهر بعد نهيه عن بيع التمر بالثمر أن بيع العرية رخصة لا أنه مستثنى منه ، على أن العرية في الأصل عطية وهبة . فإن ( قلت ) : الرخصة لا دخل لها في العطايا والهبات ، ولا تكون الرخصة إلا في شيء محرم ، ولو كانت العرية رخصة لم يكن لقوله ورخص بعد ذلك في بيع العرية فائدة ولا معنى . ( قلت ) : معنى الرخصة فيه أن الرجل إذا أعرى الرجل شيئا من ثمره فقد وعد أن يسلمه إليه ليملكه المسلم إليه بقبضه إياه ، وعلى الرجل أن يفي بوعده ، وإن كان غير مأخوذ به في الحكم ، فرخص للمعري أن يحبس ما أعرى بأن يعطي المعرى خرصه تمرا بدلا منه من غير أن يكون إثما ، ولا في حكم من أخلف موعدا ، فهذا موضع الرخصة . فإن ( قلت ) : كيف سميت العرية بيعا ( قلت ) : سميت بذلك لتصورها بصورة البيع لا أن يكون بيعا حقيقة ، ألا ترى أنه لم يملكها المعرى له لانعدام القبض ، ولأنه لو كانت بيعا لكانت بيع التمر بالثمر إلى أجل ، وأنه لا يجوز بلا خلاف ، فدل ذلك على أن العرية المرخص فيها ليست ببيع حقيقة ، بل هي عطية كما نص عليه أبو حنيفة في تفسيره العرية ، ونقل ابن المنذر عن بعض الحنفية غير صحيح . قوله : بالرطب أو التمر كلمة أو تحتمل أن تكون للتخيير وتحتمل أن تكون للشك ، ولكن يؤيد كونها للتخيير ما رواه النسائي والطبراني من طريق صالح بن كيسان والبيهقي من طريق الأوزاعي ، كلاهما عن الزهري بلفظ : بالرطب وبالتمر ، ولم يرخص في غير ذلك ، هكذا ذكره بالواو .