35 - بَاب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ 2482 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - يُقَالُ لَهُ : جُرَيْجٌ - يُصَلِّي ، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا ، فَقَالَ : أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي ؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ . وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ : لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا . فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ ، فَأَبَى . فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ : هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ . فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ ، وأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ : مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ ؟ قَالَ : الرَّاعِي . قَالُوا : نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا مِنْ طِينٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا هَـدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ ) ؛ أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ . وَأَوْرَدَ فيه الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ مُخْتَصَرًا ، وَسَاقَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ : فَقَالُوا : نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا مِنْ طِينٍ ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ : فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ . وَتَوْجِيهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْتِ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ ، لَكِنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ جُرَيْجٍ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ نَظَرٌ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ; لِأَنَّهُمْ عَرَضُوا عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُمُ اتِّفَاقًا وَهُوَ بِنَاؤُهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَمَا أَجَابَهُمْ جُرَيْجٌ إِلَّا بِقَوْلِهِ : مِنْ طِينٍ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا . قَالَ : وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْهَادِمَ لَوِ الْتَزَمَ الْإِعَادَةَ وَرَضِيَ صَاحِبُهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِمَا وَجَبَ نَاجِزًا - وَهُوَ الْقِيمَةُ - إِلى مَا يَتَأَخَّرُ - وَهُوَ الْبُنْيَانُ . قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : فِي قَوْلِهِ : لَا ، إِلَّا مِنْ طِينٍ شَاهِدٌ عَلَى حَذْفِ الْمَجْزُومِ بِلَا ؛ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ : لَا تَبْنُوهَا إِلَّا مِنْ طِينٍ . ( خَاتِمَةٌ ) : اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَظَالِمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا ؛ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ : انْصُرْ أَخَاكَ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فِي النَّهْيِ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ سَبْعَةُ آثَارٍ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَه · ص 151 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا هدم حائطا فليبن مثله · ص 38 باب إذا هدم حائطا فليبن مثله أي : هذا باب يذكر فيه إذا هدم شخص حائط شخص فليبن مثله ، وهذا بعينه مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي ثور ؛ فإنهم قالوا : إذا هدم رجل حائطا لآخر فإنه يبني له مثله ، فإن تعذرت المماثلة رجع إلى القيمة . وفي فتاوى الظهيرية ذكر الإمام محمد بن الفضل : إذا هدم رجل حائط إنسان إن كان من خشب ضمن القيمة ، وإن كان من طين ، وكان عتيقا قديما فكذلك ، وإن كان حديثا جديدا أمر بإعادته . 55 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا جرير هو ابن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : كان رجل في بني إسرائيل يقال له : جريج يصلي فجاءته أمه فدعته فأبى أن يجيبها ، فقال : أجيبها ، أو أصلي ، ثم أتته فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه المومسات ، وكان جريج في صومعته ، فقالت امرأة : لأفتنن جريجا ، فتعرضت له ، فكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما ، فقالت : هو من جريج ، فأتوه وكسروا صومعته ، فأنزلوه وسبوه ، فتوضأ وصلى ، ثم أتى الغلام ، فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : الراعي . قالوا : نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين . مطابقته للترجمة في قوله : نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين ؛ لأنه كان من طين ، ولم يرض إلا أن يكون مثله . والحديث أخرجه البخاري أيضا في أحاديث الأنبياء عليهم السلام مطولا ، وأخرجه مسلم في الأدب عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، عن جرير بن حازم . قوله : جريج ، بضم الجيم الأولى الراهب . قوله : يصلي خبر كان . قوله : أو أصلي ، كلمة أو هنا للتخيير . قوله : لا تمته ، بضم التاء من الإماتة . قوله : حتى تريه ، بضم التاء من الإراءة . قوله : المومسات ، أي : الزواني ، وهو جمع مومسة ، وهي الفاجرة ، ويجمع على مياميس أيضا ، وموامس ، وأصحاب الحديث يقولون : مياميس ، ولا يصح إلا على إشباع الكسرة لتصير ياء كمطفل ، ومطافل ، ومطافيل ، وقال ابن الأثير . ومنه حديث أبي وائل أكثر تبع الدجال أولاد الميامس . وفي رواية : أولاد الموامس ، وقد اختلف في أصل هذه اللفظة ، فبعضهم يجعله من الهمزة ، وبعضهم يجعله من الواو ، وكل منهما تكلف له اشتقاقا فيه . وقال الجوهري : المومسة الفاجرة ، ولم يذكر شيئا غير ذلك . وفي المطالع : المياميس والمومسات : المجاهرات بالفجور ، الواحدة مومسة . وبالياء المفتوحة رويناه عن جميعهم ، وكذلك ذكره أصحاب العربية في الواو ، والميم ، والسين . ورواه ابن الوليد ، عن ابن السماك : المآميس بالهمز ، فإن صح الهمز فهو من مأس الرجل إذا لم يلتفت إلى موعظة ، ومأس ما بين يدي القوم أفسد ، وهذا بمعنى المجاهرة ، والاستهتار ، ويكون وزنه على هذا فعاليل . قوله : في صومعته ... قوله : فكلمته ، أي : في ترغيبه في مباشرتها . قوله : فولدت ، فيه حذف كثير تقديره : فأمكنته من نفسها ، يعني : زنى بها فحبلت ، ثم ولدت غلاما فقالت - أي : المرأة - : هو - أي : الغلام - من جريج . قوله : ثم أتى الغلام بالنصب ، أي : الطفل الذي في المهد قبل زمان تكلمه . قوله : قال : لا ، أي : قال جريج : لا تبنوها إلا من طين . وقال ابن مالك : فيه شاهد على حذف المجزوم بلا ، كما قدرناه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الاحتجاج بأن شرع من قبلنا شرع لنا . وقال الكرماني : واحتج البخاري به على الترجمة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، وفيه نظر ؛ لأن شرعنا أوجب المثل في المثليات ، والحائط متقوم لا مثلي ، انتهى . ( قلت ) : شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يقص الله علينا بالإنكار . وقد قلنا : إن الحائط إذا كان من خشب يكون من ذوات القيم ، وإن كان من الطين والحجر يبنى بأن يعاد مثله ، وفيه أن الطفل يدعى غلاما ، وفيه أنه أحد من تكلم في المهد . وقال الضحاك : تكلم في المهد ستة : شاهد يوسف عليه الصلاة والسلام ، وابن ماشطة فرعون ، وعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام ، وصاحب جريج ، وصاحب الأخدود . وفيه المطالبة كما طالبت بنو إسرائيل جريجا بما ادعته المرأة عليه ، وأصل هذه المطالبة أن أهل تلك البلدة كانوا يعظمون أمر الزنا ، فظهر أمر تلك المرأة في البلد ، فلما وضعت حملها أخبر الملك أن امرأة قد ولدت من الزنا فدعاها ، فقال لها : من أين لك هذا الولد ؟ قالت : من جريج الراهب ، قد واقعني ، فبعث الملك أعوانه إليه وهو في الصلاة ، فنادوه فلم يجبهم حتى جاءوا إليه بالمرو ، والمساحي ، وهدموا صومعته ، وجعلوا في عنقه حبلا ، وجاءوا به إلى الملك ، فقال له الملك : إنك قد جعلت نفسك عابدا ثم تهتك حريم الناس ، وتتعاطى ما لا يحل له قال : أي شيء فعلت ؟ قال : إنك زنيت بامرأة كذا ، فقال : لم أفعل ، فلم يصدقوه ، وحلف على ذلك فلم يصدقوه ، فقال : فردوني إلى أمي فردوه إليها ، فقال لها : يا أماه إنك دعوت الله علي فاستجاب الله دعاءك ، فادعي الله أن يكشف عني بدعائك . فقالت : اللهم إن كان جريج إنما أخذته بدعوتي فاكشف عنه فرجع جريج إلى الملك ، فقال أين هذه المرأة ؟ وأين هذا الصبي ؟ فجاءوا بهما فسألوهما ، فقالت المرأة : بلى ، هذا الذي فعل بي ، فوضع جريج يديه على رأس الصبي ، وقال : بحق الذي خلقك أن تخبرني من أبوك ؟ فتكلم الصبي بإذن الله تعالى ، وقال : إن أبي فلان الراعي ، فلما سمعت المرأة بذلك اعترفت ، وقالت : كنت كاذبة ، وإنما فعل بي فلان الراعي . وفي رواية أخرى أن المرأة كانت حاملا لم تضع بعد ، فقال لها : أين أصبتك ؟ قالت : تحت شجرة ، وكانت الشجرة بجنب صومعته . قال جريج : اخرجوا إلى تلك الشجرة ، ثم قال : يا شجرة ، أسألك بالذي خلقك أن تخبريني من زنى بهذه المرأة ، فقال كل غصن منها : راعي الغنم ، ثم طعن بإصبعه في بطنها ، وقال : يا غلام من أبوك ؟ فنادى من بطنها : أبي راعي الغنم ، فعند ذلك اعتذر الملك إلى جريج ، وقال : ائذن لي أن أبني صومعتك بالذهب . قال : لا . قال : فبالفضة . قال : لا ، ولكن بالطين ، كما كان ، فبنوه بالطين ، كما كان هكذا ساق هذه القصة الإمام أبو الليث السمرقندي في كتاب ( تنبيه الغافلين ) ، وذكر أبو الليث ، عن يزيد بن حوشب الفهري ، عن أبيه قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول : لو كان جريج الراهب فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه . وفيه إثبات الكرامة للأولياء . وقال ابن بطال : يمكن أن يكون جريج نبيا ؛ لأن النبوة كانت ممكنة في بني إسرائيل غير ممتنعة عليهم ، ولا نبي بعد نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فليس يجري من الآيات بعده ما يكون خرقا للعادة ، ولا قلب العين ، وإنما يكون كرامة لأوليائه مثل دعوة مجابة ، ورؤيا صالحة ، وبركة ظاهرة ، وفضل بين ، وتوفيق من الله تعالى إلى الإبراء مما اتهم به الصالحون وامتحن به المتقون ، وفيه أن دعاء الأم أو الأب على ولده إذا كان بنية خالصة قد يجاب ، وإن كان في حال الضجر ، وفيه أيضا خلاص الولد من بلية ابتلي بها ببركة دعاء والديه . وفيه دليل أن الوضوء كان لغير هذه الأمة أيضا إلا أن هذه الأمة قد خصت بالغرة والتحجيل خلافا لمن خصها بأصل الوضوء .