200 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ ، قال أَنَسٌ : فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ . قال أَنَسٌ : فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مُسَدَّدٌ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ . قَوْلُهُ : ( رَحْرَاحٌ ) بِمُهْمَلَاتٍ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ بَعْدَهَا سُكُونٌ ؛ أَيْ : مُتَّسِعُ الْفَمِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الرَّحْرَاحُ الْإِنَاءُ الْوَاسِعُ الصَّحْنُ الْقَرِيبُ الْقَعْرُ ، وَمِثْلُهُ لَا يَسَعُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ فَهُوَ أَدَلُّ عَلَى عِظَمِ الْمُعْجِزَةِ . قُلْتُ : وَهَذِهِ الصِّفَةُ شَبِيهَةٌ بِالطَّسْتِ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، فَقَالَ بَدَلَ رَحْرَاحٍ زُجَاجٍ بِزَايٍ مَضْمُومَةٍ وَجِيمَيْنِ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ مِنْ آنِيَّةِ الزُّجَاجِ ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ ذَلِكَ إِسْرَافٌ لِإِسْرَاعِ الْكَسْرِ إِلَيْهِ . قُلْتُ : وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَفَرَّدَ بِهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَقَالُوا رَحْرَاحٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاسِعُ الْفَمِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى ، وَإِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ ، وَكَأَنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى ، وَصَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُذَّاقِ بِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدَةَ صَحَّفَهَا ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى فِي رِوَايَتِهِ بِقَوْلِهِ أَحْسَبُهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتْقِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ رِوَايَتِهِ وَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا وَصَفُوا هَيْئَتَهُ وَذَكَرَ هُوَ جِنْسَهُ . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ . قَوْلُهُ فَحَزَرْتُ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ ؛ أَيْ : قَدَّرْتُ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً ، وَهُنَا قال : مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَكُنْ يَضْبِطُ الْعِدَّةَ بَلْ كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهَا تُنِيفُ عَلَى السَّبْعِينَ ، وَيَشُكُّ هَلْ بَلَغَتِ الْعَقْدَ الثَّامِنَ أَوْ تَجَاوَزَتْهُ ، فَرُبَّمَا جَزَمَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَيْثُ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ . وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قال مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ : إِنَّ الْوُضُوءَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرٍ مِنَ الْمَاءِ مُعَيَّنٍ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ اغْتَرَفُوا مِنْ ذَلِكَ الْقَدَحِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ النَّابِعَ لَمْ يَكُنْ قَدْرُهُ مَعْلُومًا لَهُمْ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّقْدِيرِ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْحَدِيثَ بِبَابِ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ ، وَالْمُدُّ إِنَاءٌ يَسَعُ رِطْلًا وَثُلُثًا بِالْبَغْدَادِيِّ ، قَالَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا الْمُدُّ رِطْلَانِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْوُضُوءِ مِنْ التَّوْرِ · ص 364 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الوضوء من التور · ص 93 63 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ منه مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ . مطابقته للترجمة غير ظاهرة ؛ لأن الترجمة : باب الوضوء من التور ، اللهم إلا إذا أطلق اسم التور على القدح . بيان رجاله : وهم أربعة : الأول : مسدد بن مسرهد . الثاني : حماد بن زيد ، تقدم كلاهما . فإن قلت : فلم لا يجوز أن يكون حماد هذا هو حماد بن سلمة ؟ قلت : لأن مسددا لم يسمع من حماد بن سلمة . الثالث : ثابت البناني بضم الباء الموحدة وبالنونين ، مر في باب القراءة والعرض . الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة . ومنها : أن رواته كلهم بصريون ، ومنها : أنهم كلهم أئمة أجلاء . بيان من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي الربيع الزهراني . بيان المعنى : قوله ( رحراح ) بفتح الراء ، وبالحاءين المهملتين ، أي واسع ، ويقال : رحرح أيضا بحذف الألف . وقال الخطابي : الرحراح الإناء الواسع الفم القريب القعر ، ومثله لا يسع الماء الكثير ، فهو أدل على المعجزة . وروى ابن خزيمة هذا الحديث ، عن أحمد بن عبدة ، عن حماد بن زيد ، فقال بدل رحراح : زجاج ، بزاي مضمومة وجيمين ، وبوب عليه : الوضوء من آنية الزجاج ، وفي مسنده ، عن ابن عباس : أن المقوقس أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم قدحا من زجاج . لكن في إسناده مقال . قوله ( فيه شيء من ماء ) أي قليل من ماء ؛ لأن التنوين للتقليل ، ومن للتبعيض . قوله ( ينبع ) يجوز فيه فتح الباء الموحدة ، وضمها ، وكسرها . قوله ( فحزرت ) من الحزر بتقديم الزاي على الراء ، وهو الخرص والتقدير . قوله ( من توضأ ) في محل النصب على المفعولية . قوله ( ما بين السبعين إلى الثمانين ) حال من قوله ( من ) ، وتقدم من رواية حميد أنهم كانوا ثمانين وزيادة ، والجمع بينهما أن أنسا لم يكن يضبط العدة ، بل كان يتحقق أنها تنيف على السبعين ، ويشك هل بلغت العقد الثامن أو جاوزته ، كذا قال بعضهم : وقال الكرماني : ورد أيضا عن جابر ثمة : كنا خمسة عشر ومائة . وهذه قضايا متعددة في مواطن مختلفة ، وأحوال متغايرة ، وهذا أوجه من ذاك ، ويستفاد من هذا بلاغة معجزته صلى الله عليه وسلم ، وهو أبلغ من تفجير الماء من الحجر لموسى عليه الصلاة والسلام ؛ لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير ، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم .