بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 51 - كِتَاب الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا 2566 - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، إِلَّا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ فَقَالَا : فِيهَا بَدَلَ عَلَيْهَا . وَأَخَّرَ النَّسَفِيُّ الْبَسْمَلَةَ . وَالْهِبَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ تُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ عَلَى أَنْوَاعِ الْإِبْرَاءِ ، وَهُوَ هِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، وَالصَّدَقَةُ وَهِيَ هِبَةُ مَا يَتَمَحَّضُ بِهِ طَلَبُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ، وَالْهَدِيَّةُ وَهِيَ مَا يُكْرَمُ بِهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ . وَمَنْ خَصَّهَا بِالْحَيَاةِ أَخْرَجَ الْوَصِيَّةَ ، وَهِيَ تَكُونُ أَيْضًا بِالْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ . وَتُطْلَقُ الْهِبَةُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ عَلَى مَا لَا يُقْصَدُ لَهُ بَدَلٌ ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُ مَنْ عَرَّفَ الْهِبَةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ ، وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِيهَا الْهَدَايَا . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَسَقَطَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ ، وَضَبَّبَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ . وَمِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُبَارَكِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ آدَمَ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ .. الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : غَرِيبٌ ، وَأَبُو مَعْشَرٍ يُضَعَّفُ . وَقَالَ الطَّرْقِيُّ : إِنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ ، كَذَا قَالَ ، وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ . نَعَمْ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ فَرِوَايَتُهُمْ أَوْلَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ . قَوْلُهُ : ( يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ ) قَالَ عِيَاضٌ : الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ نَصْبُ النِّسَاءِ وَجَرُّ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمَشَارِقَةِ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى صِفَتِهِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ يُقَدِّرُونَ فِيهِ مَحْذُوفًا . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ : جَاءَ بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ ، وَيَجُوزُ فِي الْمُسْلِمَاتِ الرَّفْعُ صِفَةً عَلَى اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى يَا أَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُسْلِمَاتُ ، وَالنَّصْبُ صِفَةً عَلَى الْمَوْضِعِ ، وَكَسْرَةُ التَّاءِ عَلَامَةُ النَّصْبِ ، وَرُوِيَ بِنَصْبِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُضَافٌ وَكَسْرَةِ التَّاءِ لِلْخَفْضِ بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِدِ الْجَامِعِ ، وَهُوَ مِمَّا أُضِيفَ فِيهِ الْمَوْصُوفُ إِلَى الصِّفَةِ فِي اللَّفْظِ ، فَالْبَصْرِيُّونَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ صِفَتِهِ مَقَامَهُ نَحْوُ يَا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ أَوْ يَا نِسَاءَ الطَّوَائِفِ الْمُؤْمِنَاتِ ، أَيْ لَا الْكَافِرَاتِ ، وَقِيلَ : تَقْدِيرُهُ يَا فَاضِلَاتِ الْمُسْلِمَاتِ كَمَا يُقَالُ هَؤُلَاءِ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ أَفَاضِلُهُمْ ، وَالْكُوفِيُّونَ يَدَّعُونَ أَنْ لَا حَذْفَ فِيهِ وَيَكْتَفُونَ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمُغَايَرَةِ . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : تَوْجِيهُهُ أَنَّهُ خَاطَبَ نِسَاءً بِأَعْيَانِهِنَّ فَأَقْبَلَ بِنِدَائِهِ عَلَيْهِنَّ فَصَحَّتِ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى الْمَدْحِ لَهُنَّ ، فَالْمَعْنَى يَا خَيْرَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ رِجَالُ الْقَوْمِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْصُصْهُنَّ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُنَّ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْحُكْمِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُشَارِكْنَهُنَّ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ السَّيِّدِ بِأَنَّهَا قَدْ صَحَّتْ نَقْلًا وَسَاعَدَتْهَا اللُّغَةُ فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُمْكِنُ تَخْرِيجُ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى تَقْدِيرٍ بَعِيدٍ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ نَعْتًا لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ : يَا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ الرِّجَالُ ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مَدْحًا لِلرِّجَالِ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا خَاطَبَ النِّسَاءَ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْأَنْفُسِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مَعًا ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ . وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ .. الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( جَارَةٌ لِجَارَتِهَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ لِجَارَةٍ وَالْمُتَعَلِّقُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هَدِيَّةً مُهْدَاةً . قَوْلُهُ : ( فِرْسِنَ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ مَوْضِعُ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ مَجَازًا ، وَنُونُهُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ أَصْلِيَّةٌ ، وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولُهُ لَا إِلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ أَيْ لَا تَمْنَعُ جَارَةٌ مِنَ الْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا لِاسْتِقْلَالِهِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ ، وَذِكْرُ الْفِرْسِنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ : يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادَوْا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِنَ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ ، وَإِذَا تَوَاصَلَ الْيَسِيرُ صَارَ كَثِيرًا . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَوَدَّةِ وَإِسْقَاطُ التَّكَلُّفِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريص 232 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 124 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها أي هذا كتاب في بيان أحكام الهبة ، وبيان فضلها ، وبيان التحريض عليها ، وفي رواية الكشميهني ، وابن شبويه : والتحريض فيها ، واستعماله بعلى أكثر ، والتحريض على الشيء الحث والإغراء عليه ، والبسملة مقدمة على قوله : كتاب الهبة عند الكل إلا في رواية النسفي فإنها مذكورة بعده ، وقال صاحب التوضيح : أصل الهبة من هبوب الريح أي مروره ، ( قلت ) : هذا غلط صريح ، بل الهبة مصدر من وهب يهب ، وأصلها وهب لأنه معتل الفاء كالعدة أصلها وعد ، فلما حذفت الواو تبعا لفعله عوضت عنها الهاء ، فقيل : هبة وعدة ، ومعناها في اللغة إيصال الشيء للغير بما ينفعه سواء كان مالا أو غير مال ، يقال : وهبت له مالا ، ووهب الله فلانا ولدا صالحا ، ويقال : وهبه مالا أيضا ولا يقال : وهب منه ، ويسمى الموهوب هبة وموهبة ، والجمع هبات ، ومواهب ، واتهبه منه إذا قبله واستوهبه إياه إذا طلب الهبة ، وفي الشرع الهبة تمليك المال بلا عوض ، وقال الكرماني : الهبة تمليك بلا عوض ، وتحتها أنواع كالإبراء ، وهي هبة الدين ممن عليه ، والصدقة ، وهي الهبة لثواب الآخرة ، والهدية وهي ما ينقل إلى الموهوب منه إكراما له ، وأخذ بعضهم كلام الكرماني هذا وذكر التقسيم المذكور بعد أن قال : الهبة تطلق بالمعنى الأعم على أنواع ، ثم قال : وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل ، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض انتهى ، ( قلت ) : تقسيم الهبة إلى الأنواع المذكورة ليس بالنظر إلى معناها الشرعي ، وإنما هو بالنظر إلى معناها اللغوي ، لأن الأنواع المذكورة إنما تنطبق على المعنى اللغوي لا الشرعي فافهم . 1 - حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ، ولو فرسن شاة . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تحريضا على الخير إلى أحد ، ولو كان بشيء حقير ، وهو داخل في معنى الهبة من حيث اللغة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة على رواية الأصيلي ، وكريمة ، وفي رواية الأكثرين خمسة الأول : عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب أبو الحسين مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين ، الثاني : محمد بن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب ، واسمه هشام ، الثالث : سعيد المقبري ، الرابع : أبوه كيسان ، الخامس : أبو هريرة ، وكيسان سقط في رواية الأصيلي ، والصواب إثباته ، وقال الدارقطني : رواه عن ابن أبي ذئب يحيى القطان ، وأبو معشر ، عن سعيد ، عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه ، وأخرجه الترمذي من طريق أبي معشر ، عن سعيد ، عن أبي هريرة لم يقل : عن أبيه ، وزاد في أوله : تهادوا ، فإن الهدية تذهب وحر الصدر ، وقال : غريب ، وأبو معشر يضعف ، وقال الطرقي : إنه أخطأ فيه حيث لم يقل : عن أبيه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه من أهل واسط وأنه من أفراده ، وبقية الرواة مدنيون ، وفيه أن أحدهم مذكور بنسبته إلى أحد أجداده كما ذكرنا ، والآخر مذكور بنسبته إلى مقبرة المدينة لأجل سكناه فيها ، والحديث أخرجه مسلم ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : أخبرنا الليث بن سعيد ، وحدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا ليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقول : يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ، ولو فرسن شاة . ( ذكر معناه ) قوله : يا نساء المسلمات ذكر عياض في إعرابه ثلاثة أوجه أصحها وأشهرها نصب النساء ، وجر المسلمات على الإضافة ، قال الباجي : وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه ، والموصوف إلى صفته ، والأعم إلى الأخص ، كمسجد الجامع ، وجانب الغربي ، وهو عند الكوفيين جائز على ظاهره ، وعند البصريين يقدرون فيه محذوفا ، أي مسجد المكان الجامع ، وجانب المكان الغربي ، ويقدر هنا يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات المؤمنات ، وقيل : تقديره : يا فاضلات المسلمات ، كما يقال : هؤلاء رجال القوم ، أي ساداتهم وأفاضلهم ، الوجه الثاني : رفع النساء ورفع المسلمات على معنى النداء والصفة ، أي : يا أيتها النساء المسلمات ، قال الباجي : كذا يرويه أهل بلدنا ، الوجه الثالث : رفع النساء وكسر التاء من المسلمات على أنه منصوب على الصفة على الموضع كما يقال : يا زيد العاقل برفع زيد ونصب العاقل ، قوله : جارة الجارة مؤنث الجار ، ويقال للزوجة : جار ، لأنها تجاور زوجها في محل واحد ، وقيل : العرب تكني عن الضرة بالجارة تطيرا من الضرر ، ومنه كان ابن عباس ينام بين جارتيه ، قوله : لجارتها ظاهره المرأة التي تجاور المرأة التي تسمى جارة مؤنث الجار ، وقال الكرماني : لجارتها متعلق بمحذوف أي لا تحقرن جارة هدية مهداة لجارتها بالغ فيه حتى ذكر أحقر الأشياء من أبغض البغيضين إذا حمل لفظ الجارة على الضرة ، وجارتها بالضمير في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر : لا تحقرن جارة لجارة بلا ضمير ، قوله : ولو فرسن شاة يعني ولو أنها تهدي فرسن شاة ، والمراد منه المبالغة في إهداء الشيء اليسير لا حقيقة الفرسن ، لأنه لم تجر العادة في المهاداة به ، والمقصود أنها تهدي بحسب الموجود عندها ، ولا يستحقر لقلته لأن الجود بحسب الموجود ، والوجود خير من العدم ، هذا ظاهر الكلام ، ويحتمل أن يكون النهي واقعا للمهدى إليها ، وأنها لا تحتقر ما يهدى إليها ، ولو كان حقيرا ، والفرسن بكسر الفاء وسكون الراء وكسر السين المهملة ، وفي آخره نون ، قال ابن دريد : هو ظاهر الخف ، والجمع فراسن ، وفي المحكم : هي طرف خف البعير انتهى ، حكاه سيبويه في الثلاثي ، ولا يقال في جمعه فرسنات ، كما قالوا : خناصر ، ولم يقولوا : خنصرات ، وفي المخصص : هو عند سيبويه فعلن ، ولم يحك في الأسماء غيره ، وقال أبو عبيد السلامي : عظام الفرس كلها ، وفي الجامع : هو من البعير بمنزلة الظفر من الإنسان ، وفي المغيث : هو عظم قليل اللحم ، وهو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة ، وقيل : هو خف البعير ، وفي الصحاح : ربما استعير للشاة ، وقال ابن السراج : النون زائدة ، وقال الأصمعي : الفرسن ما دون الرسغ من يد البعير ، وهي مؤنثة ، وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير لما فيه من استجلاب المودة ، وإذهاب الشحناء ، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة والهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة ، وأسقط للمؤنة وأسهل على المهدي لإطراح التكليف ، والكثير قد لا يتيسر كل وقت والمواصلة باليسير تكون كالكثير .