18 - بَاب قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : يُقَاصُّهُ ، وَقَرَأَ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ 2460 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا ؟ فَقَالَ : لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ ) ؛ أَيْ : هَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ بِقَدْرِ الَّذِي لَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ؟ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِمَسْأَلَةِ الظَّفَرِ ، وَقَدْ جَنَحَ الْمُصَنِّفُ إِلَى اخْتِيَارِهِ ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ سِيرِينَ عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجِيحِ بِالْآثَارِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُقَاصُّهُ ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ ، وَأَصْلُهُ : يُقَاصِصُهُ ( وَقَرَأَ ) ؛ أَيِ ابْنُ سِيرِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا الْآيَةَ ، وَهَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْهُ بِلَفْظِ : إِنْ أَخَذَ أَحَدٌ مِنْكَ شَيْئًا فَخُذْ مِثْلَهُ . ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ ، وَفِيهِ : أَذِنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا بِالْأَخْذِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهَا . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حَدِيثُ هِنْدَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ مَالِ مَنْ لَمْ يُوفِهِ أَوْ جَحَدَهُ قَدْرَ حَقِّهِ . قَوْلُهُ فِيهِ : ( رَجُلٌ مِسِّيكٌ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ ؛ قَالَهُ عِيَاضٌ ، قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْفَتْحُ وَالتَّخْفِيفُ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ الْكَسْرُ وَالتَّشْدِيدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِه · ص 128 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه · ص 7 باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه أي : هذا باب في بيان حكم قصاص المظلوم الذي أخذ منه المال إذا وجد ، يعني إذا ظهر بمال الذي ظلمه ، وجواب إذا محذوف تقديره : هل يأخذ منه بقدر حقه ، يعني يأخذ ، واكتفى بذكر أثر ابن سيرين عن ذكر الجواب ، واستمرت عادته على هذا الوجه ، وهي مسألة الظفر ، وفيها خلاف وتفصيل ، فقال ابن بطال : اختلف العلماء في الذي يجحد وديعة غيره ، ثم إن المودع يجد له مالا هل يأخذه عوضا من حقه ، فروى ابن القاسم ، عن مالك ، أنه لا يفعل ، وروى عنه أن له أن يأخذ حقه إذا وجده من ماله ، إذا لم يكن فيه شيء من الزيادة ، وهو قول الشافعي ، وقال النووي : من له حق على رجل وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه من غير إذنه ، وهذا مذهبنا ، ومنع من ذلك أبو حنيفة ، ومالك ، وقال ابن بطال ، وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه إذا كان على الجاحد للمال دين فليس له أن يأخذ إلا مقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء ، وعن أبي حنيفة يأخذ من الذهب الذهب ، ومن الفضة الفضة ، ومن المكيل المكيل ، ومن الموزون الموزون ، ولا يأخذ غير ذلك ، وقال زفر : له أن يأخذ العرض بالقيمة . انتهى . ( قلت ) : مذهبنا أنه إذا بخس حقه فله أن يأخذه ، وإلا فلا . وقال ابن سيرين يقاصه وقرأ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ أي : قال محمد بن سيرين إذا وجد مال ظالمه يقاصه بالتشديد ، وأصله يقاصصه ، أراد يأخذ مثل ماله ، وهذا التعليق وصله عبد الله بن حميد في تفسيره من طريق خالد الحذاء عنه بلفظ : إن أخذ أحد منك شيئا فخذ مثله . قوله : وقرأ إشارة إلى أنه احتج فيما ذهب إليه بقوله تعالى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ يعني لا يزيد ولا ينقص . 33 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثني عروة ، أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة ، فقالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا ؟ فقال : لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف . مطابقته للترجمة من حيث إذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لهند بالأخذ من مال زوجها . قال ابن بطال : فهذا يدل على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه ، وإسناد هذا الحديث على هذا النسق بعينه قد مر غير مرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وهند بنت عتبة ، بضم العين المهملة ، وسكون التاء المثناة من فوق ، ابن ربيعة أم معاوية ، أسلمت يوم الفتح ، وماتت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، وزوجها أبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية والد معاوية . قوله : مسيك ، بفتح الميم ، وتخفيف السين على وزن فعيل ، بفتح الفاء ، ويروى بكسر الميم ، وتشديد السين على وزن فعيل بالكسر ، والتشديد ، وهو صيغة مبالغة كسكين وخمير ، معناه بخيل شديد المسك بما في يديه . وقال عياض : في رواية كثير من أهل الإتقان بالفتح والتخفيف ، وقيده بعضهم بالوجهين ، وقال ابن الأثير في كتب الحديث : الفتح ، والتخفيف ، والمشهور عند المحدثين الكسر والتشديد . قوله : حرج ، أي : إثم . قوله : أن تطعميهم ، كلمة أن مصدرية ، تقديره : لا حرج عليك بإطعامك إياهم بالمعروف ، أي : بقدر ما يتعارف أن يأكل العيال ، وهذا الحديث يشتمل على أحكام ، وهي النفقة للأولاد ، وأنها مقدرة بالكفاية لا بالإمداد وجواز سماع كلام الأجنبية ، وذكر الإنسان بما يكره عند الحاجة ، وأن للمرأة مدخلا في كفالة أولادها ، وجواز خروج المرأة من بيتها لقضاء حاجتها ، وقد استدل به من يرى بجواز الحكم على الغائب . ( قلت ) : هذا استدلال فاسد من وجهين : أحدهما : أنه كان فتوى لا حكما ، والآخر أن أبا سفيان كان حاضرا في البلد .