7 - بَاب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ؟ وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَقَالَ خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مُعَرِّفٌ . 2433 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا زكَرِيَّاءُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ ، فَقَالَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ قوله : ( بَابُ كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى إِثْبَاتِ لُقَطَةِ الْحَرَمِ ، فَلِذَلِكَ قَصَرَ التَّرْجَمَةَ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي النَّهْيِ عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ ، أَوْ إِلَى تَأْوِيلِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ الْتِقَاطِهَا لِلتَّمَلُّكِ لَا لِلْحِفْظِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ صَحَّحَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ . ثُمَّ لَيْسَ فِيمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ كَيْفِيَّةُ التَّعْرِيفِ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا . وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ طَاوُسٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْحَجِّ فِي بَابِ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ خَالِدٌ ) هُوَ الْحَذَّاءُ ( عَنْ عِكْرِمَةَ إِلَخْ ) هُوَ طَرَفٌ أَيْضًا ، وَصَلَهُ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ فِي بَابِ مَا قِيلَ فِي الصُّوَاعِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الرِّبَاطِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ طَاهِرٍ ، وَالدَّارِمِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا رَوْحٌ ) هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ ، وَزَكَرِيَّا هُـوَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّة · ص 104 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّة · ص 105 2434 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ من بَعْدِي فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُفْدَى ، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ، فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - فَقَالَ : اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ ، قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ : مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ) هُوَ الْبَلْخِيُّ ، وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ تَصْرِيحُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ بِالتَّحْدِيثِ مَعَ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً مِنَ الْمُدَلِّسِينَ فِي نَسَقٍ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ وَقَعَتْ عَقِبَ الْفَتْحِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَعَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ عَقِبَ قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ ، فَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ هَذَا بَيَانُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( الْقَتْلُ ) بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاةِ لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْفَاءِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ، وَالثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ أَيْضًا فِي الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) أَيْ مُعَرِّفٍ وَأَمَّا الطَّالِبُ فَيُقَالُ لَهُ : النَّاشِدُ ، تَقُولُ : نَشَدْتُ الضَّالَّةَ إِذَا طَلَبْتَهَا ، وَأَنْشَدْتُهَا إِذَا عَرَّفْتَهَا ، وَأَصْلُ الْإِنْشَادِ وَالنَّشِيدِ رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَالْمَعْنَى : لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَرِّفَهَا فَقَطْ ، فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهَا ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا فَلَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا عَدَا هَـذِهِ الْجُمْلَةَ فِي الْحَجِّ إِلَّا قَوْلَهُ : وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأُحِيلُ بِهِ عَلَى كِتَابِ الدِّيَاتِ ، وَإِلَّا قَوْلَهُ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ ، وَالْقَائِلُ : قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ الرَّاوِي ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ لَا تُلْتَقَطُ لِلتَّمْلِيكِ بَلْ لِلتَّعْرِيفِ خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِإِمْكَانِ إِيصَالِهَا إِلَى رَبِّهَا ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ لِلْمَكِّيِّ فَظَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْآفَاقِيِّ فَلَا يَخْلُو أُفُقٌ غَالِبًا مِنْ وَارِدٍ إِلَيْهَا ، فَإِذَا عَرَّفَهَا وَاجِدُهَا فِي كُلِّ عَامٍ سَهُلَ التَّوَصُّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ . وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : هِيَ كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ ، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ مَكَّةُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّ الْحَاجَّ يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ وَقَدْ لَا يَعُودُ فَاحْتَاجَ الْمُلْتَقِطُ بِهَا إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ . وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنِيرِ لِمَذْهَبِهِ بِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ ، لِأَنَّهُ نَفَى الْحِلَّ وَاسْتَثْنَى الْمُنْشِدَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ لِلْمُنْشِدِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ، قَالَ : وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا سَوَاءٌ ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا . وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّخْصِيصَ إِذَا وَافَقَ الْغَالِبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ يَيْأَسُ مُلْتَقِطُهَا مِنْ صَاحِبِهَا ، وَصَاحِبُهَا مِنْ وِجْدَانِهَا لِتَفَرُّقِ الْخَلْقِ إِلَى الْآفَاقِ الْبَعِيدَةِ ، فَرُبَّمَا دَاخَلَ الْمُلْتَقِطَ الطَّمَعُ فِي تَمَلُّكِهَا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَلَا يُعَرِّفُهَا فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَفَارَقَتْ فِي ذَلِكَ لُقَطَةُ الْعَسْكَرِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ فَإِنَّهَا لَا تُعَرَّفُ فِي غَيْرِهِمْ بِاتِّفَاقٍ ، بِخِلَافِ لُقَطَةِ مَكَّةَ فَيُشْرَعُ تَعْرِيفُهَا لِإِمْكَانِ عَوْدِ أَهْلِ أُفُقِ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ إِلَى مَكَّةَ فَيَحْصُلُ مُتَوَصَّلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : قَوْلُهُ : إِلَّا لِمُنْشِدٍ أَيْ لِمَنْ سَمِعَ نَاشِدًا يَقُولُ : مَنْ رَأَى لِي كَذَا ؟ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِوَاجِدِ اللُّقَطَةِ أَنْ يُعَرِّفَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَهُوَ أَضْيَقُ مِنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِحَالَةٍ لِلْمُعَرِّفِ دُونَ حَالَةٍ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمُنْشِدِ الطَّالِبُ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ تَسْمِيَةُ الطَّالِبِ مُنْشِدًا . قُلْتُ : وَيَكْفِي فِي رَدِّ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مُعَرِّفٌ وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَكَأَنَّ هَذَا هُـوَ النُّكْتَةُ فِي تَصْدِيرِ الْبُخَارِيِّ الْبَابَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ أَثْبَتَ الْحَرْبِيُّ جَوَازَ تَسْمِيَةِ الطَّالِبِ مُنْشِدًا وَحَكَاهُ عِيَاضٌ أَيْضًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لُقَطَةَ عَرَفَةَ وَالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَسَائِرِ الْبِلَادِ لِاخْتِصَاصِ مَكَّةَ بِذَلِكَ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَجْهًا فِي عَرَفَةَ أَنَّهَا تَلْتَحِقُ بِحُكْمِ مَكَّةَ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْحَاجَّ كَمَكَّةَ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا ، وَلَيْسَ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا أَصْلِهَا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَعْرِيفِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف تعرف لقطة أهل مكة · ص 274 ( باب كيف تعرف لقطة أهل مكة ) أي هذا باب يذكر فيه كيف تعرف بالتشديد من التعريف على صيغة المجهول ، وهذه الترجمة تبين إثبات لقطة الحرم ، وفيه رد على من يقول : لا يلتقط لقطة أهل الحرم ، واستدلوا في ذلك بما رواه مسلم بإسناده عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج ، وأجابت العامة عن ذلك بأن المراد التقاطها للتملك لا للحفظ ، وقد أوضح هذا حديث الباب ، وقيل : لم يبين أن كيفية لقطة الحرم مثل كيفية لقطة غيره في التعريف والتمليك أم هي مقتصرة على الحفظ فقط ( قلت ) : بل هي مقتصرة على الحفظ فقط يدل عليه حديث الباب ، واكتفى بما في الحديث عن تصريح ذلك في الترجمة . وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها . هذا قطعة من حديث وصلها البخاري في الحج في باب لا يحل القتال ، قوله : " لا يلتقط لقطتها " أي لقطة أهل مكة إلا من عرفها يعني للحفظ لصاحبها .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف تعرف لقطة أهل مكة · ص 274 وقال خالد عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلتقط لقطتها إلا لمعرف . خالد هو الحذاء ، وهذا أيضا قطعة وصلها البخاري في أوائل البيوع في باب ما قيل في الصواغ ، وقد مر الكلام فيه هناك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف تعرف لقطة أهل مكة · ص 274 ( وقال أحمد بن سعد ، قال : حدثنا روح ، قال : حدثنا زكرياء ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يعضد عضاهها ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلى خلاها ، فقال عباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فقال إلا الإذخر ) . اختلف في أحمد بن سعيد هذا فقال محمد بن طاهر المقدسي : هو أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي ، وقال أبو نعيم : هو أحمد بن سعيد الدارمي ، وروح هو ابن عبادة ، وزكرياء هو ابن إسحاق المكي ، ووصل هذا التعليق الإسماعيلي من طريق العباس بن عبد العظيم ، وأبو نعيم من طريق خلف بن سالم ، كلاهما عن روح بن عبادة . قوله : " لا يعضد " بالجزم أي لا يقطع ، وقال الكرماني بالجزم والرفع ، قلت : الجزم على أنه نهي ، والرفع على أنه نفي ، والعضاه شجر أم غيلان ، وكل شجر له شوك عظيم ، الواحدة عضة بالتاء ، وأصلها عضهة ، وقيل : واحدته عضاهة ، وعضهت العضاه إذا قطعتها ، قوله : " إلا لمنشد " وهو المعرف يقال : أنشدته أي عرفته ، وقال ابن بطال قيل : معنى المنشد من سمع ناشده يقول من أصاب كذا ، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها لكي يردها ، وقال النضر بن شميل : المنشد الطالب ، وهو صاحبها ، وقال أبو عبيد : لا يجوز في العربية أن يقال للطالب المنشد ، إنما هو المعرف ، والطالب الناشد ، وقيل : إنما لا يتملك لقطتها لإمكان إيصالها إلى ربها إن كانت للمكي فظاهر ، وإن كانت للغريب فيقصد في كل عام من أقطار الأرض إليها ، فيسهل التوصل إليها ، قوله : " ولا يختلى خلاها " الخلا مقصورا النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا ، واختلاؤه قطعه ، واختلت الأرض كثر خلاها ، فإذا يبس فهو حشيش ، والإذخر بكسر الهمزة حشيشة طيبة الرائحة ، يسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزتها زائدة ، قاله ابن الأثير ، واختلف العلماء في لقطة مكة فقالت طائفة : حكمها كحكم سائر البلدان ، وقال ابن المنذر : وروينا هذا القول عن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ، وقالت طائفة : لا تحل ألبتة وليس لواجدها إلا إنشادها ، وهو قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد بن سلام .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف تعرف لقطة أهل مكة · ص 275 6 - حدثنا يحيى بن موسى ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني أبو هريرة رضي الله عنه قال : لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي ، وإنها أحلت لي ساعة من نهار ، وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يفدى ، وإما أن يقيد . فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر ، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال : اكتبوا لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه قلت للأوزاعي : ما قوله : اكتبوا لي يا رسول الله ، قال : هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . مطابقته للترجمة في قوله : ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ؛ الأول : يحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكرياء السختياني البلخي يقال له خت . الثاني : الوليد بن مسلم بلفظ الفاعل من الإسلام . الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي . الرابع : يحيى بن أبي كثير ، واسم أبي كثير صالح . الخامس : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وهذا من الغرائب أن كل واحد من الرواة صرح بالتحديث ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن الوليد والأوزاعي شاميان ، ويحيى يمامي وأبو سلمة مدني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه ثلاثة من المدلسين على نسق واحد . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الحج عن زهير بن حرب ، وعبيد الله بن سعيد ، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، عن الوليد بن مسلم به إلا أنه لم يذكر قصة أبي شاه ، وفي العلم عن مؤمل بن الفضل ، عن الوليد بن مسلم به مختصرا ، وعن علي بن سهل الرملي ، عن الوليد بن مسلم ، وفي الديات عن العباس بن الوليد بن يزيد ، عن أبيه ، عن الأوزاعي ببعضه ، وأخرجه الترمذي في الديات عن محمود بن غيلان ، ويحيى بن موسى كلاهما عن الوليد بن مسلم ببعضه ، وفي العلم بهذا الإسناد ، وأخرجه النسائي في العلم عن العباس بن الوليد بن يزيد ، عن أبيه ، وعن محمد بن عبد الرحمن ، وعن أحمد بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم عن الوليد بن مسلم ببعضه من قتل له قتيل إلى ، قوله : يفدى . ( ذكر معناه ) قوله : لما فتح الله على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة قام في الناس ظاهره أن الخطبة وقعت عقيب الفتح وليس كذلك ، بل وقعت بعد الفتح عقيب قتل رجل من خزاعة رجلا من بني ليث ، والدليل على ذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث عن أبي هريرة من وجه آخر في العلم ، في باب كتابة العلم عن أبي نعيم ، عن شيبان ، عن يحيى ، عن سلمة ، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فخطب فقال : إن الله قد حبس عن مكة الفيل أو القتل ... الحديث ، قوله : القتل في رواية الأكثرين بالقاف وبالتاء المثناة من فوق ، وفي رواية الكشميهني بالفاء وبالياء آخر الحروف ، والمراد به الفيل الذي أخبر الله في كتابه في سورة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ قوله : لا تحل لأحد كان قبلي كلمة لا بمعنى لم أي لم تحل ، قوله : ولا ينفر على صيغة المجهول من التنفير ، يقال : نفر ينفر نفورا ونفارا إذا فر وذهب ، قوله : ولا تحل على بناء المعلوم ، والساقطة هي اللقطة ، قوله : إلا لمنشد أي لمعرف ، يعني لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط ، لا لمن أراد أن يتملكها ، قوله : من قتل له قتيل قد مر أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا لما أخبر أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم أي بسبب قتيل منهم ، قوله : فهو بخير النظرين أي بخير الأمرين يعني القصاص والدية ، فأيهما اختار كان له ، إما أن يفدى على صيغة المجهول أي يعطى له الفدية أي الدية ، وفي رواية للبخاري وغيره : إما أن يودى له ، من وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته ، وإما أن يقيد أي يقتص من القود ، وهو القصاص ، وفي رواية : وإما أن يقاد له ، قوله : فقام أبو شاه بالهاء لا غير قال النووي : وقد جاء في بعض الروايات بالتاء وكذا عن ابن دحية ، وفي المطالع : وأبو شاه مصروفا ، ضبطه بعضهم ، وقرأته أنا معرفة ونكرة ، قلت : معنى قوله مصروفا أنه بالتنوين ، ومعنى شاه بالفارسية ملك ، ويجمع على شاهان ، وقد ورد النهي عن القول بشاهان شاه يعني ملك الملوك ، ويقدم المضاف إليه على المضاف في اللغة الفارسية . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهذا الحديث مشتمل على أحكام : منها أحكام تتعلق بحرم مكة ، وقد مر أبحاثه في كتاب الحج . ومنها ما يتعلق باللقطة ، وقد مر أبحاثها في كتاب اللقطة . ومنها ما يتعلق بكتاب أبي شاه وقد مر في كتاب العلم . ومنها ما يتعلق بالقصاص والدية ، وهو قوله : ومن قتل له قتيل ، وقد اختلفوا فيه ، وهو أن من قتل له قتيل عمدا فوليه بالخيار بين أن يعفو ويأخذ الدية ، أو يقتص رضي بذلك القاتل أو لم يرض ، وهو مذهب سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ومجاهد والشعبي والأوزاعي ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال ابن حزم : صح هذا عن ابن عباس ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم . واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ، وقال إبراهيم النخعي ، وعبد الله بن ذكوان ، وسفيان الثوري ، وعبد الله بن شبرمة ، والحسن بن حيي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله ، ليس لولي المقتول أن يأخذ الدية إلا برضى القاتل ، وليس له إلا القود أو العفو ، واحتج هؤلاء بما رواه البخاري عن أنس أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية ، فكسرت سنها فعرضوا عليهم الأرش ، فأبوا فطلبوا العفو ، فأبوا فأتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال : يا رسول الله ، أتكسر سن الربيع ، والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها ، فقال : يا أنس كتاب الله القصاص ، فعفا القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبره فثبت بهذا الحديث أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسول الله في العمد هو القصاص ، لأنه لو كان للمجني عليه الخيار بين القصاص وبين أخذ الدية إذا لخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما حكم لها بالقصاص بعينه ، فإذا كان كذلك وجب أن يحمل ، قوله : فهو بخير النظرين ، إما أن يفدى ، وإما أن يقيد على أخذ الدية برضى القاتل حتى تتفق معاني الآثار ، ويؤيده ما رواه البخاري أيضا عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص ، ولم يكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الآية ، وقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، قوله : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني مما كتب على من كان قبلكم ، أو نقول التخيير من الشرع تجويز الفعلين وبيان المشروعية فيهما ، ونفي الحرج عنهما كقوله صلى الله عليه وسلم في الربويات : إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم معناه تجويز البيع مفاضلة ومماثلة ، بمعنى نفي الحرج عنهما ، وليس فيه أن يستقل به دون رضى المشتري ، فكذا هنا جواز القصاص ، وجواز أخذ الدية ، وليس فيه استقلال يستغنى به عن رضى القاتل ( فإن قلت ) قد أخبر الله تعالى في الآية المذكورة أن للولي العفو واتباع القاتل بإحسان ، فيأخذ الدية من القاتل ، وإن لم يكن اشترط ذلك في عفوه ( قلت ) : العفو في اللغة البذل خُذِ الْعَفْوَ أي ما سهل ، فإذا المعنى فمن بذل له شيء من الدية فليقبل ، والإبذال لا يجب إلا برضى من يجب له ورضى من يجب عليه .