89 - بَاب إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ 2201 ، 2202 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا . قَوْلُهُ : ( بَابٌ إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ ) أَيْ : مَا يَصْنَعُ لِيَسْلَمَ مِنَ الرِّبَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ ) بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا جِيمٌ ، وَمَنْ قَالَهُ بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمِيمِ فَقَدْ صَحَّفَ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) زَادَ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ابْنِ عَوْفٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِصَامِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذِكْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُوجَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا لِعَبْدِ الْمَجِيدِ ، وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَحْدَهُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْهُ . قُلْتُ : رِوَايَةُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ ، وَلَكِنَّ سِيَاقَهُ مُغَايِرٌ لِسِيَاقِ قِصَّةِ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، وَسِيَاقُ قَتَادَةَ يُشْبِهُ سِيَاقَ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، كَمَا سَيَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْوَكَالَةِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورَةِ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى خَيْبَرَ ، فَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، والدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ فَسَمَّاهُ سَوَادَ بْنَ غَزِيَّةَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَفِي آخِرِهِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ ، وَغَزِيَّةُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَزَايٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ بِوَزْنِ عَطِيَّةَ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ . قَوْلُهُ : ( بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ) بِجِيمٍ وَنُونٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ ، قَالَ مَالِكٌ : هُوَ الْكَبِيسُ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : هُوَ الطَّيِّبُ وَقِيلَ : الصُّلْبُ وَقِيلَ : الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ حَشَفُهُ وَرَدِيئُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : هُوَ الَّذِي لَا يُخْلَطُ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ . قَوْلُهُ : ( بِالصَّاعَيْنِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ مِنَ الْجَمْعِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ التَّمْرُ الْمُخْتَلِطُ . قَوْلُهُ : ( بِالثَّلَاثِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْقَابِسِيِّ بِالثَّلَاثَةِ ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . قَوْلُهُ : ( لَا تَفْعَلْ ) زَادَ سُلَيْمَانُ : وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَيْ : بِعِ الْمِثْلَ بِالْمِثْلِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ وَكَذَا وَقَعَ ذِكْرُ الْمِيزَانِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الْوَكَالَةِ ، أَيْ : فِي بَيْعِ مَا يُوزَنُ مِنَ الْمُقْتَاتِ بِمِثْلِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ هَذَا الْحَدِيثَ ذَكَرَ فِيهِ الْمِيزَانَ سِوَى مَالِكٍ . قُلْتُ : وَفِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ لِمَا فِي الْوَكَالَةِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ ، كُلٌّ يَقُولُ عَلَى أَصْلِهِ : إِنَّ كُلَّ مَا دَخَلَهُ الرِّبَا مِنْ جِهَةِ التَّفَاضُلِ فَالْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فِيهِ وَاحِدٌ ، وَلَكِنْ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْكَيْلُ لَا يُبَاعُ إِلَّا كَيْلًا وَكَذَا الْوَزْنُ ، ثُمَّ مَا كَانَ أَصْلَهُ الْوَزْنُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاعَ بِالْكَيْلِ ، بِخِلَافِ مَا كَانَ أَصْلَهُ الْكَيْلُ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُجِيزُ فِيهِ الْوَزْنَ وَيَقُولُ : إِنَّ الْمُمَاثَلَةَ تُدْرَكُ بِالْوَزْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الطَّيِّبُ وَالدُّونُ ، وَأَنَّهُ كُلَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ جِنْسٌ وَاحِدٌ . قَالَ : وَأَمَّا سُكُوتُ مَنْ سَكَتَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ فَسْخِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ إِمَّا ذُهُولًا وَإِمَّا اكْتِفَاءً بِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ، وَقَدْ وَرَدَ الْفَسْخُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَفِيهِ : فَقَالَ : هَذَا الرِّبَا فَرَدُّوهُ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ ، وَأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا الرَّدُّ كَانَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ : قِيَامُ عُذْرِ مَنْ لَا يَعْلَمُ التَّحْرِيمَ حَتَّى يَعْلَمَهُ ، وَفِيهِ جَوَازُ الرِّفْقِ بِالنَّفْسِ ، وَتَرْكِ الْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ لِاخْتِيَارِ أَكْلِ الطَّيِّبِ عَلَى الرَّدِيءِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَزَهِّدِينَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْعَيِّنَةِ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ مِنْ رَجُلٍ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا غَيْرَ الَّذِي بَاعَ لَهُ الْجَمْعُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ لَا يَشْمَلُ وَلَكِنْ يَشِيعُ فَإِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ مِمَّنْ بَاعَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا . وَقِيلَ : إِنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ صُوَرِ هَذَا الْبَيْعِ يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا وَيَكُونُ الثَّمَنُ لُغْزًا ، قَالَ : وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى جَوَازِ شِرَاءِ التَّمْرِ الثَّانِي مِمَّنْ بَاعَهُ التَّمْرَ الْأَوَّلَ ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ ظَاهِرُ السِّيَاقِ بِعُمُومِهِ بَلْ بِإِطْلَاقِهِ وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ إِجْمَالًا فَوَجَبَ الِاسْتِفْسَارُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَقْيِيدُهُ بِأَدْنَى دَلِيلٍ كَافٍ ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الصُّورَةُ مَمْنُوعَةً . وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الْجَوَازِ بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ : أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ فَقَالَ إِنَّ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَوْفٍ : فَنُعْطِي الْجَنِيبَ وَنَأْخُذُ غَيْرَهُ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنِ ابْتَعْ بِهَذَا عَرْضًا ، فَإِذَا قَبَضْتَهُ وَكَانَ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ فَاهْضِمْ مَا شِئْتَ وَخُذْ أَيَّ نَقْدٍ شِئْتَ . وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا مِمَّنِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْجِيلِ فِي ذَلِكَ وَالتَّأْجِيلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الشَّرْطِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَعَدَمُهُ ؟ فَإِنْ تَشَارَطَا عَلَى ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، أَوْ قَبْلَهُ ثُمَّ وَقَعَ الْعَقْدُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَا يَضُرُّ إِرَادَةُ الشِّرَاءِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَهُوَ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ ، ثُمَّ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا ، فَإِنَّهُ عَدَلَ عَنِ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلَالِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي أَبَاحَهَا ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اخْتِيَارِ طَيِّبِ الطَّعَامِ ، وَجَوَازُ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ تُرَدُّ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ بَيْعَ الرِّبَا جَائِزٌ بِأَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَيْعٌ ، مَمْنُوعٌ بِوَصْفِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رِبًا ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الرِّبَا وَيَصِحُّ الْبَيْعُ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ : وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا رَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الصَّفْقَةَ ، وَلَأَمَرَهُ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّاعِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ · ص 466 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه · ص 8 ( باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه ) أي هذا باب يذكر فيه إذا أراد الشخص بيع تمر بتمر خير من ثمره ، وكلاهما بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم ، وجواب إذا محذوف تقديره : ماذا يضع حتى يسلم من الربا . 145 - ( حدثنا قتيبة ، عن مالك ، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر ، فجاءه بتمر جنيب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : "بع الجمع جنيبا" ، فإنه أسلم من الربا ، فإن التمر كله جنس واحد ، فلا يجوز بيع صاع منه بصاع من تمر آخر ، إلا سواء بسواء ، فلا يجوز بالتفاضل . وعبد المجيد بن سهيل - مصغر سهل ضد الصعب - بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، يكنى أبا وهب ، ويقال : أبو محمد . والحديث أخرجه البخاري في الوكالة عن عبد الله بن يوسف ، وفي المغازي عن إسماعيل بن أبي أويس ، وفي نسخة عن القعنبي ، ثلاثتهم أعني قتيبة ، وعبد الله بن يوسف ، وإسماعيل - عن مالك ، وأخرجه في الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، كلاهما عن عبد المجيد المذكور عنه ، عن أبي سعيد وأبي هريرة به ، وأخرجه مسلم في البيوع عن القعنبي ، عن سليمان بن بلال به ، وعن يحيى بن يحيى عن مالك به ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك ، وعن نصر بن علي وإسماعيل بن مسعود ، كلاهما عن خالد بن الحارث ، عن سعيد ، عن قتادة عنه ، عن أبي سعيد بمعناه ، ولم يذكر أبا هريرة . ( ذكر معناه ) قوله : « عن سعيد بن المسيب » ، وفي رواية : سليمان بن بلال عن عبد المجيد ، أنه سمع سعيد بن المسيب ، أخرجه البخاري في الاعتصام . قوله : « عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة » ، وفي رواية سليمان المذكور أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه ، وقال ابن عبد البر : ذكر أبي هريرة لا يوجد في هذا الحديث إلا لعبد المجيد ، وقد رواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وحده ، وكذلك رواه جماعة من أصحاب أبي سعيد عنه ، قوله : « استعمل رجلا » قيل : هو سواد بن غزية ، وقيل : مالك بن صعصعة ، ذكره الخطيب . قلت : سواد بفتح السين المهملة وتخفيف الواو ، وفي آخره دال مهملة ، ابن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء آخر الحروف على وزن عطية ، ابن وهب حليف الأنصار ، وهو الذي أسر يومئذ خالد بن هشام ومالك بن صعصعة الخزرجي ، ثم المازني . قوله : « تمر جنيب » بفتح الجيم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ، قال مالك : هو الكبيس ، وقال الطحاوي : هو الطيب ، وقيل : الصلب ، وقيل : الذي أخرج منه حشفه ورديئه ، وقال التيمي : هو تمر غريب غير الذي كانوا يعهدونه ، وقال الخطابي : هو نوع من التمر ، وهو أجود تمورهم ، وهو بخلاف الجمع بفتح الجيم وسكون الميم ، وهو كل لون من النخل لا يعرف اسمه ، وقيل : هو تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبا فيه ، ولا يختلط إلا لرداءته . قوله : « بالصاعين » ، وفي رواية سليمان : بالصاعين من الجمع ، أي : غير الصاعين اللذين هما عوض الصاع الذي هو من الجنيب وكون المعرفة المعادة عين الأول عند عدم القرينة على المغايرة ، وهو كقوله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، فإنه فيه غير الأول . قوله : « بالثلاثة » كذا ، وفي رواية القابسي بالتاء ، وفي رواية الأكثرين بالثلاث بلا تاء ، وكلاهما جائز ؛ لأن الصاع يذكر ويؤنث . قوله : « لا تفعل » ، وفي رواية سليمان : ولكن مثلا بمثل ، أي : بع المثل بالمثل ، وزاد في آخره : وكذلك الميزان ، أي : في بيع ما يوزن من المقتات بمثله . قوله : « بع الجمع » ، أي : التمر الذي يقال له الجمع بالدراهم ، « ثم ابتع » أي : ثم اشتر بالدراهم جنيبا ، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليكون بصفقتين ، فلا يدخله الربا . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن عبد البر : لا خلاف بين أهل العلم في أن ما دخل في الجنس الواحد من جنس التفاضل والزيادة ، لم تجز فيه الزيادة لا في كيل ولا في وزن ، والوزن والكيل في ذلك سواء عندهم ، إلا أن ما كان أصله الكل لا يباع إلا كيلا ، وما كان أصله الوزن لا يباع إلا وزنا ، وما كان أصله الكيل فبيع وزنا فهو عندهم مماثلة ، وإن كرهوا ذلك ، وما كان موزونا فلا يجوز أن يباع كيلا عند جميعهم ؛ لأن المماثلة لا تدرك بالكيل ، إلا فيما كان كيلا لا وزنا اتباعا للسنة ، وأجمعوا أن الذهب والورق والنحاس وما أشبهه لا يجوز بيع شيء من هذا كله كيلا بكيل بوجه من الوجوه ، والتمر كله على اختلاف أنواعه جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل في البيع والمعاوضة ، وكذلك البر والزبيب وكل طعام مكيل ، هذا حكم الطعام المقتات عند مالك ، وعند الشافعي الطعام كله مقتات أو غير مقتات ، وعند الكوفيين الطعام المكيل والموزون دون غيره ، وقد احتج بحديث الباب من أجاز بيع الطعام من رجل نقدا ويبتاع منه طعاما قبل الافتراق وبعده ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور ، ولا يجوز هذا عند مالك ، وقال ابن بطال : وزعم قوم أن بيع العامل الصاعين بالصاع كان قبل نزول آية الربا ، وقبل إخبارهم بتحريم التفاضل بذلك ؛ فلذلك لم يأمره بفسخه ، قال : وهذه غفلة ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال في غنائم خيبر للسعدين : أريتما فردا . وفتح خيبر مقدم على ما كان بعد ذلك مما وقع في ثمرها وجميع أمرها ، وقد احتج بعض الشافعية بهذا الحديث على أن العينة ليست حراما يعني الحيلة التي يعملها بعضهم توصلا إلى مقصود الربا ، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين ، فيبيعه ثوبا بمائتين ، ثم يشتري منه بمائة ، ودليل هذا من الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : بع هذا واشتر بثمنه من هذا ، ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره ، فدل على أنه لا فرق . وقال النووي : وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين ، وقال مالك وأحمد : هو حرام ، وفي الحديث حجة على من يقول : إن بيع الربا جائز بأصله من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا ، فيسقط الربا ويصح البيع ، قال القرطبي : ولو كان على ما ذكر ، لما فسخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الصفقة ، ولا أمر برد الزيادة على الصاع . وفيه جواز اختيار طيب الطعام ، وقال ابن الجوزي : وفي التخيير له - صلى الله تعالى عليه وسلم - التمر الطيب وإقرارهم عليه دليل على أن النفس يرفق بها لحقها ، وهو عكس ما يصنعه جهال المتزهدين من حملهم على أنفسهم ما لا يطيقون جهلا منهم بالسنة . وفيه جواز الوكالة في البيع وغيره ، وفيه أن البيوع الفاسدة ترد .