53 - بَاب الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنْ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوْ الْخَفْقَةِ وُضُوءًا 212 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قال : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ ) ؛ أَيْ : هَلْ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ النُّعَاسَ يُسَمَّى نَوْمًا ، وَالْمَشْهُورُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ مَنْ قَرَّتْ حَوَاسُّهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَ جَلِيسِهِ وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ فَهُوَ نَاعِسٌ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ نَائِمٌ ، وَمِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ الرُّؤْيَا طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ ، وَفِي الْعَيْنِ وَالْمُحْكَمِ النُّعَاسُ النَّوْمُ ، وَقِيلَ مُقَارَبَتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ ) هُوَ قَوْلُ الْمُعْظَمِ ، وَيَتَخَرَّجُ مِنْ جَعْلِ النُّعَاسَ نَوْمًا أَنَّ مَنْ يَقُولُ النَّوْمُ حَدَثٌ بِنَفْسِهِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنَ النُّعَاسِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ ، قال : فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ أَخَذَ بِشَحْمَةِ أُذُنِي ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَغْرِقِ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال : وَجَبَ الْوُضُوءُ عَلَى كُلِّ نَائِمٍ إِلَّا مَنْ خَفَقَ خَفْقَةً ، وَالْخَفْقَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، قال ابْنُ التِّينِ : هِيَ النَّعْسَةُ ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ ، كَذَا قال . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ، قال أَهْلُ اللُّغَةِ : خَفَقَ رَأْسُهُ إِذَا حَرَّكَهُ وَهُوَ نَاعِسٌ ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : خَفَقَ بِرَأْسِهِ مِنَ النُّعَاسِ : أَمَالَهُ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَى تَخْفِقُ رُءُوسُهُمْ تَسْقُطُ أَذْقَانُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فَيَنْعَسُونَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ ، ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ . رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ هِشَامٍ ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ ابْنِ عُرْوَةَ ، وَالْإِسْنَادُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ . قَوْلُهُ : ( إِذَا نَعَسَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَغَلَّطُوا مَنْ ضَمَّهَا . قَوْلُهُ ( فَلْيَرْقُدْ ) وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ هِشَامٍ فَلْيَنْصَرِفْ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّسْلِيمُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَحَمَلَهُ الْمُهَلَّبُ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ فَقَالَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ بِقَطْعِ الصَّلَاةِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ عَلَيْهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ النُّعَاسُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عُفِيَ عَنْهُ . قال : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّوْمَ الْقَلِيلَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَخَالَفَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ : يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ . فَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ . كَذَا قال الْمُهَلَّبُ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَدْ تَحَامَلُوا عَلَى الْمُزَنِيِّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْمَصِيرَ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، قال ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ أَقُولُ لِعُمُومِ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ يَعْنِي الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، فَفِيهِ إِلَّا مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ فَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ ، وَالْمُرَادُ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ طُولُ زَمَانِهِ وَقِصَرُهُ لَا مَبَادِيهُ ، وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ اخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ : التَّفْرِقَةُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَبَيْنَ الْمُضْطَجِعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَبَيْنَ الْمُضْطَجِعِ وَالْمُسْتَنِدِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَبَيْنَهُمَا وَالسَّاجِدُ بِشَرْطِ قَصْدِهِ النَّوْمَ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَقِيلَ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ غَيْرِ الْقَاعِدِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَعَنْهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ خَارِجِ الصَّلَاةِ فَيَنْقُضُ أَوْ دَاخِلِهَا فَلَا ، وَفَصَّلَ فِي الْجَدِيدِ بَيْنَ الْقَاعِدِ الْمُتَمَكِّنِ فَلَا يَنْقُضُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَنْقُضُ ، وَفِي الْمُهَذَّبِ : وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ النَّوْمُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَمَحَلُّ الْحَدَثِ مِنْهُ مُتَمَكِّنٌ بِالْأَرْضِ ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ وُضُوؤهُ ، وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ : يُنْتَقَضُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَفْظَ الْبُوَيْطِيِّ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ قال : وَمَنْ نَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا فَرَأَى رُؤْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ . قال النَّوَوِيُّ : هَذَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ أَحَدَكُمْ ) ، قال الْمُهَلَّبُ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِقَطْعِ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ صَارَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فَقَدِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ . كَذَا قال وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ إِلَى جَوَازِ قَطْعِ الصَّلَاةِ أَوْ الِانْصِرَافِ إِذَا سَلَّمَ مِنْهَا ، وَأَمَّا النَّقْضُ فَلَا يَتَبَيَّنُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ جَرَيَانَ مَا ذُكِرَ عَلَى اللِّسَانِ مُمْكِنٌ مِنَ النَّاعِسِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : إِنَّ قَلِيلَ النَّوْمِ لَا يَنْقُضُ فَكَيْفَ بِالنُّعَاسِ ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ مُنْتَقِضٌ ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ مُطْلَقًا ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَيَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ، فَحُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُمْ قُعُودٌ ، لَكِنْ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنَامُ ، ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( فَيَسُبَّ ) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ، وَمَعْنَى يَسُبُّ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ ، وَصَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ خَشْيَةَ أَنْ يُوَافِقَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ ، وَفِيهِ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ ، وَالْحَثُّ عَلَى الْخُشُوعِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ لِلْعِبَادَةِ وَاجْتِنَابُ الْمَكْرُوهَاتِ فِي الطَّاعَاتِ وَجَوَازُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ . ( فَائِدَةٌ ) : هَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامٍ فِي قِصَّةِ الْحَوْلَاءِ بِنْتِ تُوَيْتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنْ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوْ الْخَفْقَةِ وُضُوءًا · ص 375 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الوضوء من النوم · ص 108 ( باب الوضوء من النوم ) أي هذا باب في بيان الوضوء من النوم ، هل يجب أو يستحب . والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله من حيث إن كلا منهما مشتمل على حكم من أحكام الوضوء . ( ومن لم ير من النعسة والنعستين أو الخفقة وضوءا ) هذا عطف على ما قبله ، والتقدير : وباب من لم ير من النعسة .. إلى آخره . والنعسة على وزن فعلة ، مرة من النعس ، من باب نعس بفتح العين ينعس بضمها من باب نصر ينصر ، ومن قال نعس بضم العين فقد أخطأ . وفي ( الموعب ) : وبعض بني عامر يقول ينعس بفتح العين ، يقال : نعس ينعس نعسا ونعاسا ، فهو ناعس ونعسان ، وامرأة نعسى . وقال ابن السكيت ، وثعلب : لا يقال نعسان ، وحكى الزجاج ، عن الفراء أنه قال : قد سمعت نعسان من أعرابي من عنزة ، قال : ولكن لا أشتهيه ، وعن صاحب ( العين ) أنه قال : وسمعناهم يقولون نعسان ، ونعسى ، حملوه على وسنان ووسنى . وفي ( المحكم ) : النعاس النوم ، وقيل : ثقلته ، وامرأة نعسانة ، وناعسة ، ونعوس . وفي ( الصحاح ) و ( المجمل ) : النعاس الوسن . وقال كراع : وسنان أي ناعس ، والسنة بكسر السين أصلها وسنة مثل عدة أصلها وعدة ، حذفت الواو تبعا لحذفها في مضارعه ، ونقلت فتحتها إلى عين الفعل ، وزنها علة . قوله ( والنعستين ) تثنية نعسة . قوله ( أو الخفقة ) عطف على قوله ( النعسة ) وهو أيضا على وزن فعلة مرة من الخفق ، يقال : خفق الرجل بفتح الفاء يخفق خفقا ، إذا حرك رأسه وهو ناعس . وفي ( الغريبين ) : معنى تخفق رءوسهم تسقط أذقانهم على صدورهم . وقال ابن الأثير : خفق إذا نعس ، والخفوق الاضطراب ، وخفق الليل إذا ذهب . وقال ابن التين : الخفقة النعسة ، وإنما كرر لاختلاف اللفظ . وقال بعضهم : الظاهر أنه من ذكر الخاص بعد العام . قلت : على قول ابن التين بين النعس والخفقة مساواة ، وعلى قول بعضهم عموم وخصوص ، بمعنى أن كل خفقة نعسة ، وليس كل نعسة خفقة ، ويدل عليه ما قال أهل اللغة : خفق رأسه إذا حركها ، وهو ناعس . وقال أبو زيد : خفق برأسه من النعاس أماله ، ومنه قول الهروي في ( الغريبين ) : تخفق رءوسهم كما ذكرناه ، وفيه الخفق مع النعاس . وقوله : هذا من حديث أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل بإسناد صحيح ، عن أنس رضي الله تعالى عنه : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون الصلاة ، فينعسون حتى تخفق رءوسهم ، ثم يقومون إلى الصلاة . وقال بعضهم : ظاهر كلام البخاري النعاس يسمى نوما ، والمشهور التفرقة بينهما أن من فترت حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ، ولا يفهم معناه فهو ناعس ، وإن زاد على ذلك فهو نائم ، ومن علامات النوم الرؤيا طالت أو قصرت . قلت : لا نسلم أن ظاهر كلام البخاري يدل على عدم التفرقة ، فإنه عطف قوله ( ومن لم ير من النعسة .. إلى آخره ) على قوله ( النوم والنعس ) في قوله ( باب النوم ) . والتحقيق في هذا المقام أن معنا ثلاثة أشياء : النوم ، والنعسة ، والخفقة ، أما النوم فمن قال : إن نفس النوم حدث ، يقول بوجوب الوضوء من النعاس ، ومن قال : إن نفس النوم ليس بحدث ، لا يقول بوجوب الوضوء على الناعس ، وأما الخفقة فقد روي عن ابن عباس أنه قال : وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة ، فالبخاري أشار إلى هذه الثلاثة ، فأشار إلى النوم بقوله : باب النوم ، والنوم فيه تفصيل كما نذكره عن قريب ، وأشار بقوله ( النعسة والنعستين ) إلى القول بعدم وجوب الوضوء في النعسة والنعستين ، ويفهم من هذا أن النعسة إذا زادت على النعستين وجب الوضوء ؛ لأنه يكون حينئذ نائما مستغرقا ، وأشار إلى من يقول بعدم وجوب الوضوء على من يخفق خفقة واحدة ، كما روي عن ابن عباس بقوله : أو الخفقة ، ويفهم من هذا أن الخفقة إذا زادت على الواحدة يجب الوضوء ، ولهذا قيد ابن عباس الخفقة بالواحدة . وأما النوم ففيه أقوال : الأول : أن النوم لا ينقض الوضوء بحال ، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري ، وسعيد بن المسيب ، وأبي مجلز ، وحميد بن عبد الرحمن ، والأعرج . وقال ابن حزم : وإليه ذهب الأوزاعي ، وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة وغيرهم ، منهم ابن عمر ، ومكحول ، وعبيدة السلماني . الثاني : النوم ينقض الوضوء على كل حال ، وهو مذهب الحسن ، والمزني ، وأبي عبد الله القاسم بن سلام ، وإسحاق بن راهويه . قال ابن المنذر : وهو قول غريب عن الشافعي ، قال : وبه أقول ، قال : وروي معناه عن ابن عباس ، وأنس ، وأبي هريرة . وقال ابن حزم : النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء ، سواء قل أو كثر قاعدا أو قائما في صلاة أو غيرها أو راكعا أو ساجدا أو متكئا أو مضطجعا ، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا . الثالث : كثير النوم ينقض ، وقليله لا ينقض بكل حال ، قال ابن المنذر : وهو قول الزهري ، وربيعة ، والأوزاعي ، ومالك ، وأحمد في إحدى الروايتين . وعند الترمذي . وقال بعضهم : إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء ، وبه يقول إسحاق . الرابع : إذا نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع ، والساجد ، والقائم ، والقاعد - لا ينقض وضوءه ، سواء كان في الصلاة أو لم يكن ، فإن نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه انتقض . وهو قول أبي حنيفة ، وداود ، وقول غريب للشافعي ، وقاله أيضا حماد بن أبي سليمان وسفيان . الخامس : لا ينقض إلا نوم الراكع ، وهو قول عن أحمد ، ذكره ابن التين. السادس :لا ينقض إلا نوم الساجد ، روي أيضا عن أحمد . السابع : من نام ساجدا في مصلاه ، فليس عليه وضوء ، وإن نام ساجدا في غير صلاة توضأ ، وإن تعمد النوم في الصلاة فعليه الوضوء ، وهو قول ابن المبارك . الثامن : لا ينقض النوم الوضوء في الصلاة ، وينقض خارج الصلاة ، وهو قول الشافعي . التاسع : إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينقض ، سواء قل أو كثر ، وسواء كان في الصلاة أو خارجها ، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى . وقال أبو بكر بن العربي : تتبع علماؤنا مسائل النوم المتعلقة بالأحاديث الجامعة لتعارضها ، فوجدوها أحد عشر حالا : ماشيا ، وقائما ، ومستندا ، وراكعا ، وقاعدا متربعا ، ومحتبيا ، ومتكئا ، وراكبا ، وساجدا ، ومضطجعا ، ومستقرا ، وهذا في حقنا ، فأما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن خصائصه أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا ، ولا غير مضطجع . 75 - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ . مطابقة هذا الحديث والذي بعده للترجمة تفهم من معنى الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أوجب قطع الصلاة ، وأمر بالرقاد ، دل ذلك على أنه كان مستغرقا في النوم ، فإنه علل ذلك بقوله ( فإن أحدكم .. إلخ ) ، وفهم من ذلك أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك ، ولم يغلب عليه ، فإنه معفو عنه ، ولا وضوء فيه ، وأشار البخاري إلى ذلك بقوله : ومن لم من النعسة .. إلخ ، ولا غلبة في النعسة والنعستين ، فإذا زادت يغلب عليه النوم فينتقض وضوؤه كما ذكرنا ، وكذلك لا غلبة في الخفقة الواحدة كما أشرنا إليه عن قريب . وقال ابن المنير : فإن قلت : كيف مخرج الترجمة من الحديث ، ومضمونها أن لا يتوضأ من النعاس الخفيف ، ومضمون الحديث النهي عن الصلاة مع النعاس . قلت : إما أن يكون البخاري تلقاها من مفهوم تعليل النهي عن الصلاة حينئذ بذهاب العقل المؤدي إلى أن ينعكس الأمر ، يريد أن يدعو فيسب نفسه ، فإنه دل أنه إن لم يبلغ هذا المبلغ صلى به ، وإما أن يكون تلقاها من كونه إذا بدأ به النعاس وهو في النافلة ، اقتصر على إتمام ما هو فيه ولم يستأنف أخرى ، فتماديه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة ، وليس بصريح في الحديث ، بل يحتمل قطع الصلاة التي هو فيها ، ويحتمل النهي عن استئناف شيء آخر ، والأول أظهر . بيان رجاله : وهم خمسة ، ذكروا كلهم غير مرة ، وهشام هو ابن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ، عن عائشة رضي الله عنها ، وفي رواية الأصيلي صرح بذكر عروة ، والرواة كلهم مدنيون غير شيخ البخاري . بيان من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن قتيبة ، عن مالك . وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك . بيان المعنى ، والإعراب : قوله ( وهو يصلي ) جملة اسمية وقعت حالا . قوله ( فليرقد ) أي فلينم ، وللنسائي من طريق أيوب ، عن هشام : فلينصرف ، والمراد به الخروج من الصلاة بالتسليم . فإن قلت : فقد جاء في حديث ابن عباس في نومه في بيت ميمونة رضي الله عنها ، فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمتي أذني ، ولم يأمره بالنوم . قلت : لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم منه ، ففعل ذلك ليكون أثبت له . فإن قلت : الشرط هو سبب للجزاء ، فهاهنا النعاس سبب للنوم أو للأمر بالنوم . قلت : مثله محتمل للأمرين كما يقال في نحو : اضربه تأديبا ؛ لأن التأديب مفعول له إما للأمر بالضرب ، وإما للمأمور به ، والظاهر الأول . قوله ( وهو ناعس ) جملة اسمية وقعت حالا . فإن قلت : ما الفائدة في تغيير الأسلوب حيث قال ثمة : وهو يصلي ، بلفظ الفعل ، وهاهنا : وهو ناعس ، بلفظ اسم الفاعل ؟ قلت : ليدل على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس ، وتقضيه في الحال ، بل لا بد من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول ، وعدم علمه بما يقرأ . فإن قلت : هل فرق بين نعس وهو يصلي ، وصلى وهو ناعس ؟ قلت : الفرق الذي بين ضرب قائما ، وقام ضاربا ، وهو احتمال القيام بدون الضرب في الأول ، واحتمال الضرب بدون القيام في الثاني ، وإنما اختار ذلك ثمة وهذا هنا ؛ لأن الحال قيد وفضلة ، والأصل في الكلام هو ما له القيد ، ففي الأول لا شك أن النعاس هو علة الأمر بالرقاد لا الصلاة ، فهو المقصود الأصلي في التركيب ، وفي الثاني الصلاة علة للاستغفار إذ تقدير الكلام : فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس يستغفر . وقوله ( لا يدري ) وقع موقع الجزاء إذا كانت كلمة إذا شرطية ، وإن لم تكن شرطية يكون خبرا لـ "إن" ، فافهم . قوله ( لعله يستغفر ) أي يريد الاستغفار فيسب ، يعني يدعو على نفسه ، وصرح به النسائي في رواية من طريق أيوب ، عن هشام ، وفي بعض النسخ : يسب ، بدون الفاء . فإن قلت : ما الفرق بينهما ؟ قلت : بدون الفاء تكون الجملة حالا ، وبالفاء عطفا على يستغفر ، ويجوز في "يسب" الرفع والنصب ، أما الرفع فباعتبار عطف الفعل على الفعل ، وأما النصب فباعتبار أنه جواب لكلمة "لعل" التي للترجي ، فإنها مثل ليت . فإن قلت : كيف يصح هاهنا معنى الترجي ؟ قلت : الترجي فيه عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به ، أي لا يدري أمستغفر أم ساب مترجيا للاستغفار ، فهو في الواقع بضد ذلك ، أو استعمل بمعنى التمكن بين الاستغفار والسب ؛ لأن الترجي بين حصول المرجو وعدمه ، فمعناه لا يدري أيستغفر أم يسب ، وهو متمكن منهما على السوية . بيان استنباط الأحكام : الأول : أن فيه الأمر بقطع الصلاة عند غلبة النوم عليه ، وأن وضوءه ينتقض حينئذ . الثاني : أن النعاس إذا كان أقل من ذلك يعفى عنه ، فلا ينتقض وضوؤه ، وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء ، وخالف فيه المزني ، فقال : ينقض قليله وكثيره لما ذكرنا . وقال المهلب ، وابن بطال ، وابن التين ، وغيرهم : إن المزني خرق الإجماع . قلت : هذا تحامل منهم عليه ؛ لأن الذي قاله نقل عن بعض الصحابة والتابعين ، وقد ذكرناه عن قريب إن شاء الله تعالى . الثالث : فيه الأخذ بالاحتياط ؛ لأنه علل بأمر محتمل . الرابع : فيه الدعاء في الصلاة من غير تعيين بشيء من الأدعية . الخامس : فيه الحث على الخشوع ، وحضور القلب في العبادة ، وذلك لأن الناعس لا يحضر قلبه ، والخشوع إنما يكون بحضور القلب .