29 - بَاب إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ - وهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ - ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ ، فَتُرِكَ مِنْهَا للطَّرِيقُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ 2473 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ الميتاء بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ . قَوْلُهُ ( بَابُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ وَمَدٌّ بِوَزْنِ مِفْعَالٍ ، مِنَ الْإِتْيَانِ ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ : الْمِيتَاءُ أَعْظَمُ الطُّرُقِ ؛ وَهِيَ الَّتِي يَكْثُرُ مُرُورُ النَّاسِ بِهَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعَةُ ، وَقِيلَ : الْعَامِرَةُ . قَوْلُهُ : ( وَهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ . . . إِلَخْ ) وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، وَقَدْ وَافَقَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : لَمْ نَجِدْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي يُرَادُ ابْتِدَاؤُهَا إِذَا اخْتُلِفَ مَنْ يَبْتَدِئُهَا فِي قَدْرِهَا ، كَبَلَدٍ يَفْتَحُهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ فِيهَا طَرِيقٌ مَسْلُوكٌ ، وَكَمَوَاتٍ يُعْطِيهِ الْإِمَامُ لِمَنْ يُحْيِيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا طَرِيقًا لِلْمَارَّةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الطَّرِيقِ إِذَا تَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا جُعِلَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ مَثَلًا إِذَا جَعَلَ أَصْحَابُهَا فِيهَا طَرِيقًا كَانَ بِاخْتِيَارِهِمْ ، وَكَذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّتِي لَا تُسْلَكُ إِلَّا فِي النَّادِرِ يُرْجَعُ فِي أَفْنِيَتِهَا إِلَى مَا يَتَرَاضَى عَلَيْهِ الْجِيرَانُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ ، بَصْرِيٌّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ وَآخَرَ فِي الدَّعَوَاتِ ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَفْرَادِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ رَاوِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ هَذَا ، فَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ ، وَلَكِنَّ شَاهِدَهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ . قَوْلُهُ : ( إِذَا تَشَاجَرُوا ) تَفَاعَلُوا ، مِنَ الْمُشَاجَرَةِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ ؛ أَيْ تَنَازَعُوا . وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا اخْتَلَفْتُمْ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ - وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَالْمُعْجَمَةِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ . وَمِثْلُهُ لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( فِي الطَّرِيقِ ) زَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَتِهِ : الْمِيتَاءَ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا بِهَا إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ فَاجْعَلُوهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ فَذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، وَلِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ الَّتِي تُؤْتَى مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَذَكَرَهُ ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ مَقَالٌ . قَوْلُهُ : ( بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْآدَمِيِّ ، فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْمُعْتَدِلِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْبُنْيَانِ الْمُتَعَارَفِ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ يُجْعَلَ قَدْرُ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكَةِ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، ثُمَّ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْأَرْضِ قَدْرُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَضُرُّ غَيْرَهُ ، وَالْحِكْمَةُ فِي جَعْلِهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ لِتَسْلُكَهَا الْأَحْمَالُ وَالْأَثْقَالُ دُخُولًا وَخُرُوجًا وَيَسَعَ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ طَرْحِهِ عِنْدَ الْأَبْوَابِ . وَيَلْتَحِقُ بِأَهْلِ الْبُنْيَانِ مَنْ قَعَدَ لِلْبَيْعِ فِي حَافَّةِ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ أَزْيَدَ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْقُعُودِ فِي الزَّائِدِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مُنِعَ لِئَلَّا يُضَيِّقَ الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيق · ص 141 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء · ص 23 باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء وهي الرحبة تكون بين الطريق ثم يريد أهلها البنيان فترك منها الطريق سبعة أذرع أي : هذا باب يذكر فيه إذا اختلف الناس في الطريق الميتاء ، بكسر الميم ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالتاء المثناة من فوق ممدودة ، وهي على وزن مفعال أصله من الإتيان ، والميم زائدة ، ويروى مقصورة على وزن مفعل ، وقد فسره البخاري بقوله : وهي الرحبة ... إلى آخره ، أي الواسعة تكون بين الطريق ، وقيل : الرحبة الساحة . وقال أبو عمرو الشيباني : الميتاء أعظم الطرق ، وهي التي يكثر مرور الناس بها ، وقيل : الطريق العامرة ، وقيل : الفناء ، بكسر الفاء . وروى ابن عدي من حديث عباد بن منصور ، عن أيوب السختياني ، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الطريق الميتاء التي يؤتى من كل مكان ... الحديث . وقد فسر صلى الله عليه وسلم الطريق الميتاء بقوله : التي يؤتى من كل مكان . قوله : ثم يريد أهلها ، أشار بهذا إلى أن أصحاب الطريق الميتاء إذا أرادوا أن يبنوا فيها يتركوا منها الطريق للمارين مقدار سبعة أذرع على ما نذكره في معنى الحديث ، وقال صاحب ( التلويح ) هذه الترجمة لفظ حديث رواه عبادة بن الصامت عند عبد الله بن أحمد فيما زاده مطولا عن أبي كامل الجحدري : حدثنا الفضل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عنه . 46 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن الزبير بن خريت ، عن عكرمة ، قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال : قضى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا تشاجروا في الطريق الميتاء بسبعة أذرع . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وجرير ، بفتح الجيم ، وكسر الراء ، ابن حازم بالزاي ، والزبير بن الخريت هذا ليس له في البخاري سوى هذا الحديث ، وحديثين في التفسير ، وآخر في الدعوات ، والزبير بضم الزاي ، وفتح الباء الموحدة ابن خريت ، بكسر الخاء المعجمة ، وتشديد الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ، ومعناه في الأصل الماهر الحاذق . ( ذكر معناه ) . قوله : إذا تشاجروا ، أي : إذا يخاصموا ، يعني : أصحاب الطريق الميتاء . قوله : في الطريق ، زاد المستملي في روايته : في الطريق الميتاء ، وليست هذه الزيادة محفوظة في حديث أبي هريرة ، فإن قلت : لم ذكر في الترجمة بقوله : في الطريق الميتاء ؟ ( قلت ) : أشار به إلى أن هذه الزيادة وردت في حديث ابن عباس ، أخرجه عبد الرزاق عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إذا اختلفتم في الطريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرع . قوله : بسبعة أذرع ، يتعلق بقوله : قضى . والمراد بالذراع ذراع البنيان المتعارف . وقيل : بما يتعارفه أهل كل بلد من الذرعان ، وقال الطحاوي رحمه الله : لم نجد لهذا الحديث معنى أولى أن يحمل من أن الطريق المبتدأة إذا اختلف مبتدئوها في المقدار الذي يوقفون لها من المواضع التي يحاولون اتخاذها منها ، كالقوم يفتتحون مدينة من مدائن العدو ، فيريد الإمام قسمتها ، ويريد به مع ذلك أن يجعل فيها طرقا لكل من يسلكها بين الناس إلى ما سواها من البلدان ، ولا يجدها مما كان المفتتحة عليهم أحكموا ذلك فيها ، فيجعل كل طريق منها سبعة أذرع ، ومثل ذلك الأرض الموات يقطعها الإمام رجلا ، ويجعل عليه إحياءها ، ووضع طريقها منها لاجتياز الناس فيه منها إلى ما سواها فيكون ذلك الطريق سبعة أذرع ، وقال المهلب : هذا الحكم في الأفنية إذا أراد أهلها البنيان أن يجعل سبعة أذرع حتى لا يضر بالمارة ، ولمدخل الأحمال ومخرجها . وقال الطبري : هو على الوجوب عند العلماء للقضاء به ، ومخرجه عندهم على الخصوص ، ومعناه أن كل طريق يجعل كذلك ، وما يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ، ولا مضرة عليه ، وكل طريق يؤخذ لها سبعة أذرع ، ويبقى لبعض الشركاء من نصيبه بعد ذلك ، وما لا ينتفع به فغير داخل في معنى الحديث ، وقيل : هذا الحديث في أمهات الطريق ، وما يكثر الاختلاف فيه ، والمشي عليه ، وأما ينتاب من الطرق فيجوز في أفنيتها ما اتفقوا عليه ، وإن كان أقل من سبعة أذرع ، وقال ابن الجوزي : يكون ذلك في الطريق الواسع من الشوارع الذي يقعد في حافية الباعة ، وإن كان أقل من سبعة أذرع منعوا لئلا يضيق بأهله .