بَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَل
بَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ 2518 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ . قُلْتُ : فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَعْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا . قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : تُعِينُ ضَائعًا ، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ ) ؛ أَيْ لِلْعِتْقِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) هَذَا مِنْ أَعْلَى حَدِيثٍ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّاتِ ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ شَيْخُ شَيْخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَ هُنَا رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ أَبُوهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَالَ : أَخْبَرَنَا هِـشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ : عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ خَفِيفَةٌ وَكَسْرِ الْوَاوِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةٌ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ : عَنْ هِشَامٍ اللَّيْثِيِّ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : الْغِفَارِيُّ ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ : اسْمُهُ سَعْدٌ . قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ : أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَرَهُ .
قُلْتُ : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيُّ غَيْرُ هَذَا سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَاقِدًا وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ أَخْبَرَهُ ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَدَدًا كَثِيرًا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَعْلَاهَا ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَيْضًا ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ . قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ : مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ .
قُلْتُ : وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ : أَكْثَرُهَا ثَمَنًا ، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَحَلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً أَوْ رَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَلُ . قَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ فِيهَا أَفْضَلُ ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا فَكُّ الرَّقَبَةِ وَهُنَاكَ طِيبُ اللَّحْمِ ا هـ .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ ، فَرُبَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ إِذَا عْتِقَ انْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتُفِعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ بِعِتْقٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهُ ، وَرُبَّ مُحْتَاجٍ إِلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ هُوَ بِطِيبِ اللَّحْمِ ، فَالضَّابِطُ أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا كَانَ أَفْضَلَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَاحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمَةِ أَفْضَلُ ، وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ) ؛ أَيْ مَا اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدَّ ، فَإِنَّ عِتْقَ مِثْلِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا خَالِصًا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؛ أَيْ : إِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ ، فأَطْلَقَ الْفِعْلَ وَأَرَادَ الْقُدْرَةَ . وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ بِلَفْظِ : فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ .
قَوْلُهُ : ( تُعِينُ ضَائِعًا ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا هُـوَ فِي مُسْلِمٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا ، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ هَكَذَا دُونَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ : رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ، وَالصَّوَابُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ كَمَا قَال الزُّهْرِيُّ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ خَبَطَ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ مَعْمَرٌ : كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : صَحَّفَ هِشَامٌ ، وَإِنَّمَا هُـوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ الصَّوَابُ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ وَلَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ : يَقُولُونَ إِنَّ هِشَامًا صَحَّفَ فِيهِ ا هـ .
وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ، وَعَكَسَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِيهَا أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ ، وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاعِ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَامْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَذَلِكَ ، وَرَجُلٌ صَانِعٌ وَصَنَعٌ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعٌ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ ) ؛ أَيْ مِنَ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْإِعَانَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ : أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : إِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؛ أَيْ لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ لَا كَسَلًا مَثَلًا . قَوْلُهُ : ( تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَكَسْبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ ، غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفِّ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ ، لَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُلَخَّصًا .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّقُ ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى الْإِدْغَامِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : الْوَاوُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا بِمَعْنَى ثُمَّ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَيِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هُنَاكَ ، وَقِيلَ : قَرَنَ الْجِهَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : تَفْضِيلُ الْجِهَادِ فِي حَالِ تَعَيُّنِهِ ، وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُونُ لَهُ أَبَوَانِ فَلَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ .
وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ ، وَصَبْرُ الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ وَرِفْقُهُ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ ؛ مِنْهَا سُؤَالُهُ عَنْ : أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ ؟ وَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَسْلَمُ ؟ وَأَيُّ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَدِهِمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ، وَآدَابٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَوَامِرٍ وَنَوَاهي وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِعَانَةَ الصَّانِعِ أَفْضَلُ مِنْ إِعَانَةِ غَيْرِ الصَّانِعِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الصَّانِعِ مَظِنَّةُ الْإِعَانَةِ ، فَكُلُّ أَحَدٍ يُعِينُهُ غَالِبًا بِخِلَافِ الصَّانِعِ ؛ فَإِنَّهُ لِشُهْرَتِهِ بِصَنْعَتِهِ يُغْفَلُ عَنْ إِعَانَتِهِ ، فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسْتُورِ .