33 - بَاب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ 2480 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ - قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ ) ؛ أَيْ : مَا حُكْمُهُ ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : دُونَ فِي أَصْلِهَا ظَرْفُ مَكَانٍ بِمَعْنَى تَحْتٍ ، وَتُسْتَعْمَلُ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلَى الْمَجَازِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الَّذِي يُقَاتِلُ عَنْ مَالِهِ غَالِبًا إِنَّمَا يَجْعَلُهُ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ) هُوَ الْمُقْرِئُ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَسَدِيُّ ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا هَـكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عِكْرِمَةَ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ : أَنَّ عِكْرِمَةَ أَخْبَرَهُ ، وَلَيْسَ لِعِكْرِمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ الْعَاصِ - فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَكَأَنَّهُ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظِهِ أَوْ حَدَّثَ بِهِ الْمُقْرِئُ مِنْ حِفْظِهِ فَجَاءَ بِهِ عَلَى اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنِ الْمُقْرِئِ بِلَفْظِ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ مَظْلُومًا فَلَهُ الْجَنَّةُ ، قَالَ : وَمَنْ أَتَى بِهِ عَلَى غَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي اعْتِيدَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ ، وَلَا سِيَّمَا وَفِيهِمْ مِثْلُ دُحَيْمٍ ، وَكَذَلِكَ مَا زَادُوهُ مِنْ قَوْلِهِ : مَظْلُومًا ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ . وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ دُحَيْمٍ ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَّامٍ ، قُلْتُ : وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنِ الْمُقْرِئِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ . نَعَمْ ؛ لِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَفِي رِوَايَتِهِ قِصَّةٌ قَالَ : لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ - يُشِيرُ لِلْقِتَالِ - فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَوَعَظَهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : أَمَا عَلِمْتَ . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : مَا كَانَ إِلَى مَا بَيَّنَهُ حَيْوَةُ فِي رِوَايَتِهِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهَا : إنَّ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ أَجْرَى عَيْنًا مِنْ مَاءٍ لِيَسْقِيَ بِهَا أَرْضًا ، فَدَنَا مِنْ حَائِطٍ لِآلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ لِيُجْرِيَ الْعَيْنَ مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَمَوَالِيهِ بِالسِّلَاحِ وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا تَخْرِقُونَ حَائِطَنَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَالْعَامِلُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ كَمَا ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَكَانَ عَامِلًا لِأَخِيهِ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ، وَالْأَرْضُ الْمَذْكُورَةُ كَانَتْ بِالطَّائِفِ ، وَامْتِنَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ عَارَضَ بِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ جِذْعَهُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ؛ كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ : مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ . وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ لِتَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ : قَاتَلَ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَبَقِيَّةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَهْلِ وَالدَّمِ وَالدِّينِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ ظُلْمًا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ جَوَازُ قَتْلِ مَنْ قَصَدَ أَخْذَ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَشَذَّ مَنْ أَوْجَبَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : لَا يَجُوزُ إِذَا طَلَبَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : سَبَبُ الْخِلَافِ عِنْدَنَا هَـلِ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ؟ أَوْ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ ؟ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ أَوْ نَفْسُهُ أَوْ حَرِيمُهُ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ أَنْ يُكَلِّمَهُ أَوْ يَسْتَغِيثَ ، فَإِنْ مُنِعَ أَوِ امْتَنَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِتَالُهُ ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ عَمْدُ قَتْلِهِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذُكِرَ إِذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ . وَفَرَّقَ الْأَوْزَاعِيُّ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا جَمَاعَةٌ وَإِمَامٌ فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ فَلْيَسْتَسْلِمْ وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا . وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلَا تُعْطِهِ . قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : فَاقْتُلْهُ . قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيدٌ . قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : فَهُوَ فِي النَّارِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي ذَلِكَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ إِذَا كَانَ هُوَ الْقَاتِلَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِه · ص 147 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قاتل دون ماله · ص 33 باب من قاتل دون ماله أي : هذا باب في بيان حكم من قاتل دون ماله قال الكرماني : أي : عند ماله ، وقال القرطبي : دون في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت ، ويستعمل للسببية على المجاز ، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه أو تحته ثم يقاتل عليه ، وفي ( الصحاح ) دون نقيض فوق ، وهو تقصير عن الغاية ، ويكون ظرفا ، وجواب من محذوف تقديره من قاتل دون ماله فماذا حكمه ، ويجوز أن يكون تقديره : من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد ، ولم يذكره اكتفاء بما في حديث الباب على عادته في مثل ذلك . 53 - حدثنا عبد الله بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب ، قال : حدثني أبو الأسود ، عن عكرمة ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول : من قتل دون ماله فهو شهيد . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة ؛ لأن المقاتلة لا تستلزم القتل ، والشهادة مرتبة على القتل . ( قلت ) : قد ذكرت الآن أن تقدير الترجمة من قاتل دون ماله فقتل فماذا حكمه ، فالجواب أنه شهيد ، واقتصر في الحديث على لفظ قتل ؛ لأنه يستلزم المقاتلة ، وبهذا تتضح المطابقة ، وقيل أيضا : ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه الأبواب ؟ وأجيب بأنه يدل أن للإنسان أن يدفع من قصد ماله ظلما ، فإذا قتل صار شهيدا ، وهذا النوع داخل في المظالم ؛ لأن فيه دفع الظلم فافهم . ( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : عبد الله بن يزيد من الزيادة ، القرشي العدوي ، أبو عبد الرحمن المقري القصير مولى آل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . الثاني : سعيد بن أبي أيوب ، واسمه مقلاص الخزاعي مولاهم أبو يحيى ، وقد مر في التهجد . الثالث : أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة مر في الغسل . الرابع : عكرمة مولى ابن عباس . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه سكن مكة ، وأصله من ناحية البصرة ، وقيل : من ناحية الأهواز ، وأن سعيد بن أبي أيوب مصري ، وأن أبا الأسود وعكرمة مدنيان ، وفيه : عن عكرمة ، عن عبد الله . وفي رواية الطبراني ، عن أبي الأسود ، أن عكرمة أخبره ، وليس لعكرمة ، عن عبد الله بن عمرو في البخاري غير هذا الحديث الواحد . ذكر الاختلاف في متن هذا الحديث ، روى البخاري هذا الحديث عن المقري ، فقال : فهو شهيد ، ودحيم ، وابن أبي عمر ، وعبد العزيز بن سلام كلهم رووه عن المقري ، فقالوا : فله الجنة ، وكلهم قالوا : مظلوما ، ولم يقله البخاري ، والأشبه أن يكون نقله من حفظه أو سمعه من المقري من حفظه ، فجاء في الحديث على ما جرى به اللفظ في هذا الباب ، ومن جاء به على غير ما اعتيد من اللفظ فيه فهو بالحفظ أولى ، ولا سيما فيهم مثل دحيم ، وكذلك ما زادوه من قوله : مظلوما ، فإن المعنى لا يجوز إلا أن يكون كذلك ، ورواه أبو نعيم في ( مستخرجه ) ، عن محمد بن أحمد ، عن بشر بن موسى ، عن عبد الله بن يزيد المقري بلفظ : من قتل دون ماله مظلوما . وروى مسلم هذا الحديث ، وفيه قصة من حديث سليمان الأحول أن ثابتا مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره ، أنه لما كان بين عبد الله بن عمرو ، وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسروا للقتال ، فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه خالد ، فقال عبد الله بن عمرو : أما علمت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : من قتل دون ماله فهو شهيد . قوله : تيسروا ، أي : تأهبوا ، وتهيئوا . وأخرجه النسائي بإسناد البخاري ، أخبرني عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم ، قال : أخبرنا عبد الله ، وهو ابن يزيد المقري ، قال : حدثنا سعيد ، قال : حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن ، عن عكرمة ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : من قتل دون ماله مظلوما فله الجنة ، وله في رواية من طريق آخر ، عن عكرمة ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون ماله فهو شهيد ، وهذا متنه قبل متن حديث البخاري ، وإسناده مختلف ، وله في رواية أخرى من حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : من أريد ماله بغير حق ، فقاتل فقتل فهو شهيد . وقال : أخبرنا أحمد بن سليمان ، قال : حدثنا معاوية بن هشام ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن الحسن ، عن محمد بن إبراهيم بن طلحة ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون ماله فهو شهيد . قال أبو عبد الرحمن : هذا خطأ ، والصواب الذي قبله ، وأخرجه الترمذي من حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : من قتل دون ماله فهو شهيد . ثم قال : وفي الباب ، عن علي ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، وجابر ، ثم روى عن عبد بن حميد ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن طلحة بن عبيد الله بن عوف ، عن سعيد بن زيد قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول : من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد . ثم قال هذا حسن صحيح ، رواه أبو داود من رواية أبي داود الطيالسي ، وسليمان بن داود الهاشمي ، والنسائي من رواية سليمان بن داود وعبد الرحمن بن مهدي ثلاثتهم عن إبراهيم بن سعد ، ولم يذكر ابن مهدي الدين ، ورواه النسائي من رواية سفيان ، وابن إسحاق ، وابن ماجه من رواية سفيان فقط ، كلاهما عن الزهري بذكر المال فقط . وأما حديث علي رضي الله تعالى عنه فأخرجه أحمد في ( مسنده ) من حديث زيد بن علي بن حسين ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون ماله فهو شهيد . قال شيخنا : أورده أحمد هكذا في مسند علي ، وهو يدل على أن المراد بقوله : عن جده علي بن حسين ، فعلى هذا يكون منقطعا . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه من حديث الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من أريد ماله ظلما فقتل فهو شهيد . وأما حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فأخرجه ابن ماجه من حديث ميمون بن مهران ، عن ابن عمر : من أتي عند ماله فقاتل فقوتل فهو شهيد . وله طريق آخر رواه أبو يعلى الموصلي في ( المعجم ) من رواية أبي قلابة عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون ماله فهو شهيد ، وأما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأخرجه ... وأما حديث جابر فأخرجه أبو يعلى في ( مسنده ) من رواية محمد بن المنكدر عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون ماله فهو شهيد . قلت : وفي الباب أيضا ، عن سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود ، وبريدة بن الحصيب ، وسويد بن مقرن ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عامر بن كريز ، وفهر بن مطرف ، ومخارق بن سليم . وأما حديث سعد فأخرجه البزار في ( مسنده ) من حديث عبيدة بنت نائل ، عن عائشة بنت سعد ، عن أبيها قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول : من قتل دون ماله فهو شهيد . وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطبراني في ( الأوسط ) ، وابن عدي في ( الكامل ) من رواية أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون مظلمة فهو شهيد . ورواه البزار من رواية أبي وائل عنه ، ولفظه : من قتل دون ماله فهو شهيد . وأما حديث بريدة فأخرجه النسائي من حديث سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون ماله فهو شهيد . وأما حديث سويد بن مقرن ، فأخرجه النسائي أيضا من رواية سوادة بن أبي الجعد ، عن أبي جعفر قال : كنت جالسا عند سويد بن مقرن ، فقال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : من قتل دون مظلمته فهو شهيد . وأما حديث أنس رضي الله تعالى عنه فأخرجه البزار في ( مسنده ) ، والطبراني في ( الأوسط ) ، وابن عدي في ( الكامل ) من رواية عبد العزيز بن صهيب عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : المقتول دون ماله شهيد . وأما حديث عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عامر ، فأخرجهما الطبراني في ( الأوسط ) من رواية حنظلة بن قيس ، عن عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عامر بن كريز ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : من قتل - أو قال : مات – دون ماله فهو شهيد . وأما حديث نهير بن مطرف فأخرجه البزار في ( مسنده ) من حديث عبد العزيز بن المطلب ، عن أخيه ، عن أبيه فهيد بن مطرف ، أن رجلا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن عدا علي عاد ؟ قال : تأمره ، وتنهاه . قال : فإن أبى تأمر بقتاله ؟ قال : نعم ، فإن قتلك فأنت في الجنة ، وإن قتلته فهو في النار . وأما حديث مخارق بن سليم فأخرجه النسائي من حديث قابوس بن مخارق عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فقال : الرجل يأتيني فيريد مالي . قال : ذكره بالله . قال : فإن لم يذكر ؟ قال : فاستعن عليه بمن حولك من المسلمين . قال : فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين ؟ قال : فاستعن عليه بالسلطان . قال : فإن نأى السلطان عني ؟ قال : قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة ، أو تمنع مالك . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز قتل القاصد لأخد المال بغير حق ، سواء كان المال قليلا ، أو كثيرا لعموم الحديث ، وهذا قول جماهير العلماء ، وقال بعض أصحاب مالك : لا يجوز قتله إذا طلب شيئا يسيرا كالثوب والطعام ، وهذا ليس بشيء . والصواب ما قاله الجماهير ، وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف ، وقال النووي : وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف في مذهبنا ، ومذهب غيرنا ، والمدافعة عن المال جائزة ،غير واجبة . وفيه أن القاصد إذا قتل لا دية له ولا قصاص ، وفيه أن الدافع إذا قتل يكون شهيدا ، وقال الترمذي : وقد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله . وقال ابن المبارك : يقاتل ، ولو درهمين . وقال المهلب ، وكذلك في كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهل أو دين فهو كمن قاتل دون نفسه وماله فلا دية عليه ، ولا تبعة ، ومن أخذ في ذلك بالرخصة ، وأسلم المال ، والأهل ، والنفس فأمره إلى الله تعالى ، والله يعذره ، ويأجره ، ومن أخذ في ذلك بالشدة ، وقتل كانت له الشهادة ، وقال ابن المنذر : وروينا ، عن جماعة من أهل العلم ، أنهم رأوا قتال اللصوص ، ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم ، وقد أخذ ابن عمر لصا في داره فأصلت عليه السيف . قال سالم : فلولا أنا لضربه به . وقال النخعي : إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه . وقال الحسن : إذا طرق اللص بالسلاح فاقتله . وسئل مالك عن القوم يكونون في السفر فتلقاهم اللصوص ؟ قال : يقاتلونهم ، ولو على دانق . وقال عبد الملك إن قدر أن يمتنع من اللصوص فلا يعطهم شيئا ، وقال أحمد : إذا كان اللص مقبلا ، وأما موليا فلا ، وعن إسحاق مثله . وقال أبو حنيفة في رجل دخل على رجل ليلا للسرقة ثم خرج بالسرقة من الدار ، فاتبعه الرجل فقتله لا شيء عليه ، وقال الشافعي : من أريد ماله في مصر ، أو في صحراء ، أو أريد حريمه فالاختيار له أن يكلمه ، أو يستغيث ، فإن منع ، أو امتنع لم يكن له قتاله ، فإن أبى أن يمتنع من قتله من أراد قتله فله أن يدفعه عن نفسه ، وعن ماله ، وليس له عمد قتله ، فإذا لم يمتنع فقاتله فقتله لا عقل فيه ، ولا قود ، ولا كفارة .