110 - بَاب بَيْعِ الْمُدَبَّرِ 2230 - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَبَّرَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ) أَيْ : الَّذِي عَلَّقَ مَالِكُهُ عِتْقَهُ بِمَوْتِ مَالِكِهِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ دُبُرُ الْحَيَاةِ ، أَوْ لِأَنَّ فَاعِلَهُ دَبَّرَ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ : أَمَّا دُنْيَاهُ فَبِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ ، وَأَمَّا آخِرَتُهُ فَبِتَحْصِيلِ ثَوَابِ الْعِتْقِ ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ تَدْبِيرَ الْأَمْرِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّظَرِ فِي الْعَاقِبَةِ ، فَيَرْجِعُ إِلَى دُبُرِ الْأَمْرِ وَهُوَ آخِرُهُ . وَقَدْ أَعَادَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ ، وَضَرَبَ عَلَيْهَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ ، وَصَارَتْ أَحَادِيثُهَا دَاخِلَةً فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ وَتَوْجِيهُهَا وَاضِحٌ ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ طَرِيقَيْنِ : الْأَوَّلُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ : إِسْمَاعِيلُ ، وَسَلَمَةُ ، وَعَطَاءٌ ، فَإِسْمَاعِيلُ ، وَسَلَمَةُ قَرِينَانِ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ وَعَطَاءٌ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَاعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُدَبَّرَ ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ كَذَلِكَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ كَذَلِكَ ، لَكِنْ زَادَ : عَنْ سُفْيَانَ ، وَإِسْمَاعِيلَ جَمِيعًا عَنْ سَلَمَةَ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، وَلَفْظُهُ : فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَحْكَامِ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ شَيْخِهِ فِيهِ هُنَا ، لَكِنْ قَالَ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ - بَدَلَ وَكِيعٍ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، وَلَفْظُهُ : بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ : بَيْعُ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَقَالَ فِي التَّرْجَمَةِ : وَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَبَّرًا مِنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ : أَبُو مَذْكُورٍ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ : يَعْقُوبُ عَنْ دُبُرٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيهِ ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ ، بِلَفْظِ : إِنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَاحْتَاجَ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَأَفَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَبَبَ بَيْعِهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ إِلَى ثَمَنِهِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خَلَّادٍ زِيَادَةٌ فِي تَفْسِيرِ الْحَاجَةِ وَهُوَ الدَّيْنُ ، فَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ : مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِسِ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ أَعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْأَوَّلِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي قَوْلِهِ : وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِلَى مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ بِلَفْظِ : إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ ، وَكَانَ مُحْتَاجًا ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَأَعْطَاهُ وَقَالَ : اقْضِ دَيْنَكَ ، وَبِالثَّانِي إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ ؟ فَقَالَ : لَا الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ الْمَذْكُورَةِ نَحْوُهُ وَلَفْظُهُ : وَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ الْحَدِيثَ ، فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ كَانَ فِي حَيَاةِ الَّذِي دَبَّرَهُ ، إِلَّا مَا رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : إِنَّ رَجُلًا مَاتَ وَتَرَكَ مُدَبَّرًا وَدَيْنًا ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَاعَهُ فِي دَيْنِهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَنَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ شَرِيكًا أَخْطَأَ فِيهِ ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ عَنْ سَلَمَةَ وَفِيهِ : وَدَفَعَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ إِلَى مَوْلَاهُ . قُلْتُ : وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ شَرِيكٍ بِلَفْظِ : إِنَّ رَجُلًا دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَبَاعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دَيْنِ مَوْلَاهُ وَهَذَا شَبِيهٌ بِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَلَيْسَ فِيهِ لِلْمَوْتِ ذِكْرٌ ، وَشَرِيكٌ كَانَ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ ، وَسَمَاعُ مَنْ حَمَلَهُ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَصَحُّ ، وَمِنْهُمْ أَسْوَدُ الْمَذْكُورُ . ( تَنْبِيهَاتٌ ) : الْأَوَّلُ : اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَى أَنَّ ثَمَنَهُ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : سَبْعُمِائَةٍ أَوْ تِسْعُمِائَةٍ . الثَّانِي : وَجَدْتُ لِوَكِيعٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ إِسْنَادًا آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَدْرَمِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ مُخْتَصَرًا . الثَّالِثُ : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ زِيَادَةٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ : أَنْتَ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ وَاللَّهُ أَغْنَى عَنْهُ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بَيْعِ الْمُدَبَّرِ · ص 491 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بَيْعِ الْمُدَبَّرِ · ص 493 2231 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : بَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الطريق الثاني . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرٍو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( بَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُخْتَصَرًا وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو بِكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ سُفْيَانَ فَزَادَ فِي آخِرِهِ يَعْنِي : الْمُدَبَّرَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ : دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلٍ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ سُفْيَانَ بِتَمَامِهِ نَحْوَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرٍو نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَا عَيَّنَ الثَّمَنَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : اتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّدْبِيرِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ ، غَيْرَ اللَّيْثِ ، وَزُفَرَ فَإِنَّهُمَا قَالَا : مِنْ رَأَسِ الْمَالِ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ عَقْدٌ جَائِزٌ أَوْ لَازِمٌ ، فَمَنْ قَالَ : لَازِمٌ مَنَعَ التَّصَرُّفَ فِيهِ إِلَّا بِالْعِتْقِ ، وَمَنْ قَالَ : جَائِزٌ أَجَازَ ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ ، وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ انْفَرَدَ السَّيِّدُ بِهَا فَيَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا ، وَلِأَنَّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ شَخْصٍ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ بِاتِّفَاقٍ ، فَيَلْحَقُ بِهِ جَوَازُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ ، وَقَيَّدَ اللَّيْثُ الْجَوَازَ بِالْحَاجَةِ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَيُحْمَلُ عَلَى بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَهُوَ اخْتِصَاصُ الْجَوَازِ بِمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا . وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ تَصَرُّفَ هَذَا الرَّجُلِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى رَدِّ تَصَرُّفِ مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا بَاعَ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ لَا رَقَبَتَهُ ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ إِذْ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي وَقَعَ فِي قِصَّةِ الْمُدَبَّرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ كَانَ فِي مَنْفَعَتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بيع المدبر · ص 49 ( باب بيع المدبر ) أي هذا باب في بيان حكم بيع المدبر ، وهو المعلق عتقه بموت سيده ، كذا قالوا . قلت : التدبير لغة : النظر فيما يؤول إليه عاقبته ، وشرعا : التدبير تعليق العتق بمطلق موته ، كقوله : إذا مت فأنت حر ، أو أنت حر يوم أموت ، أو أنت حر عن دبر مني ، أو أنت مدبر أو دبرتك ، أو قال : أعتقتك بعد موتي ، أو أنت عتيق ، أو معتق ، أو محرر بعد موتي ، أو إن مت فأنت حر ، أو إن حدث لي حدث فأنت حر ؛ لأن الحدث يراد به الموت عادة ، وكذا إذا قال : أنت حر مع موتي أو في موتي ، فهذه كلها ألفاظ التدبير المطلق ، فالحكم فيها أنه لا يجوز بيعه ولا هبته ، ولكنه يستخدم ويؤجر . والأمة توطأ وتنكح وتعتق بموت المولى من ثلثه ، وإن مات فقيرا يسعى في ثلثي قيمته ، ويسعى في جميع قيمته إن مات المولى مديونا مستغرقا . وأما ألفاظ التدبير المقيد فهي كقوله : إن مت من مرضي هذا أو من سفري هذا ، فأنت حر ، فحكمه أنه يجوز بيعه بالإجماع ، فإن وجد الشرط عتق ، وقال الشافعي وأحمد : يجوز بيع المدبر بكل حال ، وقال القرطبي وغيره : اتفقوا على مشروعية التدبير ، واتفقوا على أنه من الثلث ، غير الليث بن سعد وزفر ، فإنهما قالا : من رأس المال . واختلفوا هل هو عقد جائز أو لازم ؟ فمن قال : لازم ، منع التصرف فيه إلا بالعتق ، ومن قال : جائز ، أجاز ، وبالأول قال مالك والأوزاعي والكوفيون ، وبالثاني قال الشافعي وأهل الحديث . 173 - حدثنا ابن نمير قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا إسماعيل ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر - رضي الله عنه - قال : باع النبي - صلى الله عليه وسلم - المدبر . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : محمد بن عبد الله بن نمير ، بضم النون وفتح الميم ، وهو مصغر نمر الحيوان المشهور . الثاني : وكيع بن الجراح الرواسي . الثالث : إسماعيل بن أبي خالد ، واسم أبي خالد سعد ، ويقال هرمز ، ويقال كثير . الرابع : سلمة بن كهيل ، مصغر كهل ، الحضرمي ، كان ركنا من الأركان ، مات سنة إحدى وعشرين ومائة . الخامس : عطاء بن أبي رباح . السادس : جابر بن عبد الله الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه ووكيعا وإسماعيل وسلمة كلهم كوفيون ، وأن عطاء مكي ، وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد وهم : إسماعيل ، وسلمة ، وعطاء ، فإسماعيل وسلمة قريبان من صغار التابعين ، وعطاء من أوساطهم ، وفيه ثلاثة ذكروا مجردين بلا نسبة ، وفيه أن شيخه ذكر منسوبا إلى جده . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود في العتق عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود الحراني ، وفيه وفي البيوع عن محمود بن غيلان ، وفيه وفي القضاء عن عبد الأعلى بن واصل ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد ، كلاهما عن وكيع عن إسماعيل به . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به الشافعي وأحمد لما ذهبا إليه من جواز بيع المدبر بكل حال ، وقد مر الكلام فيه مستوفى بما فيه الكفاية في باب بيع المزايدة . قوله : « المدبر » ، أي : المدبر الذي كان للرجل المحتاج قد ذكرنا هناك أن الذي اشتراه نعيم ، واسم المدبر يعقوب ، واسم سيده أبو مذكور ، والثمن ثمانمائة درهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بيع المدبر · ص 49 174 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يقول : باعه رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا طريق آخر أخرجه عن قتيبة بن سعيد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، وفي رواية الحميدي : حدثنا عمرو بن دينار ، هكذا أورده مختصرا ولم يذكر من يعود عليه الضمير ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن سفيان ، فزاد في آخره يعني المدبر ، وأخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم ، وأبي بكر بن أبي شيبة جميعا عن سفيان ، بلفظ : دبر رجل من الأنصار غلاما له لم يكن له مال غيره ، فباعه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ، فاشتراه ابن النحام عبدا قبطيا . مات عام أول في إمارة ابن الزبير ، وهكذا أخرجه أحمد عن سفيان بتمامه نحوه ، وقد أخرجه البخاري - رضي الله تعالى عنه - في كفارات الأيمان ، من طريق حماد بن زيد ، عن عمرو نحوه ، ولم يقل فيه : في إمارات ابن الزبير ولا عين الثمن .