بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ قَوْلُهُ : ( بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ هُنَا إِلَّا النَّسَفِيَّ وَ أَبَا ذَرٍّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِيهَا حَدِيثًا ، وَلَا أَعْرِفُ لِدُخُولِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُكَاتَبِ مَعْنًى . ثُمَّ وَجَدْتُهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ مُقَدَّمَةً قَبْلَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فَهَذَا هُوَ الْمُتَّجَهُ ، وَعَلَى هَذَا فَكَأنَ الْمُصَنِّفُ تَرْجَمَ بِهَا وَأَخْلَى بَيَاضًا لِيَكْتُبَ فِيهَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُبْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي غَيْرِهَا . وَقَدْ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بَابُ قَذْفِ الْعَبْدِ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ - جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. الْحَدِيثَ ، فَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَه · ص 218 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمُكَاتِبِ وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْم · ص 218 1 - بَاب الْمُكَاتِبِ وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ وَقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَقَالَ رَوْحٌ : عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ ؟ قَالَ : مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا . وَقَالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أتَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ ؟ قَالَ : لَا ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ ، فَأَبَى فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : كَاتِبْهُ ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ ، وَيَتْلُو عُمَرُ : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا فَكَاتَبَهُ . 2560 - وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْس أَوَاقي نُجِّمَتْ عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ فِيهَا : أَرَأَيْتِ إِنْ عَدَدْتُ لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ فَأُعْتِقَكِ فَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي ؟ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : لَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا الْوَلَاءُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ الْمُكَاتَبُ وَنُجُومُهُ ) فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ الْآيَةَ ، سَاقُوهَا إِلَى قَوْلِهِ : الَّذِي آتَاكُمْ إِلَّا النَّسَفِيَّ ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَنَجْمُ الْكِتَابَةِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُعَيَّنُ الَّذِي يُؤَدِّيهِ الْمُكَاتَبُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَبْنُونَ أُمُورَهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ عَلَى طُلُوعِ النَّجْمِ وَالْمَنَازِلِ لِكَوْنِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ الْحِسَابَ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ الْفُلَانِيُّ أَدَّيْتُ حَقَّكَ ، فَسُمِّيَتِ الْأَوْقَاتُ نُجُومًا بِذَلِكَ ، ثُمَّ سُمِّيَ الْمُؤَدَّى فِي الْوَقْتِ نَجْمًا . وَعُرِفَ مِنَ التَّرْجَمَةِ اشْتِرَاطُ التَّأْجِيلِ فِي الْكِتَابَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وُقُوفًا مَعَ التَّسْمِيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الضَّمِّ ، وَهُوَ ضَمُّ بَعْضِ النُّجُومِ إِلَى بَعْضٍ ، وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الضَّمُّ نَجْمَانِ ، وَبِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِتَحْصِيلِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْكِتَابَةِ الْحَالَّةِ ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَالرُّويَانِيِّ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَا نَصَّ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ مُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ شَبَّهُوهُ بِبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنْ لَا يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ نَجْمَيْنِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ التَّأْجِيلَ جُعِلَ رِفْقًا بِالْمُكَاتَبِ لَا بِالسَّيِّدِ ، فَإِذَا قَدَرَ الْعَبْدُ عَلَى ذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَبِأَنَّ سَلْمَانَ كَاتَبَ - بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَذْكُرْ تَأْجِيلًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خَبَرِهِ ، وَبِأَنَّ عَجْزَ الْمُكَاتَبِ عَنِ الْقَدْرِ الْحَالِّ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكِتَابَةِ كَالْبَيْعِ فِي الْمَجْلِسِ ، كَمَنِ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ حَالَّةً وَهُوَ لَا يَقْدِرُ حِينَئِذٍ إِلَّا عَلَى دِرْهَمٍ نَفَذَ الْبَيْعُ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ أَكْثَرِ الثَّمَنِ ، وَبِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ أَجَازُوا السَّلَمَ الْحَالَّ وَلَمْ يَقِفُوا مَعَ التَّسْمِيَةِ مَعَ أَنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِالتَّأْجِيلِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ فَأَخَذَهُ مِنْ صُورَةِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ بَعْدَ بَابٍ ، وَلَمْ يُرِدِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِيهِ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّنْجِيمُ بِالْأَشْهُرِ جَازَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَفْظُ نَجْمٍ فِي آخِرِهِ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْخَيْرِ فِي قَوْلِهِ : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا كَمَا سَيَأْتِي بيانه بَعْدَ بَابَيْنِ ، وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ خَالِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَبِيحٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، فَسَأَلْتُهُ الْكِتَابَةَ فَأَبَى ، فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ الْآيَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي تَرْجَمَةِ صَبِيحٍ فِي الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ رَوْحٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ ، قَالَ : مَا أَرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا ) وَصَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ بِهَذَا ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَتَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ ؟ قَالَ : لَا ) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْأَثَرِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ تَحْرِيفٌ لَزِمَ مِنْهُ الْخَطَأُ ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ وَقَالَهُ لِي أَيْضًا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَهُوَ فَاعِلُ قُلْتُ لِعَطَاءٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ حَيْثُ قَالَ فِيهَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ - وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَا فِيهِ : وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ نَقَلَ عَنْ عَطَاءٍ التَّرَدُّدَ فِي الْوُجُوبِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ الْجَزْمَ بِهِ أَوْ مُوَافَقَةَ عَطَاءٍ . ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ عَلَى الصَّوَابِ بِزِيَادَةِ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَلَفْظُهُ وَقَالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَيِ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ ) الْقَائِلُ ثُمَّ أَخْبَرَنِي هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَيْضًا ، وَمُخْبِرُهُ هُوَ عَطَاءٌ ، وَوَقَعَ مُبَيَّنًا كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ سَأَلَ .. فَذَكَرَهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ وَقَدْ عُرِفَ اسْمُ الْمُخْبِرِ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحٍ ، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ الْإِرْسَالُ فَإِنَّ مُوسَى لَمْ يَذْكُرْ وَقْتَ سُؤَالِ ابن سِيرِينَ مِنْ أَنَسٍ الْكِتَابَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَرَادَنِي سِيرِينُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَأَبَيْتُ ، فَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَسِيرِينُ الْمَذْكُورُ يُكَنَّى أَبَا عَمْرَةَ ، وَهُوَ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ وَإِخْوَتِهِ ، وَكَانَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ اشْتَرَاهُ أَنَسٌ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَرَوَى هُوَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ ) زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : فَاسْتَعْدَاهُ عَلَيْهِ ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ : وَكَاتَبَهُ أَنَسٌ ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : كَاتَبَ أَنَسٌ أَبِي عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَاتَبَنِي أَنَسٌ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَا مَحْفُوظَيْنِ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْوَزْنِ وَالْآخَرِ عَلَى الْعَدَدِ ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : هَذِهِ مُكَاتَبَةُ أَنَسٍ عِنْدَنَا : هَذَا مَا كَاتَبَ أَنَسٌ غُلَامَهُ سِيرِينَ : كَاتَبَهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا أَلْفٍ وَعَلَى غُلَامَيْنِ يَعْمَلَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ وَاسْتُدِلَّ بِفِعْلِ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى بِوُجُوبِ الْكِتَابَةِ إِذَا سَأَلَهَا الْعَبْدُ ، لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا ضَرَبَ أَنَسًا عَلَى الِامْتِنَاعِ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَدَّبَهُ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ الْمُؤَكَّدِ ، وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ الْكِتَابَةَ : لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا فَعَلْتُ فَلَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْوُجُوبَ . وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهَا عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، زَادَ الْقُرْطُبِيُّ : وَعِكْرِمَةُ . وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ : أَنَّ مُكَاتَبَتَهُ وَاجِبَةٌ إِذَا طَلَبَهَا ، وَلَكِنْ لَا يُجْبِرُ الْحَاكِمُ السَّيِّدَ عَلَى ذَلِكَ . وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِالْوُجُوبِ ، وَبِهِ قَالَ الظَّاهِرِيَّةُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : إِنَّمَا عَلَا عُمَرُ ، أَنَسًا بِالدِّرَّةِ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ لِأَنَسٍ ، وَلَوْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ لَزِمَتْ أَنَسًا مَا أَبَى ، وَإِنَّمَا نَدَبَهُ عُمَرُ إِلَى الْأَفْضَلِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ وَكَسْبَهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِكِتَابَتِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : خُذْ كَسْبِي وَأَعْتِقْنِي يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَعْتِقْنِي بِلَا شَيْءٍ وَذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ اتِّفَاقًا وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ إِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَرَضِيَ السَّيِّدُ بِالْقَدْرِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الْمُكَاتَبَةُ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ : الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لِلْأَمْرِ فِي هَذَا عَنِ الْوُجُوبِ الشَّرْطُ فِي قَوْلِهِ : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا فَإِنَّهُ وَكَلَ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَوْلَى ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى عَدَمَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْكِتَابَةُ عَقْدُ غَرَرٍ ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا تَجُوزَ ، فَلَمَّا وَقَعَ الْإِذْنُ فِيهَا كَانَ أَمْرًا بَعْدَ مَنْعٍ وَالْأَمْرُ بَعْدَ الْمَنْعِ لِلْإِبَاحَةِ ، وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا كَوْنُهَا مُسْتَحَبَّةً لِأَنَّ اسْتِحْبَابَهَا ثَبَتَ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ بَرِيرَةَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْكِتَابَةِ ، فَأَوْرَدَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ طَرِيقَ اللَّيْثِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ تَعْلِيقًا ، وَوَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ اللَّيْثِ لَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَفْسِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ يُونُسُ ، وَاللَّيْثُ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهَذَا هُـوَ الْمَحْفُوظُ أَنَّ يُونُسَ رَفِيقُ اللَّيْثِ فِيهِ لَا شَيْخُهُ ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ اللَّيْثِ لَهُ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ أَيْضًا مُخَالَفَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ نَظَرٌ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَعَلَيْهَا خَمْسُ أَوَاقي نُجِّمَتْ عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ وَالْمَشْهُورُ مَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهَا كَاتَبَتْ عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةً وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُعَلَّقَةَ غَلَطٌ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ التِّسْعَ أَصْلٌ وَالْخَمْسَ كَانَتْ بَقِيَتْ عَلَيْهَا ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، وَيُجَابُ بِأَنَّهَا كَانَتْ حَصَّلَتِ الْأَرْبَعَ أَوَاقٍ قَبْلَ أَنْ تَسْتَعِينَ عَائِشَةَ ، ثُمَّ جَاءَتْهَا وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا خَمْسٌ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُجَابُ بِأَنَّ الْخَمْسَ هِيَ الَّتِي كَانَتِ اسْتُحِقَّتْ عَلَيْهَا بِحُلُولِ نُجُومِهَا مِنْ جُمْلَةِ التِّسْعِ الْأَوَاقِي الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْمَاضِيَةِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فَقَالَ أَهْلُهَا : إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِ مَا يَبْقَى وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي الْأَصْلِ الْمَسْمُوعِ عَلَى الْفَرَبْرِيِّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّهَا كَاتَبَتْ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ وَقَالَ : إِنْ كَانَ مَضْبُوطًا فَهُوَ يَدْفَعُ سَائِرَ الْأَخْبَارِ . قُلْتُ : لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا إِلَّا الْأَوَاقِي ، وَكَذَا فِي نُسْخَةِ النَّسَفِيِّ عَنِ الْبُخَارِيِّ ، وَكَانَ يُمْكِنُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِأَنَّ قِيمَةَ الْأَوْسَاقِ الْخَمْسَةِ تِسْعُ أَوَاقٍ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فِي خَمْسِ سِنِينَ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى الْجَمْعِ الْأَوَّلِ . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ فِيهَا هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ رَغِبَتْ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم من قذف مملوكه المكاتب ،وباب المكاتب ونجومه في كل سنة نجم · ص 116 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المكاتب أي هذا كتاب في بيان أحكام المكاتب ، ووقع هكذا في المكاتب من غير ذكر لفظ كتاب ولا لفظ باب والبسملة موجودة عند الكل ، والمكاتب بفتح التاء هو الرقيق الذي يكاتبه مولاه على مال يؤديه إليه ، بحيث إنه إذا أداه عتق ، وإن عجز رد إلى الرق ، وبكسر التاء هو مولاه الذي بينهما عقد الكتابة ، والكتابة أن يقول الرجل لمملوكه : كاتبتك على ألف درهم مثلا ، ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت المال ، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك ، أو كتبت عليك وفاء المال ، وكتبت على العتق ، واشتقاقها من الكتب وهو الجمع يقال : كتبت الكتاب إذا جمعت بين الكلمات والحروف ، وسمي هذا العقد كتابة لما يكتب فيه ، وهو الذي ذكرناه ، فإن قلت : سائر العقود يوجد فيها معنى الكتابة فلم لا تسمى بهذا الاسم ؟ قلت : لئلا تبطل التسمية كالقارورة سميت بهذا الاسم لقرار المائع فيها ، ولم يسم الكوز ونحوه قارورة ، وإن كان يقر المائع فيه لئلا تبطل الأعلام ، والكتابة شرعا عقد بين المولى وعبده بلفظ الكتابة أو ما يؤدي معناه من كل وجه يوجب التحرير يدا في الحال ورقبة في المال ، وقال الروياني : الكتابة إسلامية ولم تكن تعرف في الجاهلية ، ورد عليه بأنها كانت متعارفة قبل الإسلام ، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن خزيمة في كلامه على حديث بريرة قيل : إن بريرة أول مكاتبة في الإسلام وقد كانوا يتكاتبون في الجاهلية بالمدينة ، وفي التوضيح : واختلف في أول من كوتب في الإسلام فقيل : سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ، كاتب أهله على مائة ودية نجمها لهم ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا غرستها فآذني ، قال : فلما غرستها آذنته ، فدعا فيها بالبركة فلم تفت منها ودية واحدة ، وقيل : أول من كوتب أبو المؤمل فقال صلى الله عليه وسلم : أعينوه فقضى كتابته وفضلت عنده فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام : أنفقها في سبيل الله ، وأول من كوتب من النساء بريرة ، وأول من كوتب بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو أمية مولى عمر رضي الله تعالى عنه ثم سيرين مولى أنس . باب إثم من قذف مملوكه المكاتب أي هذا باب في بيان إثم من قذف مملوكه الذي كاتبه كذا وقع هذا الباب هنا في بعض النسخ ، ولم يذكر فيه حديث أصلا ولا له وجه في دخوله أبواب المكاتب ، وقد ترجم في كتاب الحدود باب قذف المملوك ، وأورد فيه حديثه على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى ، قيل كان البخاري ترجم بهذا الباب ، وأخلى بياضا ليكتب فيه الحديث الوارد فيه فكأنه لما لم يظفر به تركه هكذا . باب المكاتب ونجومه في كل سنة نجم أي هذا باب في بيان أمر المكاتب ، وأمر نجومه وهو جمع نجم ، وهو في الأصل الطالع ثم سمي به الوقت ، ومنه قول الشافعي : أقل التأجيل نجمان أي شهران ، ثم سمي به ما يؤدى به من الوظيفة ، يقال : دين منجم جعل نجوما ، وقال الرافعي : النجم في الأصل الوقت ، وكانت العرب يبنون أمورهم على طلوع النجم لأنهم لا يعرفون الحساب فيقول أحدهم : إذا طلع نجم الثريا أديت حقك فسميت الأوقات نجوما ، ثم سمي المؤدى في الوقت نجما ، وقيل : أصل هذا من نجوم الأنواء لأنهم كانوا لا يعرفون الحساب ، وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء ، قوله : في كل سنة نجم يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون نجم مرفوعا بالابتداء وخبره هو قوله : مقدما في كل سنة وتكون الجملة في محل الرفع على الخبرية ، والوجه الثاني : يأتي على رواية النسفي أن لفظة نجم ساقطة وهو أن يكون قوله : في كل سنة نصبا على الحال من نجومه ، وقال بعضهم : عرف من الترجمة اشتراط التأجيل في الكتابة ، وهو قول الشافعي بناء على أن الكتابة مشتقة من الضم وهو ضم بعض النجوم إلى بعض ، وأقل ما يحصل به الضم نجمان ، ثم ذكر بعد أسطر ، ولم يرد المصنف أي البخاري بقوله : في كل سنة نجم أن ذلك شرط فيه ، فإن العلماء اتفقوا على أنه لو وقع النجم بالأشهر جاز ، وفيه ما فيه . وقوله : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ هذه الآية الكريمة في سورة النور ، وقبل قوله : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ وبعده : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إلى قوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ ولما ذكر الله تعالى تزويج الحرائر والإماء والأحرار والعبيد ذكر حال من يعجز عن ذلك ثم قال : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ أي يطلبون من البغية وهو الطلب ، قال الزمخشري : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ مرفوع على الابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره فَكَاتِبُوهُمْ كقولك : زيدا فاضربه ، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط ، قوله : الْكِتَابَ منصوب ، وإنه مفعول يَبْتَغُونَ الكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة ، وهي مفاعلة بين اثنين ، وهما السيد وعبده ، فيقال : كاتب يكاتب مكاتبة وكتابا كما يقال : قاتل يقاتل مقاتلة وقتالا ، ومعنى يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ أي المكاتبة ، قوله : فَكَاتِبُوهُمْ خبر المبتدأ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ ، ثم إن هذا الأمر عند الجمهور على الندب ، وقال داود على الوجوب إذا سأله العبد أن يكاتبه ، وروي ذلك عن عكرمة أيضا ، وقال عطاء : يجب عليه إن علم أن له مالا ، وفي تفسير النسفي : وقيل : هو أمر إيجاب فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم منه خيرا إذا سأله ذلك بقيمته ، وأكثر وهو قول داود ، ومحمد بن جرير من الفقهاء ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، واحتج من نصر هذا القول بما روى قتادة أن سيرين سأل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن يكاتبه فلكأ عليه فشكاه إلى عمر رضي الله تعالى عنه ، فعلاه بالدرة ، وأمره بالكتابة على ما يجيء ، واحتجوا أيضا بأن هذه الآية نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له : صبيح ، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ، ووهب له منها عشرين دينارا ، فأداها وقتل يوم حنين في الحرب انتهى ، ( قلت ) : سيرين بكسر السين المهملة مولى أنس بن مالك وهو من سبي عين التمر الذين أسرهم خالد بن الوليد رضي الله عنه ، قوله : فلكأ عليه أي توقف وتباطى ، وكذلك تلكأ قوله : فعلاه بالدرة وهي بكسر الدال وتشديد الراء وهي الآلة التي يضرب بها ، وقصة سيرين رواها ابن سعد فقال : أخبرنا محمد بن حميد العبدي ، عن معمر ، عن قتادة قال : سأل سيرين أبو محمد أنس بن مالك الكتابة فأبى أنس فرفع عمر بن الخطاب عليه الدرة ، وقال : كاتبه فكاتبه ، وقال : أخبرنا معمر بن عيسى ، حدثنا محمد بن عمرو سمعت محمد بن سيرين كاتب أنس أبي على أربعين ألف درهم ، وحويطب بن عبد العزى القرشي العامري أبو محمد ، وقيل : أبو الأصبع من المؤلفة قلوبهم ، شهد حنينا ثم حمد إسلامه ، وعمّر مائة وعشرين سنة ، وله رواية ، وصبيح غلامه بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة ، وقصته رواها سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق ، عن خالد عبد الله بن صبيح ، عن أبيه قال : كنت مملوكا لحويطب فسألته فنزلت وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الآية ، وحجة الجمهور في هذا أن الإجماع منعقد على أن السيد لا يجبر على بيع عبده ، وإن ضوعف له في الثمن ، وإذا كان كذلك فالأحرى والأولى أن لا يخرج عن ملكه بغير عوض لا يقال : إنها طريق العتق ، والشارع متشوف إليه ، فحالف البيع لأنا نقول : التشوف إنما هو في محل مخصوص ، وأيضا الكسب له فكأنه قال : أعتقني مجانا ، وأما الآثار التي دلت على الوجوب فسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى . قوله : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا اختلفوا في المراد بالخير فقال الثوري : هو القوة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه ، وعن الليث مثله ، وكره ابن عمر كتابة من لا حرفة له ، وكذا روي عن سلمان ، وقال الحسن البصري : الصدق والأمانة والوفاء ، وقال بعضهم : الصلاح وإقامة الصلاة ، وقال مجاهد : المال ، وكذا نقل عن عطاء ، وأبي رزين ، وكذلك روي عن ابن عباس ، وفي المصنف : وكتب عمر إلى عمير بن سعد أنه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس ، وقال ابن حزم قالت طائفة : المال ، فنظرنا في ذلك فوجدنا موضوع كلام العرب الذي نزل به القرآن أنه لو أراد عز وجل المال لقال : إن علمتم لهم خيرا ، أو عندهم ، أو معهم خيرا ، لأن بهذه الحروف يضاف المال إلى من هو له في لغة العرب ، ولا يقال أصلا في فلان مال فعلمنا أنه تعالى لم يرد به المال ، فصح أنه الدين ، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل أأكاتب وليس لي مال ؟ فقال : نعم ، فصح عنده أن الخير عنده لم يكن المال ، وقال الطحاوي : من قال : إنه المال ، لا يصح عندنا ، لأن العبد نفسه مال لمولاه ، فكيف يكون له مال ؟ والمعنى عندنا : إن علمتم فيهم الدين والصدق وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم ، قوله : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ أي أعطوهم من المال الذي أعطاكم الله تعالى اختلف في المخاطبين من هم ؟ فقيل : الأغنياء الذين يجب عليهم الزكاة ، أمروا أن يعطوا المكاتبين ، وقيل : السادة أمروا بإعانتهم ، وهو أن يحط عنهم من مال الكتابة شيئا ، واختلف في الإيتاء هل هو واجب ؟ فذهب الشافعي إلى أنه واجب ، وقال أبو حنيفة ومالك : ليس بواجب ، والأمر فيه على الندب والحض أن يضع الرجل عن عبده من مال كتابته شيئا مسمى به يستعين على الخلاص ، واختلفوا فيه أيضا هل هو مقدار معين ؟ فقال الشافعي : هو غير مقدر ، ولكنه واجب كما ذكرنا ، وهو المنقول عن سعيد بن جبير ، وقال أحمد : هو ربع المال ، وهو المروي أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وعن ابن مسعود : الثلث ، وقال الزمخشري : وَآتُوهُمْ أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين ، وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال كقوله : وَفِي الرِّقَابِ عند أبي حنيفة وأصحابه ، وقيل : معنى وَآتُوهُمْ أسلفوهم ، وقيل : أنفقوا عليهم بعد أن يؤدوا أو يعتقوا ، وهذا كله مستحب ، وقال ابن بطال : قول الجمهور أولى لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأمر موالي بريرة بإعطائها شيئا ، وقد كوتبت وبيعت بعد الكتابة ، ولو كان الإيتاء واجبا لكان مقدرا كسائر الواجبات ، حتى إذا امتنع السيد من جعله ادعاه عند الحاكم ، فأما دعوى المجهول فلا يحكم بها ، ولو كان الإيتاء واجبا وهو غير مقدر لكان الواجب للمولى على المكاتب هو الباقي بعد الحط ، فأدى ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة ، وذلك لا يجوز . وقال روح عن ابن جريج ، قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه قال : ما أراه إلا واجبا . روح هو ابن عبادة ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، وهذا التعليق رواه ابن حزم من طريق إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا ابن جريج به . وقال عمرو بن دينار قلت : لعطاء تأثره عن أحد ؟ قال : لا ، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال ، فأبى ، فانطلق إلى عمر رضي الله عنه ، فقال : كاتبه فأبى فضربه بالدرة ، ويتلو عمر : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا فكاتبه . هكذا وقع قال عمرو بدون الضمير المنصوب بعد قال في النسخ المروية عن الفربري ، وظاهره يدل على أن هذا الأثر من عمرو بن دينار ، عن عطاء ، قيل : ليس كذلك لأن النسخة المعتمد عليها من رواية النسفي عن البخاري هكذا ، وقاله عمرو بن دينار بالضمير المنصوب بعد قال أي قال القول المذكور عمرو بن دينار ، وفاعل قلت هو ابن جريج لا عمرو بن دينار ، حاصله أن عمرو بن دينار قال مثل ما قال عطاء في سؤال ابن جريج عنه لا أن عمرا سأل ذلك عن عطاء مثل ما سأل ابن جريج ، قوله : تأثره أي ترويه عن أحد من أثر يأثر أثرا يقال : أثرت الحديث آثره إذا ذكرت عن غيرك ، ومنه قيل : حديث مأثور أي ينقله خلف عن سلف ، قوله : قال : لا أي لا آثره عن أحد ، قوله : ثم أخبرني القائل بهذا هو ابن جريج ، والمخبر هو عطاء كذا وقع مصرحا في رواية إسماعيل القاضي في أحكام القرآن ، ولفظه : قال ابن جريج ، وأخبرني عطاء أن موسى بن أنس أخبره ابن سيرين ، وهو أبو محمد بن سيرين ، وقد ذكرنا عن قريب ، وظاهره الإرسال لأن موسى لم يدرك وقت سؤال سيرين من أنس الكتابة ، وقد رواه عبد الرزاق ، والطبري من وجه آخر متصل من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه قال : أرادني سيرين على المكاتبة فأبيت فأتى عمر بن الخطاب فذكر نحوه ، قوله : فأبى أي امتنع من فعل الكتابة ، قوله : فانطلق إلى عمر وفي رواية إسماعيل بن إسحاق فاستعداه عليه ، وزاد في آخر القصة : فكاتبه أنس ، وقد ذكرنا عن ابن سعد أنه كاتبه على أربعين ألف درهم . فإن قلت : روى البيهقي من طريق أنس بن سيرين عن أبيه قال : كاتبني أنس على عشرين ألف درهم ، قلت : أجيب بأنهما إن كانا محفوظين يحمل أحدهما على الوزن والآخر على العدد ، فإن قلت : ضرب عمر أنسا رضي الله تعالى عنهما يدل على أن عمر كان يرى بوجوب الكتابة ، قلت : قال ابن القصار إنما علا عمر أنسا بالدرة على وجه النصح لأنس ، ولو كانت الكتابة لزمت أنسا ما أبى ، وإنما ندبه عمر إلى الأفضل انتهى ، وفيه نظر لا يخفى لأن الضرب غير موجه على ترك المندوب خصوصا من مثل عمر لمثل أنس رضي الله تعالى عنهما ، ولا سيما تلا عمر قوله : تعالى : فَكَاتِبُوهُمْ الآية عند ضربه إياه . 42 - وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال عروة : قالت عائشة رضي الله عنها أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواقي نجمت عليها في خمس سنين ، فقالت لها عائشة ونفست فيها : أرأيت إن عددت لهم عدة واحدة أيبيعك أهلك فأعتقك فيكون ولاؤك لي فذهبت بريرة إلى أهلها فعرضت ذلك عليهم ، فقالوا : لا ، إلا أن يكون لنا الولاء ، قالت عائشة : فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشتريها ، فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، شرط الله أحق وأوثق . مطابقته للترجمة في قوله : نجمت عليها في خمس سنين وهذا الحديث ذكره البخاري في كتابه في عدة مواضع أولها في كتاب الصلاة في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، عن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة ، الحديث ، وقد ذكرنا ما يتعلق بكل واحد في موضعه ، وذكره هنا معلقا ، ووصله الذهلي في الزهريات عن أبي صالح كاتب الليث ، عن الليث ، وفيه مقال من وجهين أحدهما : أن المحفوظ رواية الليث له عن ابن شهاب نفسه بغير واسطة ، وسيأتي في الباب الذي يليه أنه رواه عن قتيبة ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، وكذلك أخرجه مسلم أيضا عن قتيبة ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، وكذلك أخرجه الطحاوي قال : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني رجال من أهل العلم منهم يونس بن يزيد ، والليث بن سعد ، عن ابن شهاب حدثهم عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قالت : جاءت بريرة الحديث ، وأخرجه النسائي عن يونس بن يزيد ، عن ابن وهب إلى آخره نحو رواية الطحاوي فاشترك النسائي والطحاوي هنا في يونس بن عبد الأعلى ، وقد علم من هذا أن يونس بن يزيد رفيق الليث فيه لا شيخه ، والوجه الآخر أنه وقع فيه مخالفة للروايات المشهورة ، وهو قوله : وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين ، والمشهور ما في رواية هشام بن عروة التي تأتي بعد بابين عن أبيه : أنها كاتبت على تسع أواق كل عام أوقية ، وقد جزم الإسماعيلي أن هذه الرواية المعلقة غلط ، ( قلت ) : أجيب عنه بأن التسع أصل والخمس كانت بقيت عليها وبهذا جزم القرطبي ، والمحب الطبري ، ( فإن قلت ) : في رواية قتيبة : ولم تكن أدت من كتابتها شيئا ( قلت ) : أجيب بأنها كانت حصلت الأربع أواق قبل أن تستعين بعائشة ثم جاءتها وقد بقي عليها خمس ، وقال القرطبي : يجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها لحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام ، ويؤيده قوله : في رواية عمرة عن عائشة التي مضت في كتاب الصلاة في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد فقال أهلها : إن شئت أعطيت ما بقي ، قوله : دخلت عليها أي على عائشة ، قوله : تستعينها جملة حالية ، قوله : في كتابتها أي في مال كتابتها ، قوله : أواقي جمع أوقية وهي أربعون درهما ، ويجوز في الجمع تشديد الياء وتخفيفها ، قوله : نجمت على صيغة المجهول صفة للأواقي ، قوله : ونفست فيها جملة حالية معترضة بين القول ومقوله ، وهو بكسر الفاء أي رغبت ، ومنه فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وإذا قيل : نفست به يكون معناه نحلت ، ونفست عليه الشيء نفاسة إذا لم تره له أهلا ، ونفست المرأة تنفس من باب علم يعلم إذا حاضت ، قوله : أرأيت إن عددت لهم عدة واحدة معنى أرأيت أخبريني ، ومعنى عددت لهم عددت الخمس أواقي ، وفي رواية عمرة عن عائشة : إن أحب أهلك أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك كذا في رواية الطحاوي ، قوله : شروطا ليست في كتاب الله تعالى أي ليست في حكم الله تعالى وقضائه في كتابه أو سنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : شرط الله أحق قال الداودي : شرط الله ههنا أراه والله أعلم هو قوله تعالى فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وقوله : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ وقال في موضع هو قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وقوله تعالى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ الآية ، وقال القاضي عياض : وعندي أن الأظهر هو ما أعلم به صلى الله عليه وسلم من قوله : إنما الولاء لمن أعتق ، و مولى القوم منهم ، و الولاء لحمة كالنسب ، وفي بعض الروايات : كتاب الله أحق يحتمل أن يريد حكمه ، ويحتمل أن يريد القرآن . وفيه فوائد كثيرة : تكلم العلماء فيه كثيرا جدا لأنه روي بوجوه مختلفة ، وطرق متغايرة حتى أن محمد بن جرير صنف في فوائده مجلدا ، وقد ذكرنا أكثرها فيما مضى في كتاب الصلاة والزكاة والبيع وغيرها ، ومن أعظم فوائده ما احتج به قوم على فساد البيع بالشرط ، وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وذهب قوم إلى أن البيع صحيح والشرط باطل ، وقد ذكرناه فيما مضى مفصلا .