باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه
ج١٢ / ص٩( باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه ) 145 - ( حدثنا قتيبة ، عن مالك ، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر ، فجاءه بتمر جنيب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : "بع الجمع جنيبا" ، فإنه أسلم من الربا ، فإن التمر كله جنس واحد ، فلا يجوز بيع صاع منه بصاع من تمر آخر ، إلا سواء بسواء ، فلا يجوز بالتفاضل .
وعبد المجيد بن سهيل - مصغر سهل ضد الصعب - بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، يكنى أبا وهب ، ويقال : أبو محمد . والحديث أخرجه البخاري في الوكالة عن عبد الله بن يوسف ، وفي المغازي عن إسماعيل بن أبي أويس ، وفي نسخة عن القعنبي ، ثلاثتهم أعني قتيبة ، وعبد الله بن يوسف ، وإسماعيل - عن مالك ، وأخرجه في الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، كلاهما عن عبد المجيد المذكور عنه ، عن أبي سعيد وأبي هريرة به ، وأخرجه مسلم في البيوع عن القعنبي ، عن سليمان بن بلال به ، وعن يحيى بن يحيى عن مالك به ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك ، وعن نصر بن علي وإسماعيل بن مسعود ، كلاهما عن خالد بن الحارث ، عن سعيد ، عن قتادة عنه ، عن أبي سعيد بمعناه ، ولم يذكر أبا هريرة . ( ذكر معناه ) قوله : « عن سعيد بن المسيب » ، وفي رواية : سليمان بن بلال عن عبد المجيد ، أنه سمع سعيد بن المسيب ، أخرجه البخاري في الاعتصام .
قوله : « عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة » ، وفي رواية سليمان المذكور أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه ، وقال ابن عبد البر : ذكر أبي هريرة لا يوجد في هذا الحديث إلا لعبد المجيد ، وقد رواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وحده ، وكذلك رواه جماعة من أصحاب أبي سعيد عنه ، قوله : « استعمل رجلا » قيل : هو سواد بن غزية ، وقيل : مالك بن صعصعة ، ذكره الخطيب . قلت : سواد بفتح السين المهملة وتخفيف الواو ، وفي آخره دال مهملة ، ابن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء آخر الحروف على وزن عطية ، ابن وهب حليف الأنصار ، وهو الذي أسر يومئذ خالد بن هشام ومالك بن صعصعة الخزرجي ، ثم المازني . قوله : « تمر جنيب » بفتح الجيم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ، قال مالك : هو الكبيس ، وقال الطحاوي : هو الطيب ، وقيل : الصلب ، وقيل : الذي أخرج منه حشفه ورديئه ، وقال التيمي : هو تمر غريب غير الذي كانوا يعهدونه ، وقال الخطابي : هو نوع من التمر ، وهو أجود تمورهم ، وهو بخلاف الجمع بفتح الجيم وسكون الميم ، وهو كل لون من النخل لا يعرف اسمه ، وقيل : هو تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبا فيه ، ولا يختلط إلا لرداءته .
قوله : « بالصاعين » ، وفي رواية سليمان : بالصاعين من الجمع ، أي : غير الصاعين اللذين هما عوض الصاع الذي هو من الجنيب وكون المعرفة المعادة عين الأول عند عدم القرينة على المغايرة ، وهو كقوله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، فإنه فيه غير الأول . قوله : « بالثلاثة » كذا ، وفي رواية القابسي بالتاء ، وفي رواية الأكثرين بالثلاث بلا تاء ، وكلاهما جائز ؛ لأن الصاع يذكر ويؤنث . قوله : « لا تفعل » ، وفي رواية سليمان : ولكن مثلا بمثل ، أي : بع المثل بالمثل ، وزاد في آخره : وكذلك الميزان ، أي : في بيع ما يوزن من المقتات بمثله .
قوله : « بع الجمع » ، أي : التمر الذي يقال له الجمع بالدراهم ، « ثم ابتع » أي : ثم اشتر بالدراهم جنيبا ، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليكون بصفقتين ، فلا يدخله الربا . ج١٢ / ص١٠( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن عبد البر : لا خلاف بين أهل العلم في أن ما دخل في الجنس الواحد من جنس التفاضل والزيادة ، لم تجز فيه الزيادة لا في كيل ولا في وزن ، والوزن والكيل في ذلك سواء عندهم ، إلا أن ما كان أصله الكل لا يباع إلا كيلا ، وما كان أصله الوزن لا يباع إلا وزنا ، وما كان أصله الكيل فبيع وزنا فهو عندهم مماثلة ، وإن كرهوا ذلك ، وما كان موزونا فلا يجوز أن يباع كيلا عند جميعهم ؛ لأن المماثلة لا تدرك بالكيل ، إلا فيما كان كيلا لا وزنا اتباعا للسنة ، وأجمعوا أن الذهب والورق والنحاس وما أشبهه لا يجوز بيع شيء من هذا كله كيلا بكيل بوجه من الوجوه ، والتمر كله على اختلاف أنواعه جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل في البيع والمعاوضة ، وكذلك البر والزبيب وكل طعام مكيل ، هذا حكم الطعام المقتات عند مالك ، وعند الشافعي الطعام كله مقتات أو غير مقتات ، وعند الكوفيين الطعام المكيل والموزون دون غيره ، وقد احتج بحديث الباب من أجاز بيع الطعام من رجل نقدا ويبتاع منه طعاما قبل الافتراق وبعده ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور ، ولا يجوز هذا عند مالك ، وقال ابن بطال : وزعم قوم أن بيع العامل الصاعين بالصاع كان قبل نزول آية الربا ، وقبل إخبارهم بتحريم التفاضل بذلك ؛ فلذلك لم يأمره بفسخه ، قال : وهذه غفلة ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال في غنائم خيبر للسعدين : أريتما فردا . وفتح خيبر مقدم على ما كان بعد ذلك مما وقع في ثمرها وجميع أمرها ، وقد احتج بعض الشافعية بهذا الحديث على أن العينة ليست حراما يعني الحيلة التي يعملها بعضهم توصلا إلى مقصود الربا ، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين ، فيبيعه ثوبا بمائتين ، ثم يشتري منه بمائة ، ودليل هذا من الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : بع هذا واشتر بثمنه من هذا ، ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره ، فدل على أنه لا فرق .
وقال النووي : وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين ، وقال مالك وأحمد : هو حرام ، وفي الحديث حجة على من يقول : إن بيع الربا جائز بأصله من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا ، فيسقط الربا ويصح البيع ، قال القرطبي : ولو كان على ما ذكر ، لما فسخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الصفقة ، ولا أمر برد الزيادة على الصاع . وفيه جواز اختيار طيب الطعام ، وقال ابن الجوزي : وفي التخيير له - صلى الله تعالى عليه وسلم - التمر الطيب وإقرارهم عليه دليل على أن النفس يرفق بها لحقها ، وهو عكس ما يصنعه جهال المتزهدين من حملهم على أنفسهم ما لا يطيقون جهلا منهم بالسنة . وفيه جواز الوكالة في البيع وغيره ، وفيه أن البيوع الفاسدة ترد .