2 - بَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ 2518 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ . قُلْتُ : فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَعْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا . قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : تُعِينُ ضَائعًا ، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ . قَالَ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ ) ؛ أَيْ لِلْعِتْقِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) هَذَا مِنْ أَعْلَى حَدِيثٍ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّاتِ ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ شَيْخُ شَيْخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَ هُنَا رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ أَبُوهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَالَ : أَخْبَرَنَا هِـشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ : عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ خَفِيفَةٌ وَكَسْرِ الْوَاوِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةٌ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ : عَنْ هِشَامٍ اللَّيْثِيِّ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : الْغِفَارِيُّ ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ : اسْمُهُ سَعْدٌ . قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ : أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَرَهُ . قُلْتُ : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيُّ غَيْرُ هَذَا سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَاقِدًا وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ أَخْبَرَهُ ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَدَدًا كَثِيرًا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَعْلَاهَا ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَيْضًا ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ . قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ : مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ . قُلْتُ : وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ : أَكْثَرُهَا ثَمَنًا ، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَحَلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً أَوْ رَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَلُ . قَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ فِيهَا أَفْضَلُ ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا فَكُّ الرَّقَبَةِ وَهُنَاكَ طِيبُ اللَّحْمِ ا هـ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ ، فَرُبَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ إِذَا عْتِقَ انْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتُفِعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ بِعِتْقٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهُ ، وَرُبَّ مُحْتَاجٍ إِلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ هُوَ بِطِيبِ اللَّحْمِ ، فَالضَّابِطُ أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا كَانَ أَفْضَلَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَاحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمَةِ أَفْضَلُ ، وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ) ؛ أَيْ مَا اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدَّ ، فَإِنَّ عِتْقَ مِثْلِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا خَالِصًا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؛ أَيْ : إِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ ، فأَطْلَقَ الْفِعْلَ وَأَرَادَ الْقُدْرَةَ . وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ بِلَفْظِ : فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ . قَوْلُهُ : ( تُعِينُ ضَائِعًا ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا هُـوَ فِي مُسْلِمٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا ، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ هَكَذَا دُونَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ : رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ، وَالصَّوَابُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ كَمَا قَال الزُّهْرِيُّ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ خَبَطَ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ مَعْمَرٌ : كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : صَحَّفَ هِشَامٌ ، وَإِنَّمَا هُـوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ الصَّوَابُ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ وَلَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ : يَقُولُونَ إِنَّ هِشَامًا صَحَّفَ فِيهِ ا هـ . وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ، وَعَكَسَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِيهَا أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ ، وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاعِ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَامْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَذَلِكَ ، وَرَجُلٌ صَانِعٌ وَصَنَعٌ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعٌ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ ) ؛ أَيْ مِنَ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْإِعَانَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ : أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : إِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؛ أَيْ لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ لَا كَسَلًا مَثَلًا . قَوْلُهُ : ( تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَكَسْبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ ، غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفِّ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ ، لَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُلَخَّصًا . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّقُ ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى الْإِدْغَامِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : الْوَاوُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا بِمَعْنَى ثُمَّ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَيِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هُنَاكَ ، وَقِيلَ : قَرَنَ الْجِهَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : تَفْضِيلُ الْجِهَادِ فِي حَالِ تَعَيُّنِهِ ، وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُونُ لَهُ أَبَوَانِ فَلَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ . وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ ، وَصَبْرُ الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ وَرِفْقُهُ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ ؛ مِنْهَا سُؤَالُهُ عَنْ : أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ ؟ وَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَسْلَمُ ؟ وَأَيُّ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَدِهِمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ، وَآدَابٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَوَامِرٍ وَنَوَاهي وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِعَانَةَ الصَّانِعِ أَفْضَلُ مِنْ إِعَانَةِ غَيْرِ الصَّانِعِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الصَّانِعِ مَظِنَّةُ الْإِعَانَةِ ، فَكُلُّ أَحَدٍ يُعِينُهُ غَالِبًا بِخِلَافِ الصَّانِعِ ؛ فَإِنَّهُ لِشُهْرَتِهِ بِصَنْعَتِهِ يُغْفَلُ عَنْ إِعَانَتِهِ ، فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسْتُورِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَل · ص 176 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب أي الرقاب أفضل · ص 79 باب أي الرقاب أفضل أي هذا باب يذكر فيه أي الرقاب أفضل للعتق ، وكلمة أي هنا للاستفهام . 2 - حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أبي مراوح ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله وجهاد في سبيله ، قلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ، قلت : فإن لم أفعل ، قال : تعين ضايعا أو تصنع لأخرق ، قال : فإن لم أفعل ، قال : تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك . مطابقته للترجمة في قوله : فأي الرقاب أفضل . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد العبسي ، الثاني : هشام بن عروة ، الثالث : أبوه عروة بن الزبير بن العوام ، الرابع : أبو مراوح بضم الميم وتخفيف الراء وكسر الواو وفي آخره حاء مهملة على وزن مقاتل ، وفي رواية مسلم الليثي ويقال له : الغفاري ، قيل : اسمه سعد ، والأصح أنه لا يعرف له اسم ، وقال الحاكم أبو أحمد : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، الخامس : أبو ذر الغفاري ، واسمه جندب بن جنادة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن رجاله كلهم مدنيون إلا شيخه فإنه كوفي ، وفيه أن هذا الإسناد في حكم الثلاثيات لأن هشام بن عروة الذي هو شيخ شيخه من التابعين ، وإن كان روى هنا عن تابعي آخر ، وهو أبوه عروة ، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق وهم هشام ، وأبوه ، وأبو مراوح ، وفي رواية مسلم : عن الزهري ، عن حبيب مولى عروة ، عن عروة ، فصار فيه أربعة من التابعين ، وفيه رواية الراوي عن أبيه ، وفيه أن ليس لأبي مراوح في البخاري غير هذا الحديث ، وفيه عن هشام بن عروة ، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة عن عبيد الله بن موسى ، أخبرنا هشام بن عروة ، وفيه هشام بن عروة ، عن أبيه ، وفي رواية الإسماعيلي : أخبرني أبي أن أبا مراوح أخبره ، وفيه عن أبي ذر ، وفي رواية يحيى بن سعيد : أن أبا ذر أخبره ، وذكر الإسماعيلي جماعة أكثر من عشرين نفسا رووا هذا الحديث عن هشام بالإسناد المذكور ، وخالفهم مالك فأرسله في المشهور عنه عن هشام ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورواه يحيى بن يحيى الليثي ، وطائفة عنه ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، ورواه سعيد بن داود عنه ، عن هشام كرواية الجماعة ، وقال الدارقطني : الرواية المرسلة عن مالك أصح ، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الإيمان عن أبي الربيع الزهراني ، وخلف بن هشام ، وعن محمد بن رافع ، وعبد بن حميد ، وأخرجه النسائي في العتق عن عبيد الله بن سعيد بقصة الجهاد ، وقصة الرقاب ، وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بهما ، وفي الجهاد عن محمد بن عبد الله بالقصة الأولى ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أحمد بن سيار بقصة الرقاب . ( ذكر معناه ) قوله : وجهاد في سبيله إنما قرن الجهاد بالإيمان لأنه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا ، وكان الجهاد في ذلك الوقت أفضل الأعمال ، قوله : أغلاها ثمنا في رواية الأكثرين أعلاها بالعين المهملة ، وهي رواية النسائي أيضا ، وفي رواية الكشميهني بالغين المعجمة ، وكذا في رواية النسفي ، وفي المطالع معناهما متقارب ، ووقع في رواية مسلم من رواية حماد بن زيد أكثرها ثمنا ، وقال النووي : محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة ، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلا ، فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل ، قال : وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل لأن المطلوب هنالك الرقبة ، وهناك طيب اللحم ، وقال أبو عبد الملك : إذا كانا في ذوي الدين أفضلهما أغلاهما ثمنا ، وقد اختلف فيما إذا كان النصراني أو اليهودي أو غيرهما أكثر ثمنا من المسلم قال مالك : عتق الأغلى أفضل ، وإن كان غير مسلم ، وقال أصبغ : عتق المسلم أفضل ، قوله : وأنفسها أي أكثرها رغبة عند أهلها لمحبتهم فيها ؛ لأن عتق مثل ذلك لا يقع غالبا إلا خالصا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وكان لابن عمر رضي الله تعالى عنهما جارية يحبها فأعتقها لهذه الآية ، قوله : قلت فإن لم أفعل ، ويروى : قال فإن لم أفعل أي إن لم أقدر على ذلك ، فأطلق الفعل وأراد القدرة عليه ، وفي رواية الإسماعيلي : أرأيت إن لم أفعل ، وفي رواية الدارقطني في الغرائب : فإن لم أستطع ، قوله : تعين ضايعا بالضاد المعجمة وبالياء آخر الحروف بعد الألف كذا وقع لجميع رواة البخاري ، وجزم به القاضي عياض وغيره ، وكذا هو في رواية مسلم إلا في رواية السمرقندي ، وجزم الدارقطني وغيره بأن هشاما رواه هكذا دون من رواه عن أبيه ، فعلم من ذلك أن الذي رواه صانعا بالصاد المهملة وبالنون بعد الألف غير صحيح ، لأن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه ، وروى الدارقطني من طريق معمر ، عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة قال معمر : وكان الزهري يقول : صحف هشام ، وإنما هو بالصاد المهملة والنون ، قلت : كأن ابن المنير اعتمد على أنه بالصاد المهملة والنون حيث قال : وفيه إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع لأن غير الصانع مظنة الإعانة ، فكل أحد يعينه غالبا بخلاف الصانع فإنه لشهرته بصنعته يغفل عن إعانته فهو من جنس الصدقة على المستور انتهى . قلت : هذا لا بأس به إذا صحت الرواية بالصاد والنون ، وفي التوضيح : وصوابه بالمهملة والنون ، وقال النووي : الأكثر في الرواية المعجمة ، وقال عياض : روايتنا في هذا من طريق هشام بالمعجمة ، وعن أبي بحر : بالمهملة وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق ، وإن كان المعنى من جهة معونة الضائع أيضا صحيحا لكن صحت الرواية عن هشام بالمهملة ، وقال ابن المديني : الزهري يقول بالمهملة ، ويرون أن هشاما صحفه بالمعجمة ، والصواب قول الزهري ، وقال الكرماني : وضايعا بالمعجمة ثم بالمهملة ، وفي بعضها بالمهملتين وبالنون ، ثم قال : قال الدارقطني عن معمر : كان الزهري يقول : صحف هشام حيث روى ضايعا بالمعجمة انتهى ، قلت : لم يحرر الكرماني هذا الموضع والتحرير ما ذكرناه ، ومعنى الضايع بالمعجمة الفقير ، لأنه ذو ضياع من فقر وعيال ، قوله : أو تصنع لأخرق الأخرق بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وبالراء والقاف هو الذي ليس في يده صنعة ، ولا يحسن الصناعة ، قال ابن سيده : خرق بالشيء جهله ، ولم يحسن عمله ، وهو أخرق ، وفي المثلث لابن عديس : والخرق جمع الأخرق من الرجال والخرقاء من النساء ، وهما ضد الصناع والصنع ، قوله : تدع الناس أي تتركهم من الشر ، و تدع من الأفعال التي أمات العرب ماضيها كذا قالته النحاة ، ويرد عليهم قراءة من قرأ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى بتخفيف الدال ، قوله : فإنها صدقة أي فإن المذكور من الجملة صدقة ، قوله : تصدق بها بفتح الصاد وتشديد الدال أصله تتصدق فحذفت إحدى التاءين ، ويجوز تشديد الصاد على الإدغام ، ويجوز تخفيفها ، وفي الحديث : إن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان ، ولما اختلفت الروايات في أفضل الأعمال أجابوا بأن الاختلاف بحسب اختلاف السائلين ، والجواب لهم بحسب ما يليق بالمقام ، وفيه حسن المراجعة في السؤال ، وصبر المفتي والمعلم على المستفتي والتلميذ والرفق بهم .