13 - بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ 20 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ ، قَالُوا : إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هُوَ مُضَافٌ بِلَا تَرَدُّدٍ . قَوْلُهُ : ( أَنَا أَعْلَمُكُمْ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَعْرَفُكُمْ وَكَأَنَّهُ مَذْكُورٌ بِالْمَعْنَى حَمْلًا عَلَى تَرَادُفِهِمَا هُنَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ هُنَا وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُصَنِّفِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ ) بِفَتْحِ أَنَّ وَالتَّقْدِيرُ : بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ . وَوَرَدَ بِكَسْرِهَا وَتَوْجِيهِهِ ظَاهِرٌ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُوَ خِلَافُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ . قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِهِ تَعَالَى ) مُرَادُهُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِانْضِمَامِ الِاعْتِقَادِ إِلَيْهِ ، وَالِاعْتِقَادُ فِعْلُ الْقَلْبِ . وَقَوْلُهُ : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أَيْ : بِمَا اسْتَقَرَّ فِيهَا ، وَالْآيَةُ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْأَيْمَانِ بِالْفَتْحِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا فِي الْإِيمَانِ بِالْكَسْرِ وَاضِحٌ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى ، إِذْ مَدَارُ الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا عَلَى عَمَلِ الْقَلْبِ . وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِتَفْسِيرِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَإِنَّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ قَالَ : هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا كَافِرٌ ، قَالَ : لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَعْقِدَ بِهِ قَلْبُهُ ، فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ، وَظَهَرَ وَجْهُ دُخُولِهِمَا فِي مَبَاحِثِ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْكَرَامِيَّةِ : إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ فَقَطْ ، وَدَلِيلًا عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ دَرَجَاتٌ ، وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ . وَالْعِلْمُ بِاللَّهِ يَتَنَاوَلُ مَا بِصِفَاتِهِ وَمَا بِأَحْكَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ، فَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ حَقًّا . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ فَقِيلَ : الْمَعْرِفَةُ ، وَقِيلَ النَّظَرُ ، وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ : لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ خِطَابًا وَمَقْصُودًا الْمَعْرِفَةُ ، وَأَوَّلُ وَاجِبٍ اشْتِغَالًا وَأَدَاءً الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ . وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ كَبِيرٌ وَمُنَازَعَةٌ طَوِيلَةٌ ، حَتَّى نَقَلَ جَمَاعَةٌ الْإِجْمَاعَ فِي نَقِيضِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى قَبُولِ الْإِسْلَامَ مِمَّنْ دَخَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَنْقِيبٍ ، وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَذُبُّونَ عَنْ دِينِهِمْ وَيُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ ، فَرُجُوعُهُمْ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى ظُهُورِ الْحَقِّ لَهُمْ . وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْمَذْكُورَةَ يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى نَظَرٍ ، بِخِلَافِ مَا قَرَّرُوهُ . وَمَعَ ذَلِكَ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَحَدِيثُ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، ظَاهِرَانِ فِي دَفْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَصْلِهَا ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ نَقَلَ الْقُدْوَةُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيِّ - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْأَشَاعِرَةِ - أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَسَائِلِ الْمُعْتَزِلَةِ بَقِيَتْ فِي الْمَذْهَبِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ أَنَّ أَفْعَالَ الْقُلُوبِ يُؤَاخَذُ بِهَا إِنِ اسْتَقَرَّتْ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ . قُلْتُ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِذَلِكَ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ أَوْ تَعْمَلْ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَكْمِلَةٌ تُذْكَرُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ) هُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : هُوَ بِتَشْدِيدِهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ نَفْسِهِ وَهُوَ أَخْبَرَ بِأَبِيهِ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْأَكْثَرِ مَشَايِخَ بَلَدِهِ . وَقَدْ صَنَّفَ الْمُنْذِرِيُّ جُزْءًا فِي تَرْجِيحِ التَّشْدِيدِ ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ : حَدَّثَنَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ هِشَامٍ ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا أَمَرَهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ ، وَكَذَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ وَلَفْظُهُ كَانَ إِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالشَّيْءِ قَالُوا : وَالْمَعْنَى كَانَ إِذَا أَمَرَهُمْ بِمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ دُونَ مَا يَشُقُّ خَشْيَةَ أَنْ يَعْجِزُوا عَنِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ ، وَعَمِلَ هُوَ بِنَظِيرِ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنَ التَّخْفِيفِ ، طَلَبُوا مِنْهُ التَّكْلِيفَ بِمَا يَشُقَّ ، لِاعْتِقَادِهِمِ احْتِيَاجُهُمْ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْعَمَلِ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ دُونَهُ ، فَيَقُولُونَ : لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ فَيَغْضَبُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حُصُولَ الدَّرَجَاتِ لَا يُوجِبُ التَّقْصِيرَ فِي الْعَمَلِ ، بَلْ يُوجِبُ الِازْدِيَادَ شُكْرًا لِلْمُنْعِمِ الْوَهَّابِ ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا . وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ لِيُدَاوِمُوا عَلَيْهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ ، وَعَلَى مُقْتَضَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ تَكْرِيرِ أَمَرَهُمْ يَكُونُ الْمَعْنَى : كَانَ إِذَا أَمَرَهُمْ بِعَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ أَمَرَهُمْ بِمَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ ، فَأَمَرَهُمُ الثَّانِيَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ ، وَقَالُوا : جَوَابُ ثَانٍ . قَوْلُهُ : ( كَهَيْئَتِكَ ) أَيْ : لَيْسَ حَالُنَا كَحَالِكَ . وَعَبَّرَ بِالْهَيْئَةِ تَأْكِيدًا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ ، الْأُولَى : أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تُرَقِّي صَاحِبَهَا إِلَى الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّةِ مِنْ رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَمَحْوِ الْخَطِيئَاتِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلَالَهُمْ وَلَا تَعْلِيلَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، بَلْ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى . الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْعِبَادَةِ وَثَمَرَاتِهَا كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُ إِلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا ، اسْتِبْقَاءً لِلنِّعْمَةِ ، وَاسْتِزَادَةً لَهَا بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا . الثَّالِثَةُ : الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ الشَّارِعُ مِنْ عَزِيمَةٍ وَرُخْصَةٍ ، وَاعْتِقَادُ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْأَرْفَقِ الْمُوَافِقِ لِلشَّرْعِ أَوْلَى مِنَ الْأَشَقِّ الْمُخَالِفِ لَهُ . الرَّابِعَةُ : أَنَّ الْأَوْلَى فِي الْعِبَادَةِ الْقَصْدُ وَالْمُلَازَمَةُ ، لَا الْمُبَالَغَةُ الْمُفْضِيَةُ إِلَى التَّرْكِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُنْبَتُّ - أَيِ الْمُجِدُّ فِي السَّيْرِ - لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى . الْخَامِسَةُ : التَّنْبِيهُ عَلَى شِدَّةِ رَغْبَةِ الصَّحَابَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَطَلَبِهِمُ الِازْدِيَادَ مِنَ الْخَيْرِ . السَّادِسَةُ : مَشْرُوعِيَّةُ الْغَضَبِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ ، وَالْإِنْكَارِ عَلَى الْحَاذِقِ الْمُتَأَهِّلِ لِفَهْمِ الْمَعْنَى إِذَا قَصَّرَ فِي الْفَهْمِ ، تَحْرِيضًا لَهُ عَلَى التَّيَقُّظِ . السَّابِعَةُ : جَوَازُ تَحَدُّثِ الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلٍ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الْمُبَاهَاةِ وَالتَّعَاظُمِ . الثَّامِنَةُ : بَيَانُ أَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُتْبَةَ الْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِي الْحِكْمَتَيْنِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ أَعْلَمُكُمْ وَإِلَى الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ أَتْقَاكُمْ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ لَأَنَا بِزِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَاللَّهِ إِنَّ أَبَرَّكُمْ وَأَتْقَاكُمْ أَنَا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ إِقَامَةُ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ مَقَامَ الْمُتَّصِلِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَ أَكْثَرِ النُّحَاةِ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ وَأَوَّلُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ : وَإِنَّمَا يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي ، بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُقَدَّرٌ ، أَيْ : وَمَا يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ إِلَّا أَنَا . قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : وَالَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، يَشْهَدُ لِلْجَوَازِ بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ ، لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْ هِشَامٍ فَرْدٌ مُطْلَقٌ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى مَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يُوَاجَهْ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ تَعْيِينُ الْمَأْمُورِ بِهِ . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ · ص 88 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قول النبي أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب · ص 79 فصل قال البخاري : 13 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله ، وأن المعرفة فعل القلب ؛ لقوله تعالى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ مراده بهذا التبويب أن المعرفة بالقلب التي هي أصل الإيمان فعل للعبد وكسب له ، واستدل بقوله تعالى : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ فجعل للقلوب كسبا كما جعل للجوارح الظاهرة كسبا . والمعرفة هي مركبة من تصور وتصديق ، فهي تتضمن علما وعملا وهو تصديق القلب ، فإن التصور قد يشترك فيه المؤمن والكافر ، والتصديق يختص به المؤمن ، فهو عمل قلبه وكسبه . وأصل هذا أن المعرفة مكتسبة ؛ تدرك بالأدلة ، وهذا قول أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم ، ورجحه ابن جرير الطبري ، وروى بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه قال : أهل السنة يقولون : الإيمان المعرفة والقول والعمل . وقالت طائفة : إنها اضطرارية لا كسب فيها ، وهو قول بعض أصحابنا وطوائف من المتكلمين والصوفية وغيرهم .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قول النبي أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب · ص 80 وخرج البخاري في هذا الباب 20 - حديث هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون ، قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله ؛ إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا . كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بما يطيقون من الأعمال ، وكانوا لشدة حرصهم على الطاعات يريدون الاجتهاد في العمل ، فربما اعتذروا عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفق ، واستعماله له في نفسه أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له ، وهم غير مضمون لهم المغفرة ؛ فهم محتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يغضب من ذلك ، ويخبرهم أنه أتقاهم لله وأعلمهم به . فكونه أتقاهم لله يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل ، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله . وإنما أراد علمه بالله لمعنيين : أحدهما : زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته وكبريائه ، وما يستحقه من الجلال والإكرام والإجلال والإعظام . والثاني : أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين ؛ فإنه رآه إما بعين بصره أو بعين بصيرته ، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما : رآه بفؤاده مرتين . وعلمهم به مستند إلى علم يقين ، وبين المرتبتين تباين ؛ ولهذا سأل إبراهيم - عليه السلام - ربه أن يرقيه من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين ، بالنسبة إلى رؤية إحياء الموتى . وقد سبق التنبيه على ذلك ، والكلام في تفاصيل المعرفة القائمة بالقلب . فلما زادت معرفة الرسول بربه زادت خشيته له وتقواه ؛ فإن العلم التام يستلزم الخشية كما قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى ، وإنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله . وقد خرج البخاري في آخر صحيحه عن مسروق قال : قالت عائشة : صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ فوالله ، إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ! وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ، فأغتسل وأصوم . فقال الرجل : يا رسول الله ، إنك لست مثلنا ؛ قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي ! وفي حديث أنس أن ثلاثة رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؛ فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا ! فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني . وقد خرجاه في الصحيحين بمعناه . ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة ؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد . فإذا عوتب على ذلك ، وذكرت له المغفرة - أخبر أنه يفعل ذلك شكرا كما في الصحيحين عن المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم حتى تتفطر قدماه ، فيقال له : تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : أفلا أكون عبدا شكورا ! وقد كان يواصل في الصيام وينهاهم ، ويقول : إني لست كهيئتكم ؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش ؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدي وأفضله ، وهذا خطأ عظيم ؛ ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته : خير الهدي هدي محمد . ويقتضي أيضا هذا الخطأ أن الاقتداء به في العمل ليس هو أفضل ؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك ، وهذا خطأ عظيم جدا ؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها ، قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فلهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يغضب من ذلك غضبا شديدا ؛ لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته ، والاقتداء به . وفي رواية للإمام أحمد : والله ، إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا ! وقوله في الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا - فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل ، وهو ممنوع عند أكثر النحاة إلا للضرورة كقول الشاعر : ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير وإنما يجوز اختيارا إذا لم يتأت الإتيان بالمتصل مثل أن تبتدأ بالضمير قبل عامله نحو : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ؛ فإنه لا يبتدأ بضمير متصل ، أو يقع بعد نحو : إلا إياه . فأما قول الشاعر : أن لا يجاورنا إلاك ديار فشاذ . وأما قوله : وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فهو عندهم متأول على أن فيه معنى الاستثناء ، كأنه قال : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا . ولكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة ، ويكون حينئذ قوله : إنما يدافع عن أحسابهم أنا - شاهدا له غير محتاج إلى تأويل ، والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب · ص 164 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم أي : هذا باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ، والإضافة هاهنا متعينة ، وقوله : أنا أعلمكم بالله مقول القول ، كذا في رواية أبي ذر ، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه ، وفي رواية الأصيلي : أعرفكم ، فعن قريب يأتي الفرق بين المعرفة والعلم . وجه المناسبة بين البابين أن الباب الأول يبين فيه أن من الدين الفرار من الفتن ، وهذا لا يكون إلا على قدر قوة دين الرجل حيث يحفظ دينه ويعتزل الناس خوفا من الفتن ، وقوة الدين تدل على قوة المعرفة بالله تعالى ، فكلما كان الرجل أقوى في دينه كان أقوى في معرفة ربه ، ومن هذا الباب يبين أن أعرف الناس بالله تعالى هو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا جرم ، هو أقوى دينا من الكل . وبقي الكلام هاهنا في ثلاثة مواضع : الأول : أن هذا كتاب الإيمان ، فما وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان . والثاني : ما مناسبة قوله : وأن المعرفة فعل القلب بما قبله ، ولا تعلق للحديث به أصلا ، ولا دلالة له عليه ، لا عقلا ولا وضعا . والثالث : ما مناسبة ذكر قوله تعالى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ هاهنا ، فلا تعلق له بالإيمان ؛ لأنه في الإيمان ، ولا تعلق له بالباب أيضا ؟ قلت : أما وجه الأول فهو أن المعرفة بالله تعالى والعلم به من الإيمان ، فحينئذ دخل في كتاب الإيمان ، وفيه رد على الكرامية ؛ لأنهم يقولون : إن الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، وزعموا أن المنافق مؤمن في الظاهر ، وكافر في السريرة ، فيثبت له حكم المؤمنين في الدنيا ، وحكم الكافرين في الآخرة ، وأشار البخاري بالرد عليهم بأن الإيمان هو أو بعضه فعل القلب بالحديث المذكور . وأما وجه الثاني فهو أن الصحابة رضي الله عنهم لما أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : لا يتهيأ لكم ذلك لأني أعلمكم ، والعلم من جملة الأفعال ، بل من أشرفها ؛ لأنه عمل القلب ، فناسب قوله : وأن المعرفة فعل القلب بما قبله . وأما وجه الثالث فهو أنه أراد أن يستدل بالآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم ، ولا بد من انضمام العقيدة إليه ، ولا شك أن الاعتقاد فعل القلب ، فهو مناسب لقوله : وأن المعرفة فعل القلب ، ولا يضر استدلاله كون مورد الآية في الأيمان بالفتح ؛ لأن مدار العلم فيها أيضا على عمل القلب فنبه البخاري هاهنا على شيئين : أحدهما : الرد على الكرامية الذي هو متفق عليه بالوجه الذي ذكرنا . والآخر الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه على مقتضى مذهبه ؛ لأن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنا أعلمكم بالله يدل ظاهرا على أن الناس متفاوتون في معرفة الله تعالى ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعلمهم ، فإذا كان كذلك يكون الإيمان قابلا للزيادة والنقصان . قوله : وأن المعرفة ، بفتح الهمزة عطفا على القول لا على المقول ، وإلا لكان تكرارا ؛ إذ المقول ، وما عطف عليه حكمهما واحد ، ويجوز كسر إن ، ويكون كلاما مستأنفا . قوله : لقول الله تعالى استدلال بهذه الآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم . قوله : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، أي : بما عزمت عليه قلوبكم ، وقصدتموه إذ كسب القلب عزمه ونيته ، وفي الآية دليل لما عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها ، وقوله عليه السلام : إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به محمول على ما إذا لم يستقر ، وذلك معفو عنه بلا شك ؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار . فإن قلت : ما حقيقة المعرفة ؟ قلت : في اللغة : المعرفة مصدر عرفته أعرفه ، وكذلك العرفان ، وأما في اصطلاح أهل الكلام فهي معرفة الله تعالى بلا كيف ولا تشبيه . والفرق بينها وبين العلم أن المعرفة عبارة عن الإدراك الجزئي ، والعلم عن الإدراك الكلي . وبعبارة أخرى العلم إدراك المركبات ، والمعرفة إدراك البسائط ، وهذا مناسب لما يقوله أهل اللغة من أن العلم يتعدى إلى مفعولين ، والمعرفة إلى مفعول واحد ، وقال إمام الحرمين : أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى ، وقد استدل عليه بقوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ واختلف في أول واجب على المكلف ، فقيل : معرفة الله تعالى ، وقيل : النظر ، وقيل : القصد إلى النظر الصحيح ، وقال الإمام الذي أراه أنه لا اختلاف بينهما فإن أول واجب خطابا ومقصودا المعرفة ، وأول واجب اشتغالا وأداء القصد ، فإن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ، ولا يتوصل إلى المعارف إلا بالقصد . 1 - حدثنا محمد بن سلام ، قال : أخبرنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله ، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة فإنها جزء منه . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو عبد الله محمد بن سلام بن الفرج السلمي مولاهم البخاري البيكندي سمع ابن عيينة ، وابن المبارك ، وغيرهما من الأعلام ، وعنه الأعلام الحفاظ كالبخاري ونحوه أنفق في العلم أربعين ألفا ، ومثلها في نشره ، ويقال : إن الجن كانت تحضر مجلسه ، وقال : أدركت مالكا ، ولم أسمع منه ، وكان أحمد يعظمه ، وعنه أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب ، وله رحلة ، ومصنفات في أبواب من العلم ، وانكسر قلمه في مجلس شيخ ، فأمر أن ينادى قلم بدينار فطارت إليه الأقلام ، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين ، وانفرد البخاري به عن الكتب الستة . ثم اعلم أن سلاما والد محمد المذكور بالتخفيف على الصواب ، وبه قطع المحققون ، منهم : الخطيب ، وابن ماكولا ، وهو ما ذكره غبخار في ( تاريخ بخارى ) ، وهو أعلم ببلاده ، وحكاه أيضا عنه ، فقال : قال سهل بن المتوكل : سمعت محمد بن سلام يقول : أنا محمد بن سلام بالتخفيف ، ولست بمحمد بن سلام ، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن ، وأما صاحب ( المطالع ) فادعى أن التشديد رواية الأكثرين ، ولعله أراد أكثر شيوخ بلده . وقال النووي : لا يوافق على هذه الدعوى فإنها مخالفة للمشهور . الثاني : أبو محمد عبدة بسكون الباء ابن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن سمير بن مليك بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي ، هكذا نسبه محمد بن سعد في ( الطبقات ) ، وقيل : اسمه عبد الرحمن وعبدة لقبه ، سمع جماعة من التابعين ، منهم هشام ، والأعمش ، وعنه الأعلام أحمد وغيره ، قال أحمد : ثقة ثقة ، وزيادة مع صلاح ، وقال العجلي : ثقة رجل صالح صاحب قرآن ، توفي بالكوفة في جمادى ، وقيل : في رجب سنة ثمان وثمانين ومائة . قال الترمذي ، وقال البخاري : سنة سبع ، روى له الجماعة . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبو عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة رضي الله عنها ، وقد ذكروا في باب الوحي . ( بيان الأنساب ) السلمي ، بضم السين ، وفتح اللام في قيس غيلان ، وفي الأزد ، فالذي في قيس غيلان سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان ، والذي في الأزد سليم بن بهم بن غنم بن دوس ، وهو من شاذ النسب ، وقياسه سليمي . البخاري نسبة إلى بخارى ، بضم الباء الموحدة مدينة مشهورة بما وراء النهر خرجت منها العلماء ، والصلحاء ، ويشتمل على بخارى ، وعلى قراها ، ومزارعها سور واحد نحو اثني عشر فرسخا في مثلها ، وقال ابن حوقل : ورساتيق بخارى تزيد على خمسة عشر رستاقا ، جميعها داخل الحائط المبني على بلادها ، ولها خارج الحائط أيضا عدة مدن منها فربر ، وغيرها البيكندي بباء موحدة مكسوة ، ثم ياء آخر الحروف ساكنة ، ثم كاف مفتوحة ، ثم نون ساكنة ، نسبة إلى بيكند بلدة من بلاد بخارى على مرحلة منها خربت ، ويقال : الباكندي أيضا ، ويقال : بالفاء أيضا الفاكندي ، وينسب إليها ثلاثة أنفس انفرد البخاري بهم ، أحدهم محمد بن سلام المذكور ، وثانيهم محمد بن يوسف ، وثالثهم يحيى بن جعفر الكلابي في قيس غيلان ، ينسب إلى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه تحديثا ، وإخبارا ، وعنعنة ، والإخبار في قوله : أخبرنا عبيدة بن سليمان . وفى رواية الأصيلي : حدثنا . ومنها أن إسناده مشتمل على بخاري ، وكوفي ، ومدني . ومنها أن رواته أئمة أجلاء . ( بيان من أخرجه ) هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم ، وهو من غرائب الصحيح ، لا يعرف إلا من هذا الوجه ، وهو مشهور عن هشام ، فرد مطلق من حديثه ، عن أبيه ، عن عائشة . ( بيان اللغات ) . قوله : بما يطيقون من أطاق يطيق إطاقة ، وطوقتك الشيء ، أي : كلفتك به . قوله : كهيئتك الهيئة الحالة والصورة ، وفي ( العباب ) الهيئة : الشارة ، وفلان حسن الهيئة ، والهيئة بالفتح ، والكسر ، والهيء على فيعل الحسن الهيئة من كل شيء ، يقال : هاء يهاء هيئة . قوله : إن الله قد غفر الغفر في اللغة الستر ، وفي ( العباب ) الغفر التغطية ، والغفر ، والغفران ، والمغفرة واحد ، ومغفرة الله لعبده إلباسه إياه العفو ، وستر ذنوبه . قوله : فيغضب من غضب عليه غضبا ومغضبة ، أي : سخط ، وقال ابن عرفة : الغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم ، ويكون منه محمود ومذموم ، والمذموم ما كان في غير الحق ، وأما غضب الله تعالى فهو إنكاره على من عصاه فيعاقبه . وقال الطحاوي رحمه الله : إن الله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى . قال في ( العباب ) : وأصل التركيب يدل على شدة وقوة . ( بيان الإعراب ) . قوله : رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم اسم كان وخبره . قوله : إذا أمرهم قوله : قالوا جواب إذا قوله : لسنا كهيئتك ليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه الصلاة والسلام ، فلا بد من تأويل في أحد الطرفين ، فقيل : المراد من كهيئتك كمثلك ، أي : كذاتك أو كنفسك ، وزيد لفظ الهيئة للتأكيد نحو : مثلك لا يبخل أو التقدير في لسنا ليس حالنا ، فحذف الحال وأقيم المضاف إليه مقامه ، واتصل الفعل بالضمير ، فقيل : لسنا ، فالنون اسم ليس وخبره . قوله : كهيئتك . قوله : ما تقدم جملة في محل النصب على أنها مفعول غفر ، وكلمة من بيانية ، وقوله ، وما تأخر عطف عليه ، والتقدير : وما تأخر من ذنبك . قوله : فيغضب على صورة المضارع فهو وإن كان بلفظ المضارع ، ولكن المقصود حكاية الحال الماضية ، واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين ، وفي أكثر النسخ : فغضب بلفظ الماضي . قوله : حتى يعرف الغضب على صيغة المجهول ، والغضب مرفوع به ، وإما يعرف فإنه منصوب بتقدير أن ، أي : حتى أن يعرف الغضب ، والنصب هو الرواية ، ويجوز فيه الرفع بأن يكون عطفا على فيغضب فافهم . قوله : إن أتقاكم ، أي : أكثركم تقوى وخشية من الله تعالى ، واتقاكم اسم إن ، وأعلمكم عطف عليه ، وقوله : أنا خبره ، وفي كتاب أبي نعيم ، وأعلمكم بالله ؛ لأنا بزيادة لام التأكيد . ( بيان المعاني ) . قوله : إذا أمرهم من الأعمال ، أي : إذا أمر الناس بعمل أمرهم بما يطيقون ظاهره أنه كان يكلفهم بما يطاق فعله ، لكن السياق دل على أن المراد أنه يكلفهم بما يطاق الدوام على فعله ، ووقع في معظم الروايات : كان إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بتكرار أمرهم ، وفي بعضها : أمرهم مرة واحدة ، وهو الذي وقع في طرق هذا الحديث من طريق عبدة ، وكذا من طريق ابن نمير وغيره عن هشام عند أحمد ، وكذا ذكره الإسماعيلي من رواية أبي أسامة عن هشام ، ولفظه : كان إذا أمر الناس بالشيء قالوا ، والمعنى على التكرير كان إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه فأمرهم . الثاني : يكون جواب الشرط . فإن قلت : فعلى هذا ما يكون . قوله : قالوا . قلت : يكون جوابا ثانيا . قوله : إنا لسنا كهيأتك ، أرادوا بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة ، والرغبة في الخير ، يقولون : أنت مغفور لك ، لا تحتاج إلى عمل ، ومع هذا أنت مواظب على الأعمال فكيف بنا وذنوبنا كثيرة ؟ فرد عليهم ، وقال : أنا أولى بالعمل ؛ لأني أعلمكم وأخشاكم . قوله : إن الله قد غفر لك اقتباس من قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وقد عرفت ما في هذا التركيب من المؤكدات . فإن قلت : النبي صلى الله عليه وسلم معصوم عن الكبائر والصغائر ، فما ذنبه الذي غفر له ؟ قلت : المراد منه ترك الأولى والأفضل بالعدول إلى الفاضل ، وترك الأفضل كأنه ذنب لجلالة قدر الأنبياء عليهم السلام ، ويقال : المراد منه ذنب أمته . قوله : أتقاكم إشارة إلى كمال القوة العملية ، و أعلمكم إلى كمال القوة العلمية ، ولما كان عليه السلام جامعا لأقسام التقوى حاويا لأقسام العلوم ما خصص التقوى ولا العلم ، وأطلق ، وهذا قريب مما قال علماء المعاني : قد يقصد بالحذف إفادة العموم والاستغراق ، ويعلم منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه أفضل من كل واحد ، وأكرم عند الله ، وأكمل ؛ لأن كمال الإنسان منحصر في الحكمتين العلمية والعملية ، وهو الذي بلغ الدرجة العليا ، والمرتبة القصوى منهما يجوز أن يكون أفضل وأكرم وأكمل من الجميع حيث قال : أتقاكم وأعلمكم خطابا للجميع . ( بيان استنباط الفوائد ) ، وهو على وجوه : الأول : أن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية من رفع الدرجات ، ومحو الخطيئات ؛ لأنه عليه السلام لم ينكر عليهم استدلالهم من هذه الجهة بل من جهة أخرى . الثاني : أن العبادة الأولى فيها القصد وملازمة ما يمكن الدوام عليه . الثالث : أن الرجل الصالح ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في العمل اعتمادا على صلاحه . الرابع : أن الرجل يجوز له الإخبار بفضيلته إذا دعت إلى ذلك حاجة . الخامس : أنه ينبغي أن يحرص على كتمانها فإنه يخاف من إشاعتها زوالها . الثالث : فيه جواز الغضب عند رد أمر الشرع ، ونفوذ الحكم في حال الغضب ، والتغير . السابع : فيه دليل على رفق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأمته ، وأن الدين يسر ، وأن الشريعة حنيفية سمحة . الثامن : فيه الإشارة إلى شدة رغبة الصحابة في العبادة ، وطلبهم الازدياد من الخير .