87 - بَاب إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ 2198 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ ، فَقِيلَ لَهُ : وَمَا تُزْهِي ؟ قَالَ : حَتَّى تَحْمَرَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ ) جَنَحَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، لَكِنَّهُ جَعَلَهُ قَبْلَ الصَّلَاحِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَفْسُدْ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُتَابِعٌ لِلزُّهْرِيِّ ، كَمَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ فِي آخَرِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُزْهِيَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّوَابُ ، فَلَا يُقَالُ فِي النَّخْلِ تَزْهُو إِنَّمَا يُقَالُ : تُزْهِي لَا غَيْرَ . وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ مَا نَفَاهُ فَقَالَ : زَهَا إِذَا طَالَ وَاكْتَمَلَ ، وَأَزْهَى إِذَا احْمَرَّ وَاصْفَرَّ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ : وَمَا تُزْهِي ) لَمْ يُسَمِّ السَّائِلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا الْمَسْئُولَ أَيْضًا ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا تُزْهِي ؟ قَالَ : تَحْمَرُّ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ وَظَاهِرُهُ الرَّفْعُ ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ ، عَنْ حُمَيْدٍ مَوْقُوفًا عَلَى أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، الْحَدِيثَ ) هَكَذَا صَرَّحَ مَالِكٌ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ مُقْتَصَرًا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ ، وَالْخَطَأُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، فَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ كَرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْآتِي ذِكْرُهَا . وَرَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ حُمَيْدٍ فَقَالَ فِيهِ : قَالَ . أَفَرَأَيْتَ . . . إِلَخْ قَالَ : فَلَا أَدْرِي أَنَسٌ قَالَ : بِمَ يَسْتَحِلُّ أَوْ حَدَّثَ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، فَعَطَفَهُ عَلَى كَلَامِ أَنَسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : تُزْهِي وَظَاهِرُهُ الْوَقْفُ ، وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، وَالْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ : قَالَ أَنَسٌ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ الْحَدِيثَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَهُشَيْمٌ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا عَنْ حُمَيْدٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَدْرَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ ، وَتَابَعَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ حُمَيْدٍ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ . قُلْتُ : وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا ؛ لِأَنَّ مَعَ الَّذِي رَفَعَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا عِنْدَ الَّذِي وَقَفَهُ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الَّذِي وَقَفَهُ مَا يَنْفِي قَوْلَ مَنْ رَفَعَهُ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ مَا يُقَوِّي رِوَايَةَ الرَّفْعِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ عَاهَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الثَّمَرِ يُشْتَرَى بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ثُمَّ تُصِيبُهُ جَائِحَةٌ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَضَعُ عَنْهُ الثُّلُثَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو عَبِيدٍ : يَضَعُ الْجَمِيعَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا وَرَدَ وَضْعُ الْجَائِحَةِ فِيمَا إِذَا بِيعَتِ الثَّمَرَةُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ ، فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عَلَى مَا قُيِّدَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : أُصِيبَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ . فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَقَالَ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ ، قَالَ : فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلْ دَيْنُ الْغُرَمَاءِ بِذَهَابِ الثِّمَارِ وَفِيهِمْ بَاعَتُهَا ، وَلَمْ يُؤْخَذِ الثَّمَنُ مِنْهُمْ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ أَيْ : لَوْ تَلِفَ الثَّمَرُ لَانْتَفَى فِي مُقَابَلَتِهِ الْعِوَضُ فَكَيْفَ يَأْكُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؟ وَفِيهِ إِجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ تَطَرُّقَ التَّلَفِ إِلَى مَا بَدَا صَلَاحُهُ مُمْكِنٌ ، وَعَدَمُ التَّطَرُّقِ إِلَى مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مُمْكِنٌ ، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِالْغَالِبِ فِي الْحَالَتَيْنِ . 2199 - وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ . أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يُونُسُ . . . إِلَخْ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عُقَيْلٍ بِهَذَا وَأَتَمَّ مِنْهُ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ اسْتِنْبَاطِ الزُّهْرِيِّ لِلْحُكْمِ الْمُتَرْجَمِ بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ · ص 465 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع · ص 6 ( باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، ثم أصابته عاهة فهو من البائع ) أي هذا باب يذكر فيه إذا باع شخص الثمار قبل بدو صلاحها ، ثم أصابته عاهة ، أي : آفة ، فهو من البائع ، أي : من مال البائع ، والفاء جواب "إذا" لتضمن معنى الشرط ، فهذا يدل على أن البخاري قائل بصحة هذا البيع وإن لم يبد صلاحه ؛ لأنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح . 143 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن حميد ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تزهي ، فقيل له : وما تزهي ؟ قال : حتى تحمر ، فقال : أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : "إن منع الله الثمرة ..." إلى آخره ؛ لأن الثمرة إذا أصابتها آفة ولم يقبضها المشتري تكون من ضمان البائع ، فإذا قبضها المشتري فهو من مال المشتري . وفي هذا الباب أقوال للعلماء وتفصيل ، فقال ابن قدامة في المغني الكلام في هذه المسألة على وجوه : الأول : أن ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع في الجملة ، وبهذا قال أكثر أهل المدينة ، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري ، ومالك ، وأبو عبيد ، وجماعة من أهل الحديث . الثاني : أن الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها : كالريح ، والبرد ، والجراد ، والعطش . الثالث : أن ظاهر المذهب أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها ، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء اليسير الذي لا ينضبط ، فلا يلتفت إليه . وقال أحمد : إني لا أقول في عشر ثمرات وعشرين ثمرة لا أدري ما الثلث ، ولكن إذا كانت جائحة فوق الثلث أو الربع أو الخمس توضع ، ومنه رواية أخرى أن ما كان دون الثلث فهو من ضمان المشتري ، وبه قال مالك والشافعي في القديم ، لأنه لا بد أن يأكل الطائر منها وينثر الريح ويسقط منها ، فلم يكن بد من ضابط وحد فاصل بين هذا وبين الجائحة والثلث ، قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع ، منها الوصية وعطايا المريض ، إذا ثبت هذا فإنه إذا تلف شيء له قدر خارج عن العادة ، وضع من الثمن بقدر الذاهب ، وإن تلف الجميع بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثمن ، وإن تلف البعض وكان الثلث ، فما زاد وضع بقسطه من الثمن ، وإن كان دونه لم يرجع بشيء ، وإن اختلفا في الجائحة أو في قدر ما أتلفت ، فالقول قول البائع ؛ لأن الأصل السلامة ، انتهى . وقال جمهور السلف ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي في الجديد ، وأبو جعفر الطبري ، وداود وأصحابه : ما ذهب من الثمر المبيع الذي أصابته جائحة من شيء سواء كان قليلا أو كثيرا بعد قبض المشتري إياه - فهو ذاهب من مال المشتري ، والذي ذهب في يد البائع قبل قبض المشتري ، فذاك يبطل الثمن عن المشتري . ( ذكر معناه ) قوله : « حتى تزهي » بضم التاء من الإذهاء ، قال الخطابي : هذه الرواية هي الصواب ، ولا يقال في النخل : يزهو ، وإنما يقال : يزهي لا غير ورد عليه غيره ، فقال : زهي إذا طال واكتمل ، وأزهى إذا احمر واصفر ، قوله : « فقيل له وما تزهي » لم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسؤول أيضا ، وقد رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بلفظ : "قيل يا رسول الله وما تزهي؟ قال : حتى تحمر" ، وهكذا أخرجه الطحاوي من طريق يحيى بن أيوب ، وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلال ، كلاهما عن حميد ، وظاهره الرفع ، ورواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفا على أنس كما مضى في الباب الذي قبله . قوله : « فقال » ، أي : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويروى : فقال رسول الله ، « أرأيت » أي : أخبرني ، قال أهل البلاغة : هو من باب الكناية حيث استفهم وأراد الأمر ، قوله : « إذا منع الله الثمرة » ... إلى آخره ، هكذا صرح مالك برفع هذه الجملة ، وتابعه محمد بن عباد عن الدراوردي عن حميد ، مقتصرا على هذه الجملة الأخيرة ، وجزم الدارقطني وغير واحد من الحفاظ بأنه أخطأ فيه ، وبذلك جزم ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة ، والخطأ في رواية عبد العزيز من محمد بن عباد ، فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الدراوردي كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها ، ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه : "قال أفرأيت ..." إلى آخره ، قال : فلا أدري أنس قال : بم يستحل ، أو حدث به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أخرجه الخطيب في المدرج ، ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد ، فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله "تزهي" ، وظاهره الوقف ، وأخرجه الجوزقي من طريق زيد بن هارون ، والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر ، كلاهما عن حميد بلفظ قال : أرأيت إن منع الله الثمرة ... الحديث . ورواه ابن المبارك وهشيم كما تقدم آنفا عن حميد ، فلم يذكرا هذا القدر المختلف فيه ، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه على ذلك ، قيل : وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعا ؛ لأن مع الذي رفعه زيادة علم عن ما عند الذي وقفه ، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه ، قوله : « بم يأخذ أحدكم مال أخيه » ، أي : بأي شيء يأخذ أحدكم مال أخيه إذا تلف الثمر ، لأنه إذا تلف الثمر لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفع شيء ، فيكون أخذ البائع بالباطل ، ويروى : "بم يستحل أحدكم مال أخيه" ، وفيه إجراء الحكم على الغالب ؛ لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن ، وعدم تطرقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكن ، فأنيط الحكم في الغالب في الحالين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع · ص 8 ( قال الليث : حدثني يونس عن ابن شهاب قال : لو أن رجلا ابتاع تمرا قبل أن يبدو صلاحه ، ثم أصابته عاهة ، كان ما أصابه على ربه ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحها ، ولا تبيعوا الثمر بالتمر ) . أشار بهذا التعليق عن الليث بن سعد ، عن يونس بن يزيد ، أن ابن شهاب الزهري استنبط الحكم المترجم به من الحديث . قوله : « ابتاع » أي : اشترى ، قوله : « ثمرا » بالثاء المثلثة ، قوله : « عاهة » ، أي : آفة ، قوله : « على ربه » ، أي : واقع على صاحبه ، وهو بائعه محسوب عليه ، وفهم من هذا أن الزهري أطلق كلامه ولم يفصل : هل كان حصول العاهة قبل قبض المشتري أو بعده ؟ فمذهب الحنفية بالتفصيل كما ذكرناه عن قريب ، وقبض المشتري الثمار في رؤوس النخل يكون بالتخلية ، بأن يخلي البائع بين المشتري وبينها ، وإمكانه إياه منها ، قوله : « أخبرني » من كلام الزهري ، فإنه قال : أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تتبايعوا الثمر ... إلى آخره ، فكأن الزهري استنبط ما قاله من عموم النهي ، وقد مضى هذا في باب بيع المزابنة ، فإنه قال : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها ، ولا تبيعوا الثمر بالتمر ..." الحديث ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله : « لا تبيعوا الثمر » بالثاء المثلثة وفتح الميم ، قوله : « بالتمر » بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم ، وقال الكرماني : هذا عام خصص بالعرايا . قلت : قد ذكرنا فيما مضى أن هذا العام على عمومه ، وأن بيع العرايا حكم مستقل بذاته لا يحتاج إلى شيء ليخرج من عموم الحديث المذكور .