بسم الله الرحمن الرحيم كِتَاب الْكَفَالَةِ 1- بَاب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا 2290 - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا ، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنْ الرَّجُلِ كفلاء حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ . وَقَالَ جَرِيرٌ ، وَالْأَشْعَثُ ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ : اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ . وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا ) ذِكْرُ الدُّيُونِ بَعْدَ الْقَرْضِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الْأَبَدَانِ الْأَمْوَالُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ . . . إِلَخْ ) هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ لِلصَّدَقَةِ ، فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ : صَدِّقِي مَالَ مَوْلَاكِ ، وَإِذَا الْمَرْأَةُ تَقُولُ : بَلْ أَنْتَ صَدِّقْ مَالَ ابْنِكَ ، فَسَأَلَ حَمْزَةُ عَنْ أَمْرِهِمَا فَأُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ تَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ لَهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَأَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ ، ثُمَّ وَرِثَ مِنْ أُمِّهِ مَالًا ، فَقَالَ حَمْزَةُ لِلرَّجُلِ : لَأَرْجُمَنَّكَ ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ الْمَاءِ : إِنَّ أَمْرَهُ رُفِعَ إِلَى عُمَرَ فَجَلَدَهُ مِائَةً وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ رَجْمًا . قَالَ : فَأَخَذَ حَمْزَةُ بِالرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُمْ عُمَرُ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ : وَإِنَّمَا دَرَأَ عُمَرُ عَنْهُ الرَّجْمَ ؛ لِأَنَّهُ عَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ ؛ فَإِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ صَحَابِيٌّ ، وَقَدْ فَعَلَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الصَّحَابَةِ حِينَئِذٍ ، وَأَمَّا جَلْدُ عُمَرَ لِلرَّجُلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَزَّرَهُ بِذَلِكَ ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ . قَالَ : وَفِيهِ شَاهِدٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مُجَاوَزَةِ الْإِمَامِ فِي التَّعْزِيرِ قَدْرَ الْحَدِّ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ عَارَضَهُ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ جَلَدَهُ ذَلِكَ تَعْزِيرًا ، فَلَعَلَّ مَذْهَبَ عُمَرَ أَنَّ الزَّانِي الْمُحْصَنَ إِنْ كَانَ عَالِمًا رُجِمَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا جُلِدَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ جَرِيرٌ ) أَيِ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ ( وَالْأَشْعَثُ ) أَيِ : ابْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ ( لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ : اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ ) وَهَذَا أَيْضًا مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ بِطُولِهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ : صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ ، فَسَمِعَ مُؤَذِّنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّوَّاحَةِ يَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : عَلَيَّ بِابْنِ النَّوَّاحَةِ وَأَصْحَابِهِ ، فَجِيءَ بِهِمْ . فَأَمَرَ قُرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ فَضَرَبَ عُنُقَ ابْنِ النَّوَّاحَةِ ، ثُمَّ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ بِقَتْلِهِمْ ، فَقَامَ جَرِيرٌ ، وَالْأَشْعَثُ فَقَالَا : بَلِ اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ عَشَائِرَهُمْ ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرَهُمْ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ عِدَّةَ الْمَذْكُورِينَ كَانَتْ مِائَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَخَذَ الْبُخَارِيُّ الْكَفَالَةَ بِالْأَبْدَانِ فِي الدُّيُونِ مِنَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ فِي الْحُدُودِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ قَالَ بِهَا الْجُمْهُورُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ قَالَ بِهَا أَنَّ الْمَكْفُولَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ إِذَا غَابَ أَوْ مَاتَ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْكَفِيلِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَمَا أَنَّ الْكَفِيلَ إِذَا أَدَّى الْمَالَ وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ مِثْلُهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْأَثَرِ ، فَتَابُوا مِنَ التَّوْبَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَالْقَابِسِيِّ ، وَعَبْدُوسٍ : فَأَبَوْا بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ قَبْلَ الْأَلِفِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ وَهَمٌ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ فَآبُوا بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ ، وَهِيَ بِمَعْنَى فَرَجَعُوا فَلَا يَفْسُدُ الْمَعْنَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَمَّادٌ ) أَيِ : ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : ( إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ ، فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ ) ، وَصَلَهُ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ يُفْصَلُ بَيْنَ الدَّيْنِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ فَيَغْرَمُ فِي الْحَالِّ وَيُفْصَلُ فِي الْمُؤَجَّلِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لَوْ قَدِمَ لَأَدْرَكَهُ أَمْ لَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا · ص 547 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا · ص 550 2291- قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ : ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ ، فَقَالَ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا . قَالَ : فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ . قَالَ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا . قَالَ : صَدَقْتَ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ عَلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا ، فَرَضِيَ بِكَ . وَسَأَلَنِي شَهِيدًا ، فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ، فَرَضِيَ بِذلكَ . وَإنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا ، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا ، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ . قَالَ : هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ . قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ ، فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ : ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ . . . إِلَخْ ) وَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ ، وَأَبَا الْوَقْتَ وَصَلَاهُ فِي آخِرِهِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ ، وَوَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ هُنَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ وَصِيفٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَسَّانَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ بِهِ . وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي بَابِ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَآدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنِ اللَّيْثِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ أَيْضًا ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَوَصَلَهَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُسْلِفُ النَّاسَ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ بِكَفِيلٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ بِإِسْنَادٍ لَهُ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَرْفَعُهُ : أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّجَاشِيِّ ، فَقَالَ لَهُ : أَسْلِفْنِي أَلْفَ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَقَالَ : مَنِ الْحَمِيلُ بِكَ ؟ قَالَ : اللَّهُ ، فَأَعْطَاهُ الْأَلْفَ ، فَضَرَبَ بِهَا الرَّجُلُ - أَيْ : سَافَرَ بِهَا - فِي تِجَارَةٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْأَجَلَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَحَبَسَتْهُ الرِّيحُ ، فَعَمِلَ تَابُوتًا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَقْرَضَ هُوَ النَّجَاشِيُّ ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نِسْبَتُهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِطَرِيقِ الِاتِّبَاعِ لَهُمْ لَا أَنَّهُ مِنْ نَسْلِهِمْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ ، قَالَ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا ، قَالَ : صَدَقْتَ ) . فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ) أَيِ : الْأَلْفُ دِينَارٍ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَعَدَّ لَهُ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِ الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ ، فَيَكُونُ الْوَزْنُ مَثَلًا أَلْفًا ، وَالْعَدَدُ سِتَّمِائَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، فَرَكِبَ الرَّجُلُ الْبَحْرَ بِالْمَالِ يَتَّجِرُ فِيهِ ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَارْتَجَّ الْبَحْرُ بَيْنَهُمَا . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا ) . زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : وَغَدَا رَبُّ الْمَالِ إِلَى السَّاحِلِ يَسْأَلُ عَنْهُ وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي وَإِنَّمَا أَعْطَيْتُ لَكَ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا ) أَيْ : حَفَرَهَا ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : فَنَجَرَ خَشَبَةً وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : فَعَمِلَ تَابُوتًا وَجَعَلَ فِيهِ الْأَلْفَ . قَوْلُهُ : ( وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَحِيفَةً : مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ ، إِنِّي دَفَعْتُ مَالَكَ إِلَى وَكِيلِي الَّذِي تَوَكَّلَ بِي . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِزَايٍ وَجِيمَيْنِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ : سَوَّى مَوْضِعَ النَّقْرِ وَأَصْلَحَهُ ، وَهُوَ مِنْ تَزْجِيجِ الْحَوَاجِبِ ، وَهُوَ حَذْفُ زَوَائِدِ الشَّعْرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الزُّجِّ وَهُوَ النَّصْلُ كَأَنْ يَكُونَ النَّقْرُ فِي طَرَفِ الْخَشَبَةِ فَشَدَّ عَلَيْهِ زُجًّا لِيُمْسِكَهُ وَيَحْفَظَ مَا فِيهِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ سَمَّرَهَا بِمَسَامِيرَ كَالزُّجِّ ، أَوْ حَشَى شُقُوقَ لِصَاقِهَا بِشَيْءٍ وَرَقَعَهُ بِالزُّجِّ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ أَصْلَحَ مَوْضِعَ النَّقْرِ . قَوْلُهُ : ( تَسَلَّفْتُ فُلَانًا ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ ، وَالْمَعْرُوفُ تَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الْجَرِّ ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : اسْتَسْلَفْتُ مِنْ فُلَانٍ . قَوْلُهُ : ( فَرَضِيَ بِذَلِكَ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ : فَرَضِيَ بِهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَرَضِيَ بِكَ قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي جَهَدْتُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَدِّ حَمَالَتَكَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ ، أَيْ : دَخَلَتْ فِي الْبَحْرِ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا ) أَيْ : قَطَعَهَا بِالْمِنْشَارِ ( وَجَدَ الْمَالَ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، فَلَمَّا كَسَرَهَا . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : وَغَدَا رَبُّ الْمَالِ يَسْأَلُ عَنْ صَاحِبِهِ كَمَا كَانَ يَسْأَلُ فَيَجِدُ الْخَشَبَةَ فَيَحْمِلُهَا إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ : أَوْقِدُوا هَذِهِ ، فَكَسَرُوهَا فَانْتَثَرَتِ الدَّنَانِيرُ مِنْهَا وَالصَّحِيفَةُ ، فَقَرَأَهَا وَعَرَفَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ ) . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ مَالِي قَدْ طَالَتِ النَّظِرَةُ ، فَقَالَ : أَمَّا مَالُكَ فَقَدْ دَفَعْتُهُ إِلَى وَكِيلِي ، وَأَمَّا أَنْتَ فَهَذَا مَالُكَ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ لَهُ : هَذِهِ أَلْفُكَ ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ : لَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ حَتَّى تُخْبِرَنِي مَا صَنَعْتَ ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : لَقَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْكَ قَوْلُهُ : ( وَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْكَ ، وَقَدْ بَلَغَنَا الْأَلْفُ فِي التَّابُوتِ ، فَأَمْسِكْ عَلَيْكَ أَلْفَكَ . زَادَ أَبُو سَلَمَةَ فِي آخِرِهِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْثُرُ مِرَاؤُنَا وَلَغَطُنَا ، أَيُّهُمَا آمَنُ ؟ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ وَوُجُوبُ الْوَفَاءِ بِهِ ، وَقِيلَ : لَا يَجِبُ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ ، وَفِيهِ التَّحَدُّثُ عَمَّا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَجَائِبِ لِلِاتِّعَاظِ وَالِائْتِسَاءِ ، وَفِيهِ التِّجَارَةُ فِي الْبَحْرِ وَجَوَازُ رُكُوبِهِ ، وَفِيهِ بُدَاءَه الْكَاتِبِ بِنَفْسِهِ ، وَفِيهِ طَلَبُ الشُّهُودِ فِي الدَّيْنِ وَطَلَبُ الْكَفِيلِ بِهِ ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّ تَوَكُّلُهُ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ وَعَوْنِهِ ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ أَخْذِ مَا لَقَطَهُ الْبَحْرُ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى الْكَفَالَةِ تَحَدُّثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ لِيُتَأَسَّى بِهِ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها · ص 113 ( باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها ) أي هذا باب في بيان حكم الكفالة في القرض والديون ، أي ديون المعاملات وهو من باب عطف العام على الخاص ، قوله : " بالأبدان " يتعلق بالكفالة ، قوله : " وغيرهما " أي وغير الأبدان وهي الكفالة بالأموال ، وفي بعض النسخ باب الكفالة في القروض والديون ، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب الحوالة من حيث إن الحوالة والكفالة التي هي الضمان متقاربان لأن كلا منهما نقل دين من ذمة إلى ذمة ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، وقال المهلب : الكفالة بالقرض الذي هو السلف بالأموال كلها جائزة ، وحديث الخشبة الملقاة في البحر أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع . ( وقال أبو الزناد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - بعثه مصدقا ، فوقع رجلا على جارية امرأته ، فأخذ حمزة من الرجل كفيلا حتى قدم على عمر ، وكان عمر قد جلده مائة جلدة ، فصدقهم وعذره بالجهالة ) . مطابقته للترجمة في قوله : فأخذه حمزة من الرجل كفيلا ، وأبو الزناد بكسر الزاي وتخفيف النون عبد الله بن ذكوان ، وقد تكرر ذكره ، ومحمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي حجازي ، ذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، وروى له النسائي في اليوم والليلة ، وأبو داود والطحاوي ، وأبو حمزة بن عمرو بن عويمر بن الحارث الأعرج الأسلمي يكنى أبا صالح ، وقيل : أبا محمد ، مات سنة إحدى وستين ، وله صحبة ورواية . وهذا التعليق وصله الطحاوي فقال : حدثنا ابن أبي داود وقال : حدثنا ابن أبي مريم قال : أخبرنا ابن أبي الزناد قال : حدثني أبي عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن عمر - رضي الله تعالى عنه - بعثه مصدقا على سعد بن هذيم ، فأتى حمزة بمال ليصدقه ، فإذا رجل يقول لامرأته : أدي صدقة مال مولاك ، وإذا المرأة تقول له : بل أنت فأد صدقة مال أبيك ، فسأله حمزة عن أمرها وقولهما ، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة ، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدا فأعتقته امرأته ، قالوا : فهذا المال لابنه من جاريتها ، فقال له حمزة : لأرجمنك بالحجارة ، فقيل له : أصلحك الله إن أمره قد رفع إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فجلده عمر مائة ، ولم ير عليه الرجم ، فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى يقدم على عمر فيسأله عما ذكر من جلد عمر إياه ولم ير عليه رجما ، فصدقهم عمر بذلك من قولهم ، وقال : إنما درأ عنه الرجم عذره بالجهالة ، انتهى . قوله : " مصدقا " بتشديد الدال المكسورة على صيغة اسم الفاعل من التصديق ، أي أخذ الصدقة عاملا عليها ، فصدقهم بالتخفيف ، أي صدق الرجل للقوم واعترف بما وقع منه لكنه اعتذر بأنه لم يكن عالما بحرمة وطئ جارية امرأته ، أو بأنها جاريتها ؛ لأنها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته ، أو صدق عمر الكفلاء فيما كانوا يدعونه أنه قد جلده مرة لذلك ، ويحتمل أن يكون الصدق بمعنى الإكرام ، كقوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي كريم ، فمعناه فأكرم عمر - رضي الله تعالى عنه - الكفلاء ، وعذر الرجل بجهالة الحرمة أو الاشتباه ، قوله : " فأخذ حمزة من الرجل كفيلا " ليس المراد من الكفالة هاهنا الكفالة الفقهية بل المراد التعهد والضبط عن حال الرجل ، وقال ابن بطال : كان ذلك على سبيل الترهيب على المكفول ببدنه والاستيثاق لا أن ذلك لازم للكفيل إذا زال المكفول به . واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان ، فإن حمزة بن عمرو صحابي ، وقد فعله ولم ينكر عليه عمر - رضي الله تعالى عنه - مع كثرة الصحابة حينئذ ، وإنما جلد عمر - رضي الله تعالى عنه - للرجل مائة تعزيرا وكان ذلك بحضرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقال ابن التين : فيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد ، ورد عليه بأنه فعل صحابي عارضه مرفوع صحيح فلا حجة فيه . قلت : هذا الباب فيه خلاف بين العلماء ، فمذهب مالك ، وأبي ثور ، وأبي يوسف في قول ، والطحاوي : أن التعزير ليس له مقدار محدود ويجوز للإمام أن يبلغ به ما رآه ، وأن يتجاوز به الحدود ، وقالت طائفة : التعزير مائة جلدة فأقل ، وقالت طائفة : أكثر التعزير مائة جلدة إلا جلدة ، وقالت طائفة : أكثره تسعة وتسعون سوطا فأقل ، وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف في رواية ، وقالت طائفة : أكثره ثلاثون سوطا ، وقالت طائفة : أكثره عشرون سوطا ، وقالت طائفة : لا يتجاوز بالتعزير تسعة ، وهو بعض قول الشافعي . وقالت طائفة : أكثره عشرة أسواط فأقل ، لا يتجاوز به أكثر من ذلك ، وهو قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الظاهر ، وأجابوا عن الحديث المرفوع ، وهو قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله " بأنه في حق من يرتدع بالردع ويؤثر فيه أدنى الزجر ، كأشراف الناس وأشراف أشرافهم ، وأما السفلة وأسقاط الناس فلا يؤثر فيهم عشر جلدات ولا عشرون ، فيعزرهم الإمام بحسب ما يراه ، وقد ذكر الطحاوي حديث حمزة بن عمرو المذكور في باب الرجل يزني بجارية امرأته ، فروى في أول الباب حديث سلمة بن المحبق أن رجلا زنى بجارية امرأته ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها ، وإن كانت طاوعة فهي له وعليه مثلها " ، ثم قال : فذهب قوم إلى هذا الحديث وقالوا : هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته . ( قلت ) أراد بالقوم الشعبي وعامر بن مطر وقبيصة والحسن ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : بل نرى عليه الرجم إن كان محصنا ، والجلد إن كان غير محصن ( قلت ) أراد بالآخرين هؤلاء جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأصحابهم ثم أجابوا عن حديث سلمة بن المحبق أنه منسوخ بحديث النعمان بن بشير ، رواه الطحاوي ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، ولفظ أبي داود : أن رجلا ، يقال له : عبد الرحمن بن حنين ، وقع على جارية امرأته ، فرفع إلى النعمان بن بشير ، وهو أمير على الكوفة ، فقال : لأقضين فيك بقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة ، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة ، فوجدوها أحلتها له فجلده مائة ، قال الطحاوي : فثبت بهذا ما رواه النعمان ، ونسخ ما رواه سلمة بن المحبق ، قالوا : قد عمل عبد الله بن مسعود بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما في حديث سلمة فأجاب الطحاوي عن هذا بقوله : وخالفه في ذلك حمزة بن عمرو الأسلمي ، وساق حديثه على ما ذكرناه آنفا ، وقال أيضا : وقد أنكر علي - رضي الله تعالى عنه - على عبد الله بن مسعود في هذا قضاءه بما قد نسخ فقال : حدثنا أحمد بن الحسن قال : حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين قال : ذكر لعلي - رضي الله تعالى عنه - شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته ، وقد وقع على جارية امرأته ، فلم ير عليه حدا ، فقال علي : لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة ، لم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده ، فأخبر علي - رضي الله تعالى عنه - أن ابن مسعود تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده فلم يعلم ابن مسعود بذلك ، وقد خالف علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله بن مسعود في الحكم المذكور ، وذهب إلى قول من خالف عبد الله ، والحال أن علقمة أعلم أصحاب عبد الله بعبد الله وأجلهم ، فلو لم يثبت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله لما خالف قوله مع جلالة قدر عبد الله عنده .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها · ص 115 ( وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين : استتبهم وكفلهم ، فتابوا وكفلهم عشائرهم ) . مطابقته للترجمة في قوله : وكفلهم ، ولا خلاف في جواز الكفالة بالنفس ، جرير هو ابن عبد الله البجلي ، والأشعث بن قيس الكندي الصحابي ، وهذا التعليق مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال : صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود ، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة ، فسمع مؤذن عبد الله بن نواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله ، فقال عبد الله : علي بابن النواحة وأصحابه ، فجيء بهم ، فأمر قريظة بن كعب ، فضرب عنق ابن النواحة ، ثم استشار الناس في أولئك النفر ، فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم ، فقام جرير والأشعث فقالا : بل استتبهم وكفلهم عشائرهم ، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانوا مائة وسبعين رجلا ، ومعنى التكفيل هنا ما ذكرناه في حديث حمزة بن عمرو الضبط والتعهد حتى لا يرجعوا إلى الارتداد لا أنه كفالة لازمة . ( وقال حماد : إذا تكفل بنفس ، فمات ، فلا شيء عليه ، وقال الحكم : يضمن ) . حماد هو ابن أبي سليمان ، واسمه مسلم الأشعري أبو إسماعيل الكوفي الفقيه ، وهو أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وأكثر الرواية عنه ، وثقه يحيى بن معين والنسائي وغيرهما ، مات سنة عشرين ومائة ، والحكم بفتحتين هو ابن عتيبة ، ومذهبه أن الكفيل بالنفس يضمن الحق الذي على المطلوب ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقال مالك والليث والأوزاعي : إذا تكفل بنفسه ، وعليه مال ، فإنه لم يأت به غرم المال ويرجع به على المطلوب ، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه ، وقال : لا أضمن المال ، فلا شيء عليه من المال .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها · ص 116 ( قال أبو عبد الله : وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بالشهداء أشهدهم ، فقال : كفى بالله شهيدا ، قال : فأتني بالكفيل ، قال : كفى بالله كفيلا ، قال : صدقت ، فدفعها إليه إلى أجل مسمى ، فخرج في البحر ، فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يركبها ، يقدم عليه للأجل الذي أجله ، فلم يجد مركبا ، فأخذ خشبة فنقرها ، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها إلى البحر ، فقال : اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار ، فسألني كفيلا ، فقلت : كفى بالله كفيلا ، فرضي بك وسألني شهيدا ، فقلت : كفى بالله شهيدا ، فرضي بك ، وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر ، وإني أستودعكها ، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف ، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده ، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله ، فإذا بالخشبة التي فيها المال ، فأخذها لأهله حطبا ، فلما نشرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال : والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك ، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه ، قال : هل كنت بعثت إلي بشيء ؟ قال : أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه ، قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة ، فانصرف بالألف الدينار راشدا ) . مطابقته للترجمة في قوله : فسألني كفيلا ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وعلقه عن الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة القرشي المصري ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة . ومضى هذا الحديث في كتاب الزكاة ، في باب ما يستخرج من البحر ، وعلقه فيه أيضا عن الليث عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، ولكنه مختصر ، وكذلك ذكره معلقا عن الليث نحوه مختصرا في كتاب البيوع في باب التجارة في البحر ، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه أيضا في الاستقراض واللقطة والشروط والاستئذان ، ومر البحث فيه هناك مستقصى ، ونذكر هنا أيضا أشياء لزيادة التوضيح والبيان ، وقال بعضهم : أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل لم أقف على اسمه لكن رأيت في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر لمحمد بن الربيع الجيزي له بإسناد له فيه مجهول ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه أن رجلا جاء إلى النجاشي ، فقال له : أسلفني ألف دينار إلى أجل ، فقال : من الحميل بك ، قال : الله ، فأعطاه الألف ، وضرب بها الأجل ، أي سافر بها في تجارة ، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه ، فحبسته الريح ، فعمل تابوتا ، فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة . قال هذا القائل : واستفدنا منه أن الذي أقرض هو النجاشي ، فيجوز أن يكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الإتباع لهم لا أنه من نسلهم ، انتهى ، قلت : انتهى هذا الكلام في البعد إلى حد السقوط ، لأن السائل والمسؤل منه كلاهما من بني إسرائيل على ما يصرح به ظاهر الكلام ، وبين الحبشة وبني إسرائيل بعد عظيم في النسبة وفي الأرض ، ويبعد أن يكون ذلك الانتساب إلى بني إسرائيل بطريق الإتباع ، وهذا يأباه من له نظر تام في تصرفه في وجوه معاني الكلام على أن الحديث المذكور ضعيف لا يعمل به ، فافهم . قوله : " مركبا " أي سفينة ، قوله : " يقدم " بفتح الدال وهو جملة حالية ، قوله : " وصحيفة " أي مكتوبا ، قوله : " زجج " بالزاي والجيم ، قال الخطابي : أي سوى موضع النقر ، وأصلحه ، وهو من تزجيج الحواجب وهو حذف زوائد الشعر ، وقال عياض : ومعناه سمرها بمسامير كالزج أو حشي شقوق لصاقها بشيء ، ورقعه بالزج ، قوله : " تسلفت فلانا " ، قال بعضهم : كذا وقع هنا والمعروف تعديته بحرف الجر كما وقع في رواية الإسماعيلي : استلفت من فلان ( قلت ) تنظيره باستلفت غير موجه لأن تسلفت من باب التفعل ، واستسلفت من باب الاستفعال ، وتفعل يأتي للمتعدي بلا حرف الجر كتوسد التراب ، واستسلفت معناه طلبت منه السلف ، ولا بد من حرف الجر ، قوله : " فرضي بذلك " هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره " فرضي به " ، ورواية الإسماعيلي " فرضي بك " ، قوله : " جهدت " بفتح الجيم والهاء ، قوله : " حتى ولجت فيه " بتخفيف اللام أي حتى دخلت في البحر من الولوج وهو الدخول ، قوله : " وهو في ذلك " الواو فيه للحال ، قوله : " يلتمس " أي يطلب ، قوله : " ينظر " جملة حالية ، قوله : " فإذا بالخشبة " كلمة إذا للمفاجاة ، قوله : " حطبا " نصب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره : فأخذها لأجل أهله يجعلها حطبا للإيقاد ، قوله : " فلما نشرها " أي قطعها بالمنشار ، وفي رواية النسائي " فلما كسرها " ، وفي رواية أبي سلمة " وغدا رب المال يسأل عن صاحبه كما كان يسأل فيجد الخشبة فيحملها إلى أهله ، فقال : أوقدوا هذه فكسروها فانتثرت الدنانير منها والصحيفة ، فقرأها وعرف ، قوله : " فانصرف بالألف الدينار " ، وهذا على مذهب الكوفيين ، وراشدا نصب على الحال من فاعل انصرف . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز التحدث عما كان في زمن بني إسرائيل ، وقد جاء " تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج عليكم " ، وفيه جواز التجارة في البحر وجواز ركوبه ، وفيه جواز أجل القرض ، احتج به من يرى بذلك ومن منعه يقول : القرض إعارة والتأجيل فيها غير لازم لأنها تبرع ، وأما الذي في الحديث فكان على سبيل المسامحة لا على طريق الإلزام ، وفيه طلب الشهود في الدين وطلب الكفيل به ، وفيه فضل التوكل على الله ، وأن من صح توكله تكفل الله بنصره وعونه ، قال - عز وجل - : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ، وفيه أن جميع ما يوجد في البحر فهو لواجده ما لم يعلمه ملك لأحد .