20 - بَاب كَسْبِ الْبَغِيِّ وَالْإِمَاءِ . وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَتَيَاتِكُمْ إِمَاءَكُمْ 2282 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ وَالْإِمَاءِ ) بَيْنَ الْبَغِيِّ وَالْإِمَاءِ خُصُوصٌ وَعُمُومٌ وَجْهِيٌّ ، فَقَدْ تَكُونُ الْبَغِيُّ أَمَةً وَقَدْ تَكُونُ حُرَّةً ، وَالْبَغِيُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِوَزْنِ فَعِيلٍ ، بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَوْ مَفْعُولَةٍ ، وَهِيَ الزَّانِيَةُ ، وَلَمْ يُصَرِّحِ الْمُصَنِّفُ بِالْحُكْمِ كَأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمَمْنُوعَ كَسْبُ الْأَمَةِ بِالْفُجُورِ لَا بِالصَّنَائِعِ الْجَائِزَةِ . قَوْلُهُ : ( وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ ) أَيِ : النَّخَعِيُّ ( أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْهُ ، وَزَادَ : وَالْكَاهِنِ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذَا الْأَثَرِ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَتِ الْحِرْفَةُ فِيهِ مَمْنُوعَةً أَوْ تَجُرُّ إِلَى أَمْرٍ مَمْنُوعٍ شَرْعًا لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنِ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : فَتَيَاتِكُمْ : إِمَاءَكُمْ ) ، وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ قَالَ : لَا تُكْرِهُوا إِمَاءَكُمْ عَلَى الزِّنَا ، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ قَالَ : إِمَاءَكُمْ عَلَى الزِّنَا ، وَزَادَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ : أَمَرَ أَمَةً لَهُ بِالزِّنَا فَزَنَتْ فَجَاءَتْ بِبُرْدٍ ، فَقَالَ : ارْجِعِي فَازْنِي عَلَى آخَرَ ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أَنَا بِرَاجِعَةٍ فَنَزَلَتْ وَهَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا ، وَسَمَّاهَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ مُعَاذَةَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وَاتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَتِهَا مُعَاذَةَ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ : جَاءَتْ مُسَيْكَةُ أَمَةٌ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَتْ : إِنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلَى الْبِغَاءِ ، فَنَزَلَتْ . فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا ، وَزَعَمَ مُقَاتِلٌ أَنَّهُمَا مَعًا كَانَتَا أَمَتَيْنِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَزَادَ مَعَهُنَّ غَيْرَهُنَّ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لَا مَفْهُومَ لَهُ ، بَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ إِذَا لَمْ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ ؛ لِأَنَّهُنَّ حِينَئِذٍ فِي مَقَامِ الِاخْتِيَارِ ، وَقَوْلُهُ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَتَيَاتِكُمْ : إِمَاءَكُمْ وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ لَكِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ لِمُجَاهِدٍ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ : فَتَيَاتِكُمُ الْإِمَاءَ ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ يَقُولُ : إِمَاءَكُمْ . عَلَى الْبِغَاءِ عَلَى الزِّنَا . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ فِي النَّهْيِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَغَيْرِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَسْبِ الْبَغِيِّ وَالْإِمَاءِ · ص 538 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كسب البغي والإماء · ص 103 ( باب كسب البغي والإماء ) أي هذا باب في بيان حكم كسب البغي والإماء ، البغي : الفاجرة ، يقال : بغت المرأة تبغي بالكسر بغيا إذا زنت فهي بغي ، ويجمع على بغايا ، والإماء جمع أمة ، والبغي أعم من أن تكون أمة أو حرة ، والأمة أعم من أن تكون بغية أو عفيفة ، ولم يصرح بالحكم تنبيها على أن الممنوع من كسب البغي مطلق ، والممنوع من كسب الأمة مقيد بالفجور ؛ لأن كسبها بالصنائع الجائزة غير ممنوع . ( وكره إبراهيم أجر النائحة والمغنية ) . إبراهيم هو النخعي ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة ، حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي هاشم عنه أنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن ، وكرهه أيضا الشعبي والحسن ، وقال عبد الله بن هبيرة : وأكلهم السحت قال : مهر البغي ، فإن قلت : ما المناسبة في ذكر أثر إبراهيم هذا في هذا الباب ؟ قلت : قال بعضهم : كأن البخاري أشار بهذا إلى أن النهي في حديث أبي هريرة محمول على ما كانت الحرفة فيه ممنوعة أو تجر إلى أمر ممنوع ، انتهى ، قلت : هذا لا يصلح أن يكون جوابا عن السؤال عن المناسبة في ذكر الأثر المذكور ، ولكن يمكن أن يقال : إن بين كسب البغي وأجر النائحة والمغنية مناسبة من حيث إن كلا منهما معصية كبيرة ، وأن إجارة كل منهما باطلة ، وهذا المقدار كاف . ( وقول الله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) . وقول الله بالجر تقديره : وباب في ذكر قول الله تعالى وَلا تُكْرِهُوا ، الآية ، ذكر هذه الآية في معرض الدليل لحرمة كسب البغي ، لأنه نهي عن إكراه الفتيات أي الإماء على البغاء أي الزنا ، والنهي يقتضي تحريم ذلك ، وتحريم هذا يستدعي حرمة زناهن ، وحرمة زناهن تستلزم حرمة وضع الضرائب عليهن ، وهي تقتضي حرمة الأجر الحاصل من ذلك . ثم سبب نزول هذه الآية فيما ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره ، نزلت هذه الآية في ست جوار لعبد الله بن أبي بن سلول كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن وهي معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة ، فجاءته إحداهن يوما بدينار ، وجاءت أخرى ببرد ، فقال لهما : ارجعا فازنيا ، فقالتا : والله لا نفعل قد جاء الله تعالى بالإسلام وحرم الزنا ، فأتتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكتا إليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ذكره الواحدي في ( أسباب النزول ) وروى الطبري من طريق ابن نجيح عن مجاهد قال في قوله وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ، قال : إماءكم على الزنا ، وأن عبد الله بن أبي أمر أمة له بالزنا فزنت فجاءت ببرد ، فقال : ارجعي فازني على آخر ، قالت : والله ما أنا براجعة ، فنزلت ، وهذا أخرجه مسلم من طريق أبي سفيان عن جابر مرفوعا ، وروى أبو داود والنسائي من طريق أبي الزبير سمع جابرا قال : جاءت مسيكة أمة لبعض الأنصار فقالت : إن سيدي يكرهني على البغاء فنزلت ، قوله : " فَتَيَاتِكُمْ " جمع فتاة وهي الشابة ، والفتى الشاب ، وقد فتي بالكسر يفتي فهو فتي السن بين الفتا والفتي السخي الكريم ، وقد تفتى وتفاتى والجمع فتيان وفتية وفتو على فعول ، وفتي مثل عصا ، والفتيان الليل والنهار ، واستفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني ، والاسم الفتيا والفتوى ، قوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا أي تعففا ، وقال بعضهم : قوله : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لا مفهوم له ، بل خرج مخرج الغالب ( قلت ) المفهوم لا يصح نفيه لأن كلمة " أن " تقتضي ذلك ، ولكن الذي يقال هنا : إن " إن " ليست للشرط بل بمعنى إذ ، وذلك كما في قوله تعالى : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، وقوله تعالى : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، وقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ومعنى إن في هذه كلها بمعنى إذ ، وقال النسفي في تفسير هذه الآية : وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنا ، ثم قال : وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية ، وقيل : إن أردن تحصنا ، متصل بقوله : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ أي من أراد أن يلزم الحصانة فليتزوج ، وقيل : في الآية تقديم وتأخير ، والمعنى فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أراد تحصنا ، قوله : " لِتَبْتَغُوا " أي لتطلبوا بإكراههن على الزنا أجورهن على الزنا ، قوله : " غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي لهن ، وقيل : لهم لمن تاب عن ذلك بعد نزول الآية ، وقيل : لهن ولهم أن تابوا وأصلحوا . 22 - ( حدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) . مطابقته للترجمة في قوله : " ومهر البغي " ، والحديث قد مضى في أواخر البيوع في باب ثمن الكلب ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .