بَاب الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنْ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوْ الْخَفْقَةِ وُضُوءًا
بَاب الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنْ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوْ الْخَفْقَةِ وُضُوءًا 212 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قال : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ ) ؛ أَيْ : هَلْ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ النُّعَاسَ يُسَمَّى نَوْمًا ، وَالْمَشْهُورُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ مَنْ قَرَّتْ حَوَاسُّهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَ جَلِيسِهِ وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ فَهُوَ نَاعِسٌ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ نَائِمٌ ، وَمِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ الرُّؤْيَا طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ ، وَفِي الْعَيْنِ وَالْمُحْكَمِ النُّعَاسُ النَّوْمُ ، وَقِيلَ مُقَارَبَتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ ) هُوَ قَوْلُ الْمُعْظَمِ ، وَيَتَخَرَّجُ مِنْ جَعْلِ النُّعَاسَ نَوْمًا أَنَّ مَنْ يَقُولُ النَّوْمُ حَدَثٌ بِنَفْسِهِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنَ النُّعَاسِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ ، قال : فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ أَخَذَ بِشَحْمَةِ أُذُنِي ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَغْرِقِ .
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال : وَجَبَ الْوُضُوءُ عَلَى كُلِّ نَائِمٍ إِلَّا مَنْ خَفَقَ خَفْقَةً ، وَالْخَفْقَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، قال ابْنُ التِّينِ : هِيَ النَّعْسَةُ ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ ، كَذَا قال . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ، قال أَهْلُ اللُّغَةِ : خَفَقَ رَأْسُهُ إِذَا حَرَّكَهُ وَهُوَ نَاعِسٌ ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : خَفَقَ بِرَأْسِهِ مِنَ النُّعَاسِ : أَمَالَهُ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَى تَخْفِقُ رُءُوسُهُمْ تَسْقُطُ أَذْقَانُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فَيَنْعَسُونَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ ، ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ .
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ هِشَامٍ ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ ابْنِ عُرْوَةَ ، وَالْإِسْنَادُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ . قَوْلُهُ : ( إِذَا نَعَسَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَغَلَّطُوا مَنْ ضَمَّهَا .
قَوْلُهُ ( فَلْيَرْقُدْ ) وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ هِشَامٍ فَلْيَنْصَرِفْ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّسْلِيمُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَحَمَلَهُ الْمُهَلَّبُ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ فَقَالَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ بِقَطْعِ الصَّلَاةِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ عَلَيْهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ النُّعَاسُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عُفِيَ عَنْهُ . قال : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّوْمَ الْقَلِيلَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَخَالَفَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ : يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ . فَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ .
كَذَا قال الْمُهَلَّبُ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَدْ تَحَامَلُوا عَلَى الْمُزَنِيِّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْمَصِيرَ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، قال ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ أَقُولُ لِعُمُومِ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ يَعْنِي الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، فَفِيهِ إِلَّا مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ فَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ ، وَالْمُرَادُ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ طُولُ زَمَانِهِ وَقِصَرُهُ لَا مَبَادِيهُ ، وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ اخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ : التَّفْرِقَةُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَبَيْنَ الْمُضْطَجِعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَبَيْنَ الْمُضْطَجِعِ وَالْمُسْتَنِدِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَبَيْنَهُمَا وَالسَّاجِدُ بِشَرْطِ قَصْدِهِ النَّوْمَ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَقِيلَ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ غَيْرِ الْقَاعِدِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَعَنْهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ خَارِجِ الصَّلَاةِ فَيَنْقُضُ أَوْ دَاخِلِهَا فَلَا ، وَفَصَّلَ فِي الْجَدِيدِ بَيْنَ الْقَاعِدِ الْمُتَمَكِّنِ فَلَا يَنْقُضُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَنْقُضُ ، وَفِي الْمُهَذَّبِ : وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ النَّوْمُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَمَحَلُّ الْحَدَثِ مِنْهُ مُتَمَكِّنٌ بِالْأَرْضِ ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ وُضُوؤهُ ، وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ : يُنْتَقَضُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَفْظَ الْبُوَيْطِيِّ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ قال : وَمَنْ نَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا فَرَأَى رُؤْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ . قال النَّوَوِيُّ : هَذَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ أَحَدَكُمْ ) ، قال الْمُهَلَّبُ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِقَطْعِ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ صَارَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فَقَدِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ . كَذَا قال وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ إِلَى جَوَازِ قَطْعِ الصَّلَاةِ أَوْ الِانْصِرَافِ إِذَا سَلَّمَ مِنْهَا ، وَأَمَّا النَّقْضُ فَلَا يَتَبَيَّنُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ جَرَيَانَ مَا ذُكِرَ عَلَى اللِّسَانِ مُمْكِنٌ مِنَ النَّاعِسِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : إِنَّ قَلِيلَ النَّوْمِ لَا يَنْقُضُ فَكَيْفَ بِالنُّعَاسِ ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ مُنْتَقِضٌ ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ مُطْلَقًا ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَيَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ، فَحُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُمْ قُعُودٌ ، لَكِنْ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنَامُ ، ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( فَيَسُبَّ ) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ، وَمَعْنَى يَسُبُّ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ ، وَصَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ خَشْيَةَ أَنْ يُوَافِقَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ ، وَفِيهِ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ ، وَالْحَثُّ عَلَى الْخُشُوعِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ لِلْعِبَادَةِ وَاجْتِنَابُ الْمَكْرُوهَاتِ فِي الطَّاعَاتِ وَجَوَازُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ .
( فَائِدَةٌ ) : هَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامٍ فِي قِصَّةِ الْحَوْلَاءِ بِنْتِ تُوَيْتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ .