113 - بَاب ثَمَنِ الْكَلْبِ 2237 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . 2238 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَكَسْبِ الْأَمَةِ ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ثَمَنِ الْكَلْبِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدَهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . ثَانِيَهُمَا حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ : نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَكَسْبِ الْأَمَةِ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مُوكِلِ الرِّبَا فِي أَوَائِلِ الْبَيْعِ . وَاشْتَمَلَ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ أَوْ خَمْسَةٍ إِنْ غَايَرْنَا بَيْنَ كَسْبِ الْأَمَةِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ : الْأَوَّلُ : ثَمَنُ الْكَلْبِ ، وَظَاهِرُ النَّهْيِ تَحْرِيمُ بَيْعِهِ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ أَوْ لَا يَجُوزُ ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ أَنْ لَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ ، وَعَنْهُ كَالْجُمْهُورِ ، وَعَنْهُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : يَجُوزُ وَتَجِبُ الْقِيمَةُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ : يَجُوزُ بَيْعُ كَلْبِ الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَقَالَ : إِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ ، وَلَا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ ، وَلَا مَهْرُ الْبَغِيِّ ، وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَجَاسَتُهُ مُطْلَقًا ، وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى نَجَاسَتَهُ النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِهِ وَالْأَمْرُ بِقَتْلِهِ ، وَلِذَلِكَ خَصَّ مِنْهُ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ طَعَنَ فِي صِحَّتِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظِ : نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَإِنْ كَانَ ضَارِيًا ، يَعْنِي : مِمَّا يَصِيدُ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ مُنْكَرٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَقَالَ : طُعْمَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَنَحْوُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ ، وَكَرَاهِيَةُ بَيْعِهِ وَلَا يُفْسَخُ إِنْ وَقَعَ ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نَجِسًا وَأَذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ لِمَنَافِعِهِ الْجَائِزَةِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ جَمِيعِ الْمَبِيعَاتِ ، لَكِنَّ الشَّرْعَ نَهَى عَنْ بَيْعِهِ تَنْزِيهًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، قَالَ : وَأَمَّا تَسْوِيَتُهُ فِي النَّهْيِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْكَلْبِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِي اتِّخَاذِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْعُمُومِ فِي كُلِّ كَلْبٍ ، فَالنَّهْيُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْكَرَاهَةِ أَعَمُّ مِنَ التَّنْزِيهِ وَالتَّحْرِيمِ ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ ثُمَّ تُؤْخَذُ خُصُوصِيَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ؛ فَإِنَّا عَرَفْنَا تَحْرِيمَ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ مِنَ الْإِجْمَاعِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ النَّهْيِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعَطْفِ الِاشْتِرَاكُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ؛ إِذْ قَدْ يُعْطَفُ الْأَمْرُ عَلَى النَّهْيِ ، وَالْإِيجَابُ عَلَى النَّفْيِ . الْحُكْمُ الثَّانِي : مَهْرُ الْبَغِيِّ ، وَهُوَ مَا تَأْخُذُهُ الزَّانِيَةُ عَلَى الزِّنَا ، سَمَّاهُ مَهْرًا مَجَازًا ، وَالْبَغِيُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ ، وَجَمْعُ الْبَغِيِّ بَغَايَا ، وَالْبِغَاءُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ : الزِّنَا وَالْفُجُورُ ، وَأَصْلُ الْبِغَاءِ الطَّلَبُ غَيْرَ أَنَّهُ أَكْثَرَ مَا يَسْتَعْمِلُ فِي الْفَسَادِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا فَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ . الْحُكْمُ الثَّالِثُ : كَسْبُ الْأَمَةِ ، وَسَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ بَابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ وَالْإِمَاءِ وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : نَهَى عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هُوَ فَعُرِفَ بِذَلِكَ النَّهْيُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ كَسْبُهَا بِالزِّنَا لَا بِالْعَمَلِ الْمُبَاحِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ مَرْفُوعًا : نَهَى عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ إِلَّا مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ نَحْوَ الْغَزْلِ وَالنَّفْشِ - وَهُوَ بِالْفَاءِ ، أَيْ : نَتْفِ الصُّوفِ - وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِكَسْبِ الْأَمَةِ : جَمِيعُ كَسْبِهَا ، وَهُوَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْمَنُ إِذَا أُلْزِمَتْ بِالْكَسْبِ أَنْ تَكْسِبَ بِفَرْجِهَا ، فَالْمَعْنَى أَنْ لَا يُجْعَلَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ مَعْلُومٌ تُؤَدِّيهِ كُلَّ يَوْمٍ . الْحُكْمُ الرَّابِعُ : حُلْوَانُ الْكَاهِنِ ، وَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى أَمْرٍ بَاطِلٍ ، وَفِي مَعْنَاهُ التَّنْجِيمُ وَالضَّرْبُ بِالْحَصَى ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَانَاهُ الْعَرَّافُونَ مِنِ اسْتِطْلَاعِ الْغَيْبِ ، وَالْحُلْوَانُ مَصْدَرُ حَلَوْتُهُ حُلْوَانًا إِذَا أَعْطَيْتُهُ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ شُبِّهَ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَأْخُذُهُ سَهْلًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ، يُقَالُ : حَلَوْتُهُ إِذَا أَطْعَمْتُهُ الْحُلْوَ ، وَالْحُلْوَانُ أَيْضًا الرِّشْوَةُ ، وَالْحُلْوَانُ أَيْضًا أَخْذُ الرَّجُلِ مَهْرَ ابْنَتِهِ لِنَفْسِهِ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْكَهَانَةِ وَأَصْلِهَا وَحُكْمِهَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الْحُكْمُ الْخَامِسُ : ثَمَنُ الدَّمِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقِيلَ : أُجْرَةُ الْحِجَامَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَالْمُرَادُ تَحْرِيمُ بَيْعِ الدَّمِ كَمَا حُرِّمَ بَيْعُ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا ، أَعْنِي بَيْعَ الدَّمِ وَأَخْذَ ثَمَنِهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ فِي الْإِجَارَةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( خَاتِمَةٌ ) : اشْتَمَلَ كِتَابُ الْبُيُوعِ مِنَ الْمَرْفُوعِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَسَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا ، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ وَمَا عَدَاهَا مَوْصُولٌ ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا ؛ وَهِيَ : حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قِصَّةِ تَزْوِيجِهِ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّمْرَةِ السَّاقِطَةِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ : قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي ، وَحَدِيثُ الْمِقْدَامِ : أَطْيَبُ مَا أَكَلَ مِنْ كَسْبِهِ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ : رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا ، وَحَدِيثُ الْعَدَّاءِ فِي الْعُهْدَةِ ، وَحَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي الْحَجَّامِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى : أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ عَلَى جَمَلٍ صَعْبٍ ، وَحَدِيثُهُ فِي الْإِبِلِ الْهِيمِ ، وَحَدِيثُ : اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا ، وَحَدِيثُ : إِذَا بِعْتَ فَكِلْ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي دَيْنِ أَبِيهِ ، وَحَدِيثُ الْمِقْدَامِ : كِيلُوا طَعَامَكُمْ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ ، وَحَدِيثُ : الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ، وَحَدِيثُ : إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْهُ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُزَابَنَةِ ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ ، وَحَدِيثُ سَلْمَانَ فِي مُكَاتَبَتِهِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَعَ صُهَيْبٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ ، وَحَدِيثُهُ فِي إِجْلَاءِ الْيَهُودِ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اثْنَانِ وَخَمْسُونَ أَثَرًا . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ثَمَنِ الْكَلْبِ · ص 497 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ثمن الكلب · ص 56 ( باب ثمن الكلب ) أي هذا باب في بيان حكم ثمن الكلب . 179 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن . مطابقته للترجمة في قوله :« نهى عن ثمن الكلب» . ورجاله قد ذكروا ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام راهب قريش مر في الصلاة ، وأبو مسعود هو عقبة بن عمر الأنصاري مر في آخر كتاب الإيمان ، وعقبة بضم العين المهملة وسكون القاف . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الإجارة عن قتيبة عن مالك ، وفي الطلاق عن علي بن عبد الله ، وفي الطب عن عبد الله بن محمد ، كلاهما عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا عن يحيى بن يحيى عن مالك وقتيبة ومحمد بن رمح ، كلاهما عن الليث ، وعن أبي بكر عن سفيان ، ثلاثتهم عن الزهري عنه به ، وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة عن سفيان به ، وأخرجه الترمذي فيه ، وفي النكاح عن قتيبة عن الليث به ، وعن سعيد بن عبد الرحمن ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الصيد عن قتيبة عن ليث به ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح ، كلاهما عن سفيان به . ولما أخرجه الترمذي قال : وفي الباب عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن جعفر ، وأخرج هو أيضا حديث رافع بن خديج من حديث السائب بن يزيد عنه ، أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : « كسب الحجام خبيث ، ومهر البغي خبيث ، وثمن الكلب خبيث » ، وأخرجه أيضا مسلم والأربعة . أما حديث عمر فأخرجه الطبراني في الكبير من حديث السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب ، أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : « ثمن القينة سحت ، وغناها حرام ، والنظر إليها حرام ، وثمنها مثل ثمن الكلب ، وثمن الكلب سحت ، ومن نبت لحمه على السحت فالنار أولى به » . وأما حديث علي - رضي الله تعالى عنه - فأخرجه ابن عدي في الكامل من حديث الحارث عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، وأجر البغي ، وكسب الحجام ، والضب ، والضبع . وأما حديث ابن مسعود ... وأما حديث جابر فأخرجه مسلم من رواية أبي الزبير قال : سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور ، فقال : زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، وأخرجه أبو داود والترمذي من رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي وابن ماجه من رواية أبي حازم عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب وعسب الفحل ، وفي رواية النسائي وعسب التيس ، وأخرجه الحاكم ولفظه : لا يحل مهر الزانية ، ولا ثمن الكلب ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه أبو داود من رواية علي بن رباح ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لا يحل ثمن الكلب ، ولا حلوان الكاهن ، ولا مهر البغي » . وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود من رواية قيس بن جبير ، عن عبد الله بن عباس قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا . وأخرجه النسائي أيضا من رواية عطاء بن أبي رباح عنه ، وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن أبي حاتم في العلل فقال : سألت أبي عن حديث رواه المعافى عن ابن عمران الحمصي ، عن ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا . قال أبي : هذا حديث منكر . وأما حديث عبد الله بن جعفر فأخرجه ابن عدي في الكامل من رواية يحيى بن العلاء ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عبد الله بن جعفر - رضي الله تعالى عنه - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب وكسب الحجام . أورده في ترجمة يحيى بن العلاء وضعفه . قلت : وفي الباب عن أبي جحيفة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وميمونة بنت سعد ، وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري وقد مر . وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الحاكم في المستدرك من رواية حصين عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ، قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وأجر الكاهن ، وكسب الحجام . وأما حديث أنس فأخرجه ابن عدي في الكامل عنه : ثمن الكلاب كلها سحت . وأما حديث السائب بن يزيد فأخرجه النسائي من رواية عبد الرحمن بن عبد الله قال : سمعت السائب بن يزيد يقول : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : السحت ثلاثة : مهر البغي ، وكسب الحجام ، وثمن الكلب . وأما حديث ميمونة بنت سعد فأخرجه الطبراني من رواية عبد الحميد بن يزيد ، عن أمية بنت عمر بن عبد العزيز ، عن ميمونة بنت سعد ، أنها قالت : يا رسول الله أفتنا عن الكلب ، فقال : « الكلب طعمة جاهلية وقد أغنى الله عنها » قال شيخنا : وليس المراد من هذا الحديث أكل الكلب ، وإنما المراد أكل ثمنه ، كما رواه أحمد في مسنده من حديث جابر عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه نهى عن ثمن الكلب ، وقال : طعمة جاهلية . ( ذكر معناه ) قوله : « نهى عن ثمن الكلب » ، وهو بإطلاقه يتناول جميع أنواع الكلاب ، ويأتي الكلام فيه عن قريب . قوله : « ومهر البغي » ، وفي حديث علي « وأجر البغي » وجاء وكسب الأمة هو مهر البغي لا الكسب الذي تكتسبه بالصنعة والعمل ، وإطلاق المهر فيه مجاز ، والمراد ما تأخذه على زناها . والبغي بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد الياء ، وقال ابن التين : نقل عن أبي الحسن أنه قال : بإسكان الغين وتخفيف الياء ، وهو الزنا ، وكذلك البغاء بكسر الباء ممدودا ، قال الله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ . يقال : بغت المرأة تبغي بغاء ، والبغي يجيء بمعنى الطلب ، يقال : أبغني ، أي اطلب لي ، قال الله تعالى : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ . قال الخطابي : وأكثر ما يأتي ذلك في الشر ، ومنه الفئة الباغية من البغي ، وهو الظلم ، وأصله الحسد ، والبغي الفساد أيضا والاستطالة والكبر ، والبغي في الحديث الفاجرة وأصله بغوي على وزن فعول بمعنى فاعلة اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، فصار بغي بضم الغين ، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء ، وهو صفة لمؤنث ؛ فلذلك جاء بغير هاء كما يجيء إذا كانت بمعنى مفعول ، نحو : ركوب وحلوب ، ولا يجوز أن يكون بغي هنا على وزن فعيل ، إذ لو كان كذلك للزمته الهاء : كامرأة حليمة وكريمة ، ويجمع البغي على بغايا . قوله : « وحلوان الكاهن » الحلوان بضم الحاء الرشوة ، وهو ما يعطى الكاهن ويجعل له على كهانته ، تقول منه حلوت الرجل حلوانا إذا حبوته بشيء ، وقال الهروي : قال بعضهم : أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو ، يقال : حلوته إذا أطعمته الحلو ، كما يقال عسلته إذا أطعمته العسل ، وقال أبو عبيد : والحلوان أيضا في غير هذا أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه ، وهو عيب عند النساء ، وقالت امرأة تمدح زوجها : لا تأخذ الحلوان من بناتها وفي شرح الموطأ لابن زرقون : وأصل الحلوان في اللغة العطية قال الشاعر : فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي يبلغ عني الشعر إذ مات قائله وقال الجوهري : حلوت فلانا على كذا مالا وأنا أحلوه حلوا وحلوانا ، إذا وهبت له شيئا على شيء يفعله لك غير الأجرة ، والحلوان أيضا أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه شيئا كما ذكرنا . والكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل ، والعراف الذي يخبر بما أخفي وقد حصل في الوجود ، ويجمع الكاهن على كهنة وكهان ، يقال : كهن يكهن كهانة ، مثل كتب يكتب كتابة إذا تكهن ، فإذا أردت أنه صار كاهنا قلت : كهن بالضم كهانة بالفتح ، وقال ابن الأثير : الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار ، وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما ، فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ، وهذا يخصونه باسم العراف ، كالذي يدعى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو ثلاثة أحكام : الأول : ثمن الكلب احتج به جماعة على أنه لا يجوز بيع الكلب مطلقا المعلم وغيره ، ومما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ، وأنه لا ثمن له ، وإليه ذهب الحسن ، ومحمد بن سيرين ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والحكم ، وحماد بن أبي سليمان ، وربيعة والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، وأهل الظاهر ، وهو إحدى الروايتين عن مالك ، وقال ابن قدامة : لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل على كل حال ، وكره أبو هريرة ثمن الكلب ، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر ، وبه قال عطاء والنخعي . واختلف أصحاب مالك ، فمنهم من قال : لا يجوز ، ومنهم من قال الكلب : المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح ، ولا تجوز إجارته ، نص عليه أحمد ، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ، وقال بعضهم : يجوز ، وقال مالك في الموطأ : أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب . وفي شرح الموطأ لابن زرقون : واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتخاذه ، فأجازه مرة ومنعه أخرى ، وبإجازته قال ابن كنانة وأبو حنيفة ، وقال سحنون : ويحج بثمنه . وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه ، وفي المزينة : كان مالك يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغارم ، ويكره بيعه ابتداء ، قال يحيى بن إبراهيم : قوله « في الميراث » يعني لليتيم ، وأما لأهل الميراث البالغين فلا يباع إلا في الدين والمغارم ، وقال أشهب في ديوانه عن مالك : يفسخ بيع الكلب إلا أن يطول . وحكى ابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن طال ، وقال ابن حزم في المحلى : ولا يحل بيع كلب أصلا لا كلب صيد ولا كلب ماشية ولا غيرهما ، فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فله ابتياعه ، وهو حلال للمشتري حرام على البائع ، ينتزع منه الثمن متى قدر عليه كالرشوة في دفع الظلم وفداء الأسير ومصانعة الظالم ، ولا فرق . ثم إن الشافعية قالوا : من قتل كلب صيد أو زرع وماشية لا يلزمه قيمته ، قال الشافعي : ما لا ثمن له لا قيمة له إذا قتل ، وبه قال أحمد ومن نحى إلى مذهبهما ، وعن مالك روايتان ، واحتجوا بما روي في هذا الباب بالأحاديث التي فيها منع بيع الكلب وحرمة ثمنه . وخالفهم في ذلك جماعة ، وهم : عطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وابن كنانة ، وسحنون من المالكية ، ومالك في رواية ، فقالوا : الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها ويباح أثمانها ، وعن أبي حنيفة أن الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه . وفي البدائع : وأما بيع ذي ناب من السباع سوى الخنزير : كالكلب ، والفهد ، والأسد ، والنمر ، والذئب ، والهر ونحوها - فجائز عند أصحابنا ، ثم عندنا لا فرق بين المعلم وغير المعلم في رواية الأصل ، فيجوز بيعه كيف ما كان . وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور كما روي عن أبي حنيفة فيه ، ثم على أصلهم يجب قيمته على قاتله ، واحتجوا بما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - ، أنه أغرم رجلا ثمن كلب قتله عشرين بعيرا ، وبما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما ، وقضى في كلب ماشية بكبش . وقال المخالفون لهم : أثر عثمان منقطع وضعيف ، قال البيهقي : ثم الثابت عن عثمان بخلافه ، فإنه خطب فأمر بقتل الكلاب ، قال الشافعي : فكيف يأمر بقتل ما يغرم من قتله قيمته . وأثر عبد الله بن عمرو له طريقان : أحدهما منقطع ، والآخر فيه من ليس بمعروف ، ولا يتابع عليهما كما قاله البخاري ، وقد روى عبد الله بن عمرو النهي عن ثمن الكلب ، فلو ثبت عنه القضاء بقيمته لكانت العبرة بروايته لا بقضائه على الصحيح عند الأصوليين ، انتهى . قلت : الجواب عن هذا كله ، أما قول البيهقي : "ثم الثابت عن عثمان بخلافه" ، فإنه حكى عن الشافعي أنه قال : أخبرني الثقة عن يونس ، عن الحسن ، سمعت عثمان يخطب وهو يأمر بقتل الكلاب ، فلا يكتفى بقوله "أخبرني الثقة" ، فقد يكون مجروحا عند غيره ، لا سيما والشافعي كثيرا ما يعني بذلك ابن أبي يحيى أو الزنجي ، وهما ضعيفان ، وكيف يأمر عثمان بقتل الكلاب وآخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن قتلها إلا الأسود منها ؟! فإن صح أمره بقتلها ، فإنما كان ذلك في وقت لمفسدة طرأت في زمانه . قال صاحب التمهيد : ظهر بالمدينة اللعب بالحمام والمهارشة بين الكلاب ، فأمر عمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهما - بقتل الكلاب وذبح الحمام ، قال الحسن : سمعت عثمان غير مرة يقول في خطبته : اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام ، فظهر من هذا أنه لا يلزم من الأمر بقتلها في وقت لمصلحة أن لا يضمن قاتلها في وقت آخر كما أمر بذبح الحمام . وأما قول البيهقي : "أثر عثمان منقطع" ، وقد روي من وجه آخر : "منقطع عن يحيى الأنصاري عن عثمان" ، فنقول : مذهب الشافعي أن المرسل إذا روي مرسلا من وجه آخر ، صار حجة ، وتأيد أيضا بما رواه البيهقي بعد عن عبد الله بن عمرو وإن كان منقطعا أيضا ، وأما قوله : « والآخر فيه من ليس بمعروف » ، فلا يتابع عليه ، كما قاله البخاري فهو إسماعيل بن خشاش الراوي عن عبد الله بن عمر ، وقد ذكر ابن حبان في الثقات : وكيف يقول البخاري « لم يتابع عليه » وقد أخرجه البيهقي فيما بعد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو ؟! وذكر ابن عدي في الكامل كلام البخاري ، ثم قال : لم أجد لما قاله البخاري فيه أثرا فأذكره . وأما قوله : « فالعبرة لروايته لا بقضائه » غير مسلم ؛ لأن هذا الذي قاله يؤدي إلى مخالفة الصحابي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عنه ، ولا نظن ذلك في حق الصحابي ، بل العبرة لقضائه ؛ لأنه لم يقض بخلاف ما رواه إلا بعد أن ثبت عنده انتساخ ما رواه . وهكذا أجاب الطحاوي عن الأحاديث التي فيها النهي عن ثمن الكلب وأنه سحت ، فقال : إن هذا إنما كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل ، ولا يحل إمساك شيء منها ولا الانتفاع بها ، ولا شك أن ما حرم الانتفاع به كان ثمنه حراما ، فلما أباح رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - الانتفاع بها للاصطياد ونحوه ما نهى عن قتلها ، نسخ ما كان من النهي عن بيعها وتناول ثمنها . فإن قلت : ما وجه هذا النسخ ؟ قلت : وجهه ظاهر ، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة ، فلما ورد النهي عن اتخاذ الكلاب وورد الأمر بقتلها علمنا أن اتخاذها حرام ، وأن بيعها حرام أيضا ؛ لأن ما كان انتفاعه حراما قيمته حرام كالخنزير ونحوه ، ثم لما وردت الإباحة بالانتفاع بها للاصطياد ونحوه ، وورد النهي عن قتلها ، علمنا أن ما كان قبل ذلك من الحكمين المذكورين قد انتسخ بما ورد بعده ، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك التحريم ورفع لحكمه ، وسيأتي زيادة بيان في المزارعة وغيرها . فإن قلت : ما حكم السنور ؟ قلت : روى الطحاوي والترمذي من حديث أبي سفيان عن جابر قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب والسنور ، ثم قال : هذا حديث في إسناده اضطراب . ثم روى الترمذي من حديث أبي الزبير عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن أكل الهر وثمنه ، ثم قال : هذا حديث غريب . وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال : سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور ، فقال : "زجر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ذلك" . ورواه النسائي ولفظه : نهى عن الكلب والسنور إلا كلب صيد . وقال النسائي بعد تخريجه : هذا حديث منكر . واختلف العلماء في جواز بيع الهر : فذهب قوم إلى جواز بيعه وحل ثمنه ، وبه قال الجمهور ، وهو قول الحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، والحكم ، وحماد ، ومالك ، وسفيان الثوري ، وأبي حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال ابن المنذر : وروينا عن ابن عباس أنه رخص في بيعه قال : وكرهت طائفة بيعه ، روينا ذلك عن أبي هريرة ، وطاووس ومجاهد ، وبه قال جابر بن زيد . وأجاب القائلون بجواز بيعه عن الحديث بأجوبة : أحدها أن الحديث ضعيف ، وهو مردود ، والثاني حمل الحديث على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه ، حكاه البيهقي في السنن عن بعض أهل العلم ، والثالث ما حكاه البيهقي عن بعضهم أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام حين كان محكوما بنجاسته ، ثم لما حكم بطهارة سؤره حل ثمنه ، والرابع أن النهي محمول على التنزيه لا على التحريم ، ولفظ مسلم : « زجر » يشعر بتخفيف النهي فليس على التحريم ، بل على التنزيه ، وعكس ابن حزم هذا ، فقال : الزجر أشد النهي ، وفي كل منهما نظر لا يخفى ، والخامس ما حكاه ابن حزم عن بعضهم أنه يعارضه ما روى أبو هريرة وابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه أباح ثمن الهر ، ثم رده بكلام طويل ، والسادس ما حكاه أيضا ابن حزم عن بعضهم أنه لما صح الإجماع على وجوب الهر والكلب المباح اتخاذه في الميراث والوصية والملك جاز بيعيهما ، ثم رده أيضا ، وقال النووي : والجواب المعتمد أنه محمول على ما لا نفع فيه ، أو على أنه نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته . والحكم الثاني مهر البغي ، وهو ما يعطى على النكاح المحرم ، فإذا كان محرما ولم يستبح بعقد صارت المعاوضة عليه لا تحل ؛ لأنه ثمن عن محرم ، وقد حرم الله الزنا وهذا مجمع على تحريمه لا خلاف فيه بين المسلمين . والحكم الثالث حلوان الكاهن ، وهو حرام ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن إتيان الكهان ، مع أن ما يأتون به باطل وحله كذب ، قال تعالى : تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ، وأخذ العوض على مثل هذا ، ولو لم يكن منهيا عنه من أكل المال بالباطل ، ولأن الكاهن يقول ما لا ينتفع به ويعان بما يعطاه على ما لا يحل .