11 - بَاب الْإِجَارَةِ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ 2271 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ ، فَعَمِلُوا لَهُ نِصْفَ النَّهَارِ ، فَقَالُوا : لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ . فَقَالَ لَهُمْ : لَا تَفْعَلُوا ، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا ، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا . وَاسْتَأْجَرَ آخرين بَعْدَهُمْ ، فَقَالَ : أَكْمِلَوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَ هَذَا ، وَلَكُم الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنْ الْأَجْرِ فَعَمِلُوا ، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَوا : لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ ، وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ . فَقَالَ لَهُمَ : أَكْمِلَوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَ ؛ فإن مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، فَأَبوا ، فاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْإِجَارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ) أَيْ : مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ إِلَى أَوَّلِ دُخُولِ اللَّيْلِ ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ مَضَى سَنَدُهُ وَمَتْنُهُ فِي الْمَوَاقِيتِ ، وَشَيْخُهُ أَبُو كُرَيْبٍ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ ، وَبُرَيْدٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ . قَوْلُهُ : ( كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا ) هُوَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ وَالتَّقْدِيرُ : كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَأْجَرَهُمْ رَجُلٌ ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ بِالْمُرَكَّبِ . قَوْلُهُ : ( يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ ) هَذَا مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَوَاقِيتِ ، وَأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ سِيقَا فِي قِصَّتَيْنِ ، نَعَمْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَوَاقِيتِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ مَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَبِي مُوسَى ، فَرَجَّحَهَا الْخَطَّابِيُّ عَلَى رِوَايَةِ نَافِعٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّتَانِ جَمِيعًا كَانَتَا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، فَحَدَّثَ بِهِمَا فِي وَقْتَيْنِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ابْنُ التِّينِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا غَضِبُوا أَوَّلًا ، فَقَالُوا مَا قَالُوا ، إِشَارَةً إِلَى طَلَبِ الزِّيَادَةِ ، فَلَمَّا لَمْ يُعْطَوْا قَدْرًا زَائِدًا تَرَكُوا فَقَالُوا : لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ . انْتَهَى ، وَفِيهِ مَعَ بُعْدِهِ مُخَالَفَةٌ لِصَرِيحِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَوَاقِيتِ وَفِي التَّوْحِيدِ ، فَفِيهَا : قَالُوا : رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا ، فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ أُعْطُوا ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمْ أَعْطَيْتَنَا أَيْ أَمَرْتَ لَنَا أَوْ وَعَدْتَنَا ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بِكَوْنِهِمَا قِصَّتَيْنِ أَوْضَحُ ، وَظَاهِرُ الْمَثَلِ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلْيَهُودِ : آمِنُوا بِي وَبِرُسُلِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَآمَنُوا بِمُوسَى إِلَى أَنْ بُعِثَ عِيسَى فَكَفَرُوا بِهِ ، وَذَلِكَ فِي قَدْرِ نِصْفِ الْمُدَّةِ الَّتِي مِنْ مَبْعَثِ مُوسَى إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، فَقَوْلُهُمْ : لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهَذَا من إِطْلَاقُ الْقَوْلِ وإِرَادَةِ لَازِمِهِ ؛ لِأَنَّ لَازِمَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ الْمُعَبَّرِ بِهِ عَنْ تَرْكِ الْإِيمَانِ ، وَقَوْلُهُمْ : وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ إِشَارَةٌ إِلَى إِحْبَاطِ عَمَلِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِعِيسَى ، إِذْ لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ بِمُوسَى وَحْدَهُ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي النَّصَارَى إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مُدَّتَهُمْ كَانَتْ قَدْرَ نِصْفِ الْمُدَّةِ فَاقْتَصَرُوا عَلَى نَحْوِ الرُّبُعِ مِنْ جَمِيعِ النَّهَارِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ . زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : الَّذِي شَرَطْتُ لِهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَجْرِ يَعْنِي الَّذِينَ قَبْلَهُمْ ، وَقَوْلُهُ : فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، أَيْ : بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَضَى مِنْهُ وَالْمُرَادُ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَقَوْلُهُ : وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ أَيْ : بِإِيمَانِهِمْ بِالْأَنْبِيَاءِ الثَّلَاثَةِ ، وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الْإِشَارَةَ إِلَى قَصْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَقِيَتْ مِنَ الدُّنْيَا ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ) هُوَ بِنَصْبِ حِينَ وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ . قَوْلُهُ : ( وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ كِلَاهُمَا بِالرَّفْعِ وَخَطَّأَهُ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ لَهُ وَجْهٌ . قَوْلُهُ : ( فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ ) أَيِ : الْمُسْلِمِينَ ( وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ ) . فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَبِلُوا هُدَى اللَّهِ وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ نَظِيرُ مُدَّتَيِ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ إِلَى بَعْثَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَمُدَّةَ النَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ ، وَقِيلَ : أَقَلُّ ، فَتَكُونُ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ قَطْعًا ، وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ أَجْرَ النَّصَارَى كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْيَهُودِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ عَمِلُوا نِصْفَ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ وَالنَّصَارَى نَحْوَ رُبُعِ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا حَصَلَ لِمَنْ آمَنَ مِنَ النَّصَارَى بِمُوسَى وَعِيسَى فَحَصَلَ لَهُمْ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ مَرَّتَيْنِ ، بِخِلَافِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا بُعِثَ عِيسَى كَفَرُوا بِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَوْفِيرُ أَجْرِهَا مَعَ قِلَّةِ عَمَلِهَا . وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِدَامَةُ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَفِي قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ مُدَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُدَّةِ غَيْرِهِمْ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنَ الطَّوَائِفِ كَانَ مُسَاوِيًا فِي الْمِقْدَارِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مَشْرُوحًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْإِجَارَةِ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ · ص 523 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإجارة من العصر إلى الليل · ص 89 ( باب الإجارة من العصر إلى الليل ) أي هذا باب في بيان حكم الإجارة من أول وقت العصر إلى أول دخول الليل . 11 - ( حدثنا محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو أسامة عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مثل المسلمين واليهود والنصارى ، كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم ، فعملوا له إلى نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا ، وما عملنا باطل ، فقال لهم : لا تفعلوا ، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا ، فأبوا وتركوا واستأجر أجيرين بعدهم ، فقال لهما : أكملا بقية يومكما هذا ولكما الذي شرطت لهم من الأجر ، فعملا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه ، فقال لهما : أكملا بقية عملكما فإن ما بقي من النهار شيء يسير ، فأبيا ، واستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم ، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس ، واستكملوا أجر الفريقين كليهما ، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور ) . مطابقته للترجمة في قوله : " واستأجر قوما أن يعملوا " إلى قوله : " الشمس " . وقد مضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب من أدرك ركعة من العصر ، فإنه أخرجه هناك عن كريب ، عن أبي أسامة ، عن بريد إلى آخره بأخصر منه ، وهنا أخرجه عن محمد بن العلاء بن كريب ، أي كريب الهمداني الكوفي ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن بريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف ، عن أبي بردة ، واسمه عامر عن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس ، قوله : " كمثل رجل استأجر قوما " هو من باب القلب ، والتقدير : كمثل قوم استأجرهم قوم ، أو هو من باب التشبيه بالمركب ، قوله : " إلى الليل " هذا مغاير لحديث ابن عمر ؛ لأن فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار وأجيب بأن ذلك بالنسبة إلى من عجز عن الإيمان بالموت قبل ظهور دين آخر ، وهذا بالنسبة إلى من أدرك دين الإسلام ولم يؤمن به ، وقد تقدم تمام البحث في ذاك الباب ، قوله : " لا حاجة لنا إلى أجرك " إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم ، وهذا من باب إطلاق القول وإرادة لازمه ؛ لأن لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان ، قوله : " وما عملنا باطل " إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى - عليه الصلاة والسلام - ، إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى - عليه الصلاة والسلام - وحده بعد بعثة عيسى - عليه الصلاة والسلام - وكذلك القول في النصارى ، إلا أن فيه إشارة إلى أن مدتهم كانت قدر نصف المدة ، فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار ، قوله : " لا تفعلوا " أي إبطال العمل وترك الأجر المشروط ( فإن قلت ) المفهوم منه أن أهل الكتابين لم يأخذوا شيئا ، ومن السابق أنهم أخذوا قيراطا قيراطا ( قلت ) الآخذون هم الذين ماتوا قبل النسخ ، والتاركون الذين كفروا بالنبي الذي بعد نبيهم ، قوله : " فإنما بقي من النهار شيء يسير ، أي بالنسبة لما مضى منه ، والمراد ما بقي من الدنيا حتى إذا كان حين صلاة العصر هو بنصب حين ، ويجوز الرفع ، قاله بعضهم ، ولم يبين وجهه ولا وجه النصب ( قلت ) إما النصب فعلى الظرفية ، وإما الرفع فعلى أنه اسم كان . قوله : " أجر الفريقين كليهما " كذا وقع في رواية أبي ذر وغيره ، وحكى ابن التين أن في روايته كلاهما بالرفع ثم خطأه ( قلت ) ليس لما قاله وجه لأن كلاهما بالألف على لغة من يجعل المثنى في الأحوال الثلاثة بالألف ، قوله : " فذلك مثلهم " أي مثل المسلمين ومثل ما قبلوا من هذا النور أي نور الهداية إلى الحق ، وفي رواية الإسماعيلي : فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله ، ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله به ، والمقصود من التمثيلين : من الأول بيان أن أعمال هذه الأمة أكثر ثوابا من أعمال سائر الأمم ، ومن الثاني أن الذين لم يؤمنوا بمحمد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أعمالهم السالفة على دينهم لا ثواب لها ، قيل : استدل به على أن بقاء هذه الأمة تزيد على الألف ؛ لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين ، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كانت أكثر من ألفي سنة ، ومدة النصارى من ذلك ستمائة سنة ، وقيل : أقل ، فيكون مدة المسلمين أكثر من ألف قطعا ( قلت ) فيه نظر ؛ لأنه صح عن ابن عباس من طرق صحاح أنه قال : الدنيا سبعة أيام ، كل يوم ألف سنة ، وبعث رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في اليوم الآخر منها ، وقد مضت منه سنون أو مئون ، ويؤيد هذا أيضا حديث زمل الخزاعي حين قص على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رؤياه وقال فيها : رأيتك على منبر له سبع درجات ، الحديث ، وفيه : في المنبر ودرجاته الدنيا سبعة آلاف سنة ، بعثت في آخرها ألفا ، وقد صحح أبو جعفر الطبري هذا الأصل بآثار .