19 - بَاب مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تعالى : أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ وَقَالَ تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ وَالْحَجْرِ فِي ذَلِكَ وَمَا يُنْهَى عَنْ الْخِدَاعِ 2407 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ، فَقَالَ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي التِّلَاوَةِ . قَوْلُهُ وَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ ، وَالنَّسَفِيِّ لَا يُحِبُّ بَدَلَ لَا يُصْلِحُ ، قِيلَ : وَهُوَ سَهْوٌ ، وَوَجْهُهُ عِنْدِي - إِنْ ثَبَتَ - أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التِّلَاوَةَ لِأَنَّ أَصْلَ التِّلَاوَةِ : إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ - إِلَى قَوْلِهِ - مَا نَشَاءُ ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنْ إِفْسَادِهَا فَقَالُوا ذَلِكَ ، أَيْ : إِنْ شِئْنَا حَفِظْنَاهَا وَإِنْ شِئْنَا طَرَحْنَاهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الْآيَةَ قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُرَادِ بِالسُّفَهَاءِ : الصَّوَابُ عِنْدَنَا أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ سَفِيهٍ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَالسَّفِيهُ هُوَ الَّذِي يُضَيِّعُ الْمَالَ وَيُفْسِدُهُ بِسُوءِ تَدْبِيرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَالْحَجْرِ فِي ذَلِكَ ) أَيْ فِي السَّفَهِ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : إِضَاعَةِ الْمَالِ وَالْحَجْرُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ ، وَفِي الشَّرْعِ : الْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ ، فَتَارَةً يَقَعُ لِمَصْلَحَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَتَارَةً لِحَقِّ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ الْحَجْرِ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَوَافَقَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمْ أَرَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْعَ الْحَجْرِ عَنِ الْكَبِيرِ وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى نَجْدَةَ وَكَتَبَتْ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ ، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا أَخَذَ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُنْهَى عَنِ الْخِدَاعِ ) أَيْ فِي حَقِّ مَنْ يُسِيءُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ . ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الَّذِي كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ ، وَفِيهِ تَوْجِيهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ لِلْحَجْرِ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَرَدُّ قَوْلِ مَنِ احْتَجَّ بِهِ لِمَنْعِ ذَلِكَ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال · ص 82 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ينهى عن إضاعة المال · ص 245 باب ما ينهى عن إضاعة المال وقول الله تعالى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ و إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وقال في قوله تعالى أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ وقال تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ والحجر في ذلك وما ينهى عن الخداع أي هذا باب في بيان النهي عن إضاعة المال ، وكلمة ما مصدرية ، وإضاعة المال صرفه في غير وجهه ، وقيل : إنفاقه في غير طاعة الله تعالى والإسراف والتبذير . قوله وقول الله بالجر عطف على ما قبله ، قوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ كذا وقع في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية النسفي : إن الله لا يحب الفساد ، والأول هو الذي وقع في التلاوة ، والثاني سهو من الناسخ ، والفساد خلاف الصلاح . قوله ولا يصلح عمل المفسدين كذا وقع في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية ابن شبويه والنسفي لا يحب بدل لا يصلح ، وأصل التلاوة إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وغير هذا سهو من الكاتب ، وقيل : يحتمل أنه لم يقصد التلاوة ، قلت : فيه بعد لا يخفى . قوله أَصَلاتُكَ في سورة هود ، وأولها قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ إلى قوله إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات ، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم أصلواتك تأمرك السخرية والهزء ، وإسناد الأمر إلى الصلاة على طريق المجاز ، قوله أَنْ نَتْرُكَ أي بأن نترك أي بترك ما يعبد آباؤنا ، قوله أَوْ أَنْ نَفْعَلَ أي أتأمرنا صلواتك بأن نفعل في أموالنا ما تشاء أنت وهو ما كان يأمرهم من ترك التطفيف والبخس ، وقال زيد بن أسلم : كان مما ينهاهم شعيب عليه الصلاة والسلام عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم ، وكانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة ، وكانوا يتعاملون بالصحاح عددا وبالمكسور وزنا ويبخسون ، قوله إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قول منهم على سبيل الاستهزاء ونسبتهم إياه إلى غاية السفه ، ووجه ذكر هذه الآية في هذه الترجمة في قوله أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ لأن تصرفهم في الدراهم والدنانير على الوجه الذي ذكرناه إضاعة للمال ، وكان شعيب عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن ذلك فلما لم يتركوا هذه الفعلة عذبهم الله تعالى ، قوله وقال أي وقال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ هذه الآية في النساء ، وتمامها الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ووجه ذكر هذه الآية هنا أيضا هو أن إيتاء الأموال للسفهاء إضاعتها ، وقال الضحاك عن ابن عباس : المراد بالسفهاء النساء والصبيان ، وقال سعيد بن جبير : هم اليتامى ، وقال قتادة وعكرمة ومجاهد : هم النساء ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها ، وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا حرب بن شريح ، عن معاوية بن قرة ، عن أبي هريرة : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ قال : الخدم وهم شياطين الأنس ، قوله قياما أي تقوم بها معايشكم من التجارات وغيرها ، قوله وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وعن ابن عباس : لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه وأنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم . وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم : رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ورجل كان له دين على رجل فلم يشهد عليه . وقال مجاهد : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا يعني في البر والصلة ، قوله والحجر في ذلك بالجر عطف على قوله إضاعة المال أي الحجر في ذلك أي في السفه ، وقال ابن كثير في تفسيره : ويؤخذ الحجر على السفهاء من هذه الآية ، أعني قوله وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ وهم أقسام : فتارة يكون الحجر على الصغير فإنه مسلوب العبارة ، وتارة يكون الحجر للجنون ، وتارة يكون لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين ، وتارة يكون الحجر للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها ، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه ، انتهى . والسفيه هو الذي يضيع ماله ويفسده بسوء تدبيره ، والحجر في اللغة : المنع ، وفي الشرع : المنع من التصرف في المال ، وقال أصحابنا : السفه هو العمل بخلاف موجب الشرع واتباع الهوى ، ومن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة والتصرف لا لغرض أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضا ؛ مثل دفع المال إلى المغني واللعاب ، وشراء الحمام الطيارة بثمن غال ، والغبن في التجارات من غير محمدة . وأبو حنيفة لا يرى الحجر بسبب السفه ، وبه قال زفر ، وهو مذهب إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين ، وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يحجر على السفيه ، روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، واحتج أبو حنيفة بحديث ابن عمر الذي يأتي الآن : إذا بايعت فقل لا خلابة ، فإنه صلى الله عليه وسلم وقف على أنه كان يغبن في البيوع فلم يمنعه من التصرف ولا حجر عليه ، وحجة الآخرين الآية المذكورة ، وهي قوله وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الآية ، قوله وما ينهى عن الخداع عطف على ما قبله ، وتقديره أي باب في بيان كذا وكذا وفي بيان ما ينهى عن الخداع أي في البيوع . 21 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أخدع في البيوع ، فقال : إذا بايعت ، فقل : لا خلابة ، فكان الرجل يقوله . مطابقته للترجمة من حيث إن الرجل كان يغبن في البيوع وهو من إضاعة المال ، والحديث قد مر في البيوع في باب ما يكره من الخداع في البيع ، فإنه أخرجه هناك عن عبيد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن عبد الله بن دينار إلى آخره ، وأخرجه هنا عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن دينار إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك ، والخلابة بكسر الخاء المعجمة الخداع .