باب قول النبي أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب
حديث هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون ، قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله ؛ إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا . كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بما يطيقون من الأعمال ، وكانوا لشدة حرصهم على الطاعات يريدون الاجتهاد في العمل ، فربما اعتذروا عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفق ، واستعماله له في نفسه أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له ، وهم غير مضمون لهم المغفرة ؛ فهم محتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يغضب من ذلك ، ويخبرهم أنه أتقاهم لله وأعلمهم به . فكونه أتقاهم لله يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل ، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله .
وإنما أراد علمه بالله لمعنيين : أحدهما : زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته وكبريائه ، وما يستحقه من الجلال والإكرام والإجلال والإعظام . والثاني : أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين ؛ فإنه رآه إما بعين بصره أو بعين بصيرته ، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما : رآه بفؤاده مرتين . وعلمهم به مستند إلى علم يقين ، وبين المرتبتين تباين ؛ ولهذا سأل إبراهيم - عليه السلام - ربه أن يرقيه من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين ، بالنسبة إلى رؤية إحياء الموتى .
وقد سبق التنبيه على ذلك ، والكلام في تفاصيل المعرفة القائمة بالقلب . فلما زادت معرفة الرسول بربه زادت خشيته له وتقواه ؛ فإن العلم التام يستلزم الخشية كما قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى ، وإنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله . وقد خرج البخاري في آخر صحيحه عن مسروق قال : قالت عائشة : صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ فوالله ، إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ! وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ، فأغتسل وأصوم .
فقال الرجل : يا رسول الله ، إنك لست مثلنا ؛ قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي ! وفي حديث أنس أن ثلاثة رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؛ فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا ! فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني . وقد خرجاه في الصحيحين بمعناه .
ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة ؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد . فإذا عوتب على ذلك ، وذكرت له المغفرة - أخبر أنه يفعل ذلك شكرا كما في الصحيحين عن المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم حتى تتفطر قدماه ، فيقال له : تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : أفلا أكون عبدا شكورا ! وقد كان يواصل في الصيام وينهاهم ، ويقول : إني لست كهيئتكم ؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش ؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدي وأفضله ، وهذا خطأ عظيم ؛ ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته : خير الهدي هدي محمد . ويقتضي أيضا هذا الخطأ أن الاقتداء به في العمل ليس هو أفضل ؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك ، وهذا خطأ عظيم جدا ؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها ، قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فلهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يغضب من ذلك غضبا شديدا ؛ لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته ، والاقتداء به .
وفي رواية للإمام أحمد : والله ، إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا ! وقوله في الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا - فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل ، وهو ممنوع عند أكثر النحاة إلا للضرورة كقول الشاعر : ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير وإنما يجوز اختيارا إذا لم يتأت الإتيان بالمتصل مثل أن تبتدأ بالضمير قبل عامله نحو : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ؛ فإنه لا يبتدأ بضمير متصل ، أو يقع بعد نحو : إلا إياه . فأما قول الشاعر : أن لا يجاورنا إلاك ديار فشاذ . وأما قوله : وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فهو عندهم متأول على أن فيه معنى الاستثناء ، كأنه قال : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا .
ولكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة ، ويكون حينئذ قوله : إنما يدافع عن أحسابهم أنا - شاهدا له غير محتاج إلى تأويل ، والله أعلم .