49 - بَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ 206 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قال : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قال : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ ، فَقَالَ : دَعْهُمَا ؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ . فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَسَنُبَيِّنُ مَا بَيْنَهُا وَبَيْنَ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ التَّفَاوُتِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ . ( عَنْ عَامِرٍ ) هُوَ الشَّعْبِيُّ ، وَزَكَرِيَّا مُدَلِّسٌ وَلَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، وَالْقَطَّانُ لَا يَحْمِلُ مِنْ حَدِيثِ شُيُوخِهِ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُمْ ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَأَهْوَيْتُ ) ؛ أَيْ : مَدَدْتُ يَدِيَ ، قال الْأَصْمَعِيُّ : أَهْوَيْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَوْمَأْتُ بِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَهْوَيْتُ ؛ قَصَدْتُ الْهَوَاءَ مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ . وَقِيلَ الْإِهْوَاءُ الْإِمَالَةُ ، قال ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ خِدْمَةُ الْعَالِمِ ، وَأَنَّ لِلْخَادِمِ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى مَا يَعْرِفُ مِنْ عَادَةِ مَخْدُومِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ ، وَفِيهِ الْفَهْمُ عَنِ الْإِشَارَةِ ، وَرَدُّ الْجَوَابِ عَمَّا يُفْهَمُ عَنْهَا لِقَوْلِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا ) أَيِ : الْقَدَمَيْنِ ( طَاهِرَتَيْنِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ وَلِأَبِي دَاوُدَ فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ، وَلِلْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَمْسَحُ أَحَدُنَا عَلَى خُفَّيْهِ ؟ قال : نَعَمْ ؛ إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا ، قال ابْنُ خُزَيْمَةَ : ذَكَرْتُهُ لِلْمُزَنِيِّ فَقَالَ لِي : حَدِّثْ بِهِ أَصْحَابَنَا ، فَإِنَّهُ أَقْوَى حُجَّةً لِلشَّافِعِيِّ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ صَفْوَانَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ ، وَأَشَارَ الْمُزَنِيُّ بِمَا قال إِلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْجُمْهُورَ حَمَلُوا الطَّهَارَةَ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَخَالَفَهُمْ دَاوُدُ فَقَالَ : إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رِجْلَيْهِ نَجَاسَةٌ عِنْدَ اللُّبْسِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ ، وَلَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَهُمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ عِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ ، وَخَالَفَهُمْ أَصْبَغُ . وَلَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ ثُمَّ لَبِسَهُمَا ثُمَّ أَكْمَلَ بَاقِيَ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَبُحِ الْمَسْحُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى إِيجَابِ التَّرْتِيبِ ، وَكَذَا عِنْدَ مَنْ لَا يُوجِبُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ . لَكِنْ قال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : شَرْطُ إِبَاحَةُ الْمَسْحِ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ، قال : وَالْمُرَادُ بِالْكَامِلَةِ وَقْتُ الْحَدَثِ لَا وَقْتُ اللُّبْسِ ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إِذَا كَمَّلَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ ، لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَدَثِ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الطَّهَارَةَ قَبْلَ لُبْسِ الْخُفِّ شَرْطًا لِجَوَازِ الْمَسْحِ ، وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِوُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، وَقَدْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ مُرَتِّبًا وَبَقِيَ غَسْلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ فَلَبِسَ ثُمَّ غَسَلَ الثَّانِيَةَ ، وَلَبِسَ لَمْ يَبُحْ لَهُ الْمَسْحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَأَجَازَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُطَرِّفٌ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ لِصِدْقِ أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلًّا مِنْ رِجْلَيْهِ الْخُفَّيْنِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى التَّثْنِيَةِ غَيْرُ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْوَحْدَةِ ، وَاسْتَضْعَفَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ بَاقٍ . قال : لَكِنْ إِنْ ضُمَّ إِلَيْهِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ اتَّجَهَ . ( فَائِدَةٌ ) : الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ خَاصٌّ بِالْوُضُوءِ لَا مَدْخَلَ لِلْغُسْلِ فِيهِ بِإِجْمَاعٍ . ( فَائِدَةٌ أُخْرَى ) : لَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ عِنْدَ مَنْ قال بِالتَّوْقِيتِ أَعَادَ الْوُضُوءَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُزَنِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَكَذَا قال مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ إِلَّا إِنْ تَطَاوَلَ ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ : لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ قَدَمَيْهِ ، وَقَاسُوهُ عَلَى مَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْمَسْحِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . ( فَائِدَةٌ أُخْرَى ) : لَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى تَوْقِيتِ الْمَسْحِ ، وَقَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ . وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَمْسَحُ مَا لَمْ يَخْلَعْ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ التَّوْقِيتَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَصَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ · ص 370 عمدة القاري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ · ص 101 ( بَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ) قوله ( باب ) إذا قطع عما بعده لا يكون معربا ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا في جزء المركب ، وإذا أضيف إلى ما بعده بتأويل : باب في بيان إدخال الرجل رجليه في خفيه ، وهما طاهرتان ، أي : والحال أن رجليه طاهرتان عن الحدث ، بأن يكون الباب معربا على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب في بيان إدخال الرجل .. إلى آخره . والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن كلا منهما في حكم المسح على الخفين . 69 - حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: " دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ " فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين . الثاني : زكريا بن أبي زائدة الكوفي . الثالث : عامر بن شراحيل الشعبي التابعي ، قال : أدركت خمسمائة صحابي أو أكثر يقولون : علي ، وطلحة ، والزبير في الجنة . تقدم هو وزكريا في باب فضل من استبرأ لدينه . الرابع : عروة بن المغيرة . الخامس : المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة . ومنها : أن رواته كلهم كوفيون . ومنها : أن فيه رواية التابعي . بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : قد مر ، عن قريب . بيان اللغات والإعراب : قوله ( في سفر ) هو سفرة غزوة تبوك كما ورد مبينا في رواية أخرى في ( الصحيح ) ، وكانت في رجب سنة تسع . قوله ( فأهويت ) أي مددت يدي ، ويقال : أي أشرت إليه ، قال الجوهري : يقال : أهوى إليه بيديه ليأخذه ، قال الأصمعي : أهويت بالشيء إذا أومأت به . وقال التيمي : أهويت أي قصدت الهوي من القيام إلى القعود ، وقيل : الإهواء الإمالة . قوله ( لأنزع ) بكسر الزاي من باب ضرب يضرب . فإن قلت : فيه حرف الحلق ، وما فيه حرف من حروف الحلق يكون من باب فعل يفعل بالفتح فيهما . قلت : ليس الأمر كذلك ، وإنما إذا وجد فعل يفعل بالفتح فيهما ، فالشرط فيه أن يكون فيه حرف من حروف الحلق ، وأما إذا كانت كلمة فيها حرف حلق ، لا يلزم أن تكون من باب فعل يفعل بالفتح فيهما . قوله ( خفيه ) أي خفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله ( دعهما ) أي دع الخفين ، فقوله "دع" أمر معناه اترك ، وهو من الأفعال التي أماتوا ماضيها . قوله ( فإني أدخلتهما ) أي الرجلين . قوله ( طاهرتين ) أي من الحدث ، وهو منصوب على الحال ، وهذا رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : وهما طاهرتان ، وهي جملة اسمية حالية ، وفي رواية أبي داود : فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان . وللحميدي في ( مسنده ) : قلت : يا رسول الله ، أيمسح أحدنا على خفيه ؟ قال : نعم ، إذا أدخلهما وهما طاهرتان . ولابن خزيمة من حديث صفوان بن غسان : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ، ثلاثا إذا سافرنا ، ويوما وليلة إذا أقمنا . قوله ( فمسح عليهما ) أي على الخفين ، وفيه إضمار تقديره : فأحدث فمسح عليهما ؛ لأن وقت جواز المسح بعد الحدث والوضوء ، ولا يجوز قبله ؛ لأنه على طهارة . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه جواز المسح على الخفين ، وبيان مشروعيته . الثاني : احتجت به الشافعية على أن شرط جواز المسح لبسهما على طهارة كاملة قبل لبس الخف ؛ لأن الحديث جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطا لجواز المسح ، والمعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط . وقال بعضهم : قال صاحب ( الهداية ) من الحنفية : شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة ، قال : والمراد بالكاملة وقت الحدث ، لا وقت اللبس انتهى . فقال : والحديث حجة عليه ، وذكر ما ذكرناه الآن عن الشافعية . قلت : نقول أولا ما قاله صاحب ( الهداية ) ثم نرد على هذا القائل ما قاله ، أما عبارة صاحب الهداية ، فهي قوله : ( إذا لبسهما على طهارة كاملة ) لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللبس ، بل وقت الحدث ، وهو المذهب عندنا ، حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ، ثم أكمل الطهارة ، ثم أحدث ، يجزئه المسح ، وهذا لأن الخف مانع حلول الحدث بالقدم ، فيراعى كمال الطهارة وقت المنع ، وهو وقت الحدث ، حتى لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعا ، وأما بيان الرد على هذا القائل بأن الحديث المذكور ليس بحجة على صاحب ( الهداية ) فهو أنا نقول : أولا إن اشتراط اللبس على طهارة كاملة لا خلاف فيه لأحد ، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط الكمال عند اللبس أو عند الحدث ، فعندنا عند الحدث ، وعند الشافعي عند اللبس ، وتظهر ثمرته فيما إذا غسل رجليه أولا ولبس خفيه ، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث ، ثم أحدث - جاز له المسح عندنا خلافا له ، وكذا لو توضأ فرتب ، لكن غسل إحدى رجليه ، ولبس الخف ، ثم غسل الأخرى ، ولبس الخف الآخر ، يجوز عندنا خلافا له ، ثم قوله ( المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط ) سلمناه ، ولكن لا نسلم أنه شرط كمال الطهارة وقت اللبس ؛ لأنه لا يفهم من نص الحديث ، غاية ما في الباب أنه أخبر أنه لبسهما ، وقدماه كانتا طاهرتين ، فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة لأجل جواز المسح ، سواء كانت الطهارة حاصلة وقت اللبس أو وقت الحدث ، وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يفهم من العبارة ، فإذا تقرر هذا على هذا لم يكن الحديث حجة على صاحب ( الهداية ) ، بل هو حجة له حيث اشترط الطهارة لأجل جواز المسح ، وحجة عليه حيث يأخذ منه ما ليس يدل على مدعاه . وقال الطحاوي : معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( أدخلتهما طاهرتين ) : يجوز أن يقال : غسلتهما ، وإن لم يكمل الطهارة صلى ركعتين قبل أن يتم صلاته ، ويحتمل أن يريد : طاهرتان من جنابة أو خبث ، ولو قلت : دخلنا البلد ونحن راكبان ، يشترط أن يكون كل واحد راكبا عند دخوله ، ولا يشترط اقترانهم في الدخول ، فتكون كل واحدة من رجليه عند إدخالها الخف طاهرة إذا لم يدخلهما الخفين معا ، وهما طاهرتان ؛ لأن إدخالهما معا غير متصور عادة ، وإن أراد إدخال كل واحدة الخف ، وهي طاهرة بعد الأخرى ، فقد وجد المدعى ، ومع هذا فإن هذه المسألة مبنية على أن الترتيب شرط عند الشافعي ، وليس بشرط عندنا . وقال هذا القائل أيضا : ولابن خزيمة من حديث صفوان بن عسال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ، ثلاثا إذا سافرنا ، ويوما وليلة إذا أقمنا . قال ابن خزيمة : ذكرته للمزني فقال لي : حدث به أصحابنا ، فإنه أقوى حجة للشافعي . قلت : فإن كان مراده من قوله ( فإنه من أقوى حجة ) كون مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام ، وللمقيم يوما وليلة - فمسلم ، ونحن نقول به ، وإن كان مراده اشتراط الطهارة وقت اللبس فلا نسلم ذلك ؛ لأنه لا يفهم ذلك من نص الحديث على ما ذكرناه الآن . وقال أيضا : وحديث صفوان وإن كان صحيحا ، لكنه ليس على شرط البخاري ، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس . قلت : بعد أن صح حديث صفوان عند جماعة من المحدثين - لا يلزم أن يكون على شرط البخاري ، وقوله ( موافق له في الدلالة .. إلى آخره ) غير مسلم في كون الطهارة عند اللبس ، نعم ، موافق له في مطلق اشتراط الطهارة لا غير ، فإن ادعى هذا القائل أنه يدل على كونها عند اللبس ، فعليه البيان بأي نوع من أنواع الدلالة . الثالث من الأحكام : فيه خدمة العالم ، وللخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يؤمر بها . الرابع : فيه إمكان الفهم عن الإشارة ، ورد الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة ؛ لأن المغيرة أهوى لينزع الخفين ، ففهم عنه صلى الله عليه وسلم ما أراد ، فأجاب بأنه يجزئه المسح . الخامس : فيه أن من لبس خفيه على غير طهارة أنه لا يمسح عليهما بلا خلاف .