34 - باب الِاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ 2628 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَقَالَتْ : ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا ، فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ ) أَيِ الزِّفَافِ وَقِيلَ لَهُ : بِنَاءٌ لِأَنَّهُمْ يَبْنُونَ لِمَنْ يَتَزَوَّجُ قُبَّةً يَخْلُو بِهَا مَعَ الْمَرْأَةِ . ثُمَّ أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى التَّزْوِيجِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي آخِرِ الْعِتْقِ حَدِيثٌ ، وَفِيهِ شَرْحُ حَالِ أَيْمَنَ وَالِدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ) الدِّرْعُ قَمِيصُ الْمَرْأَةِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَدِرْعُ الْحَدِيث مُؤَنَّثَةٌ وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ أَيْضًا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . وَالْقِطْرُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ بِضَمِّ الْقَافِ وَآخِرُهُ نُونٌ وَالْقِطْرُ ثِيَابٌ مِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْقُطْنِ خَاصَّةً وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ ، وَالْقَابِسِيِّ بِالْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ آخِرُهُ رَاءٌ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ تُعْرَفُ بِالْقِطْرِيَّةِ فِيهَا حُمْرَةٌ ، قَالَ الْبَنَّاسِيُّ : وَالصَّوَابُ بِالْقَافِ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الثِّيَابُ الْقِطْرِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى قِطْرَ قَرْيَةٍ فِي الْبَحْرِينِ فَكَسَرُوا الْقَافَ لِلنِّسْبَةِ وَخَفَّفُوا . قَوْلُهُ : ( ثَمَنَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ بِنَصْبِ ثَمَنٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ . وَخَمْسَةٌ بِالْخَفْضِ عَلَى الْإِضَافَةِ أَوْ بِرَفْعِ الثَّمَنِ وَخَمْسَةٍ عَلَى حَذْفِ الضَّمِيرِ ، وَالتَّقْدِيرُ ثَمَنُهُ خَمْسَةٌ ، وَرُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي ، وَنَصْبِ خَمْسَةٍ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ : قُوِّمَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَبَّوَيْهِ وَحْدَهُ خَمْسَةِ الدَّرَاهِمِ . قَوْلُهُ : ( إِلَى جَارِيَتِي ) لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهَا . قَوْلُهُ : ( تُزْهَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ تَأْنَفُ أَوْ تَتَكَبَّرُ ، يُقَالُ زُهِيَ يُزْهَى إِذَا دَخَلَهُ الزَّهْوُ وَهُوَ الْكِبْرُ ، وَمِنْهُ مَا أَزْهَاهُ ، وَهُوَ مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ مِثْلِ عُنِيَ بِالْأَمْرِ وَنُتِجَتِ النَّاقَةُ . قُلْتُ : وَرَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ تَزْهَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، وَقَدْ حَكَاهَا ابْنُ دُرَيْدٍ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : لَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( تُقَيَّنُ ) بِالْقَافِ أَيْ تُزَيُّنُ ، مِنْ قَانَ الشَّيْءَ قِيَانَةً أَيْ أَصْلَحَهُ ، وَالْقَيْنَةُ تُقَالُ لِلْمَاشِطَةِ وَلِلْمُغَنِّيَةِ وَلِلْأَمَةِ مُطْلَقًا . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ ، تُفَيَّنُ بِالْفَاءِ أَيْ تُعْرَضُ وَتُجَلَّى عَلَى زَوْجِهَا . قُلْتُ : وَلَمْ يَضْبِطْ مَا بَعْدَ الْفَاءِ ، وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّ الْحُفَّاظِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : أَرَادَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا فِي حَالٍ ضَيِّقٍ ، وَكَانَ الشَّيْءُ الْمُحْتَقَرُ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ عَظِيمَ الْقَدْرِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ عَارِيَّةَ الثِّيَابِ لِلْعَرُوسِ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنَ الشُّنْعِ . وَفِيهِ تَوَاضُعُ عَائِشَةَ ، وَأَمْرُهَا فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ . وَفِيهِ حِلْمُ عَائِشَةَ عَنْ خَدَمِهَا ، وَرِفْقُهَا فِي الْمُعَاتَبَةِ ، وَإِيثَارُهَا بِمَا عِنْدَهَا مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، وَتَوَاضُعُهَا بِأَخْذِهَا السُّلْفَةَ فِي حَالِ الْيَسَارِ مَعَ مَا كَانَ مَشْهُورًا عَنْهَا مِنَ الْجُودِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاء · ص 285 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاستعارة للعروس عند البناء · ص 183 باب الاستعارة للعروس عند البناء هذا باب في بيان حكم الاستعارة لأجل العروس ، والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما ، ويقال اسم لهما عند دخول أحدهما بالآخر ، وفي غير هذه الحالة الرجل يسمى عريسا والمرأة عروسا . قوله ( عند البناء ) ؛ أي الزفاف ، يقال بنى على أهله إذا زفها . وقال ابن الأثير : الابتناء والبناء الدخول بالزوجة ، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها ، فيقال بنى الرجل على أهله . وقال الجوهري : ولا يقال بنى بأهله . ورد عليه بأنه قد جاء في غير موضع ، وهو أيضا استعمله في كتابه . 4 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال : حدثني أبي قال : دخلت على عائشة رضي الله عنها وعليها درع قطر ثمن خمسة دراهم ، فقالت : ارفع بصرك إلى جاريتي ، انظر إليها فإنها تزهى أن تلبسه في البيت ، وقد كان لي منهن درع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما كانت امرأة تقين بالمدينة إلا أرسلت إلي تستعيره . مطابقته للترجمة في قوله فما كانت امرأة ... إلى آخره . ذكر رجاله : وهم أربعة ؛ أبو نعيم الفضل بن دكين ، وعبد الواحد بن أيمن المخزومي مولى أبي عمرو المكي يكنى أبا القاسم ، وأبوه أيمن - ضد الأيسر - الحبشي المخزومي المكي وهو من أفراد البخاري ، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ، والحديث تفرد به البخاري . ذكر معناه : قوله ( وعليها درع قطر ) جملة حالية ، ودرع مضاف إلى قطر ، والدرع قميص المرأة وهو مذكر ، ودرع الحديد مؤنثة ، وحكى أبو عبيد أنه يذكر ويؤنث . والقطر بكسر القاف وسكون الطاء المهملة وفي آخره راء ، قال ابن فارس : هو جنس من البرود . وقال الخطابي : ضرب من المروط غليظ . وقيل : ثياب من غليظ القطن وغيره . وقيل : من القطن خاصة . وفي رواية أبي الحسن القابسي وابن السكن بالفاء ، كذا قاله ابن قرقول ، ثم قال : وهي ضرب من ثياب اليمن يعرف بالقطرية فيها حمرة . وقال البنالسي : الصواب بالقاف . وقال الأزهري : الثياب القطرية منسوبة إلى قطر ؛ قرية في البحرين ، فكسروا القاف للنسبة وخففوا . وفي رواية المستملي والسرخسي درع قطن بضم القاف وفي آخره نون ، وقيل : الأشهر والصواب بالقاف والنون . قوله ( ثمن خمسة دراهم ) بضم الثاء المثلثة وتشديد الميم المكسورة على صيغة المجهول من الماضي ، من التثمين وهو التقويم ، وخمسة بالنصب بنزع الخافض ؛ أي قوم بخمسة دراهم . ويروى ثمن بلفظ الاسم منصوبا بنزع الخافض ؛ أي بثمن خمسة دراهم ، فيكون مضافا إلى خمسة دراهم ، فيكون لفظ خمسة مجرورا بالإضافة ، ويروى ثمن بالرفع على الابتداء ، وخمسة بالرفع أيضا خبره ولكن بحذف الضمير ، تقديره : ثمنه خمسة دراهم . ووقع في رواية ابن شبويه وحده : خمسة الدراهم . قوله ( انظر ) بلفظ الأمر . قوله ( إليها ) ؛ أي إلى الجارية . قوله ( فإنها تزهى ) بضم أوله ؛ أي تتكبر أو تأنف ، وقال ثعلب في باب فعل بضم الفاء : وقد زهيت علينا يا رجل ، وأنت مزهو . وعن التدميري : مأخوذ من التيه والعجب ، وأصله من البسر إذا حسن منظره وراقت ألوانه . وقال ابن درستويه : العامة تقول زهى علينا ، فيحصل الفعل له ، وإنما هو مفعول لم يسم فاعله . وقال ابن دريد : يقال زُهِيَ زهوا إذا تكبر ، ومنه قولهم ما أزهاه ! وليس هو من زهى لأن ما لم يسم فاعله لا يتعجب منه . ورد عليه بما روي عن ابن عصفور وغيره : يجيء التعجب مما لم يسم فاعله في ألفاظ معدودة منها ما أجنه ! وقال الجوهري : قال الشاعر : لنا صاحب مولع بالخلاف كثير الخطا قليل الصواب ألج لجاجا من الخنفساء وأزهى إذا ما مشى من غراب قوله ( منهن ) ؛ أي من الدروع ، أو من بين النساء . قوله ( على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ) ؛ أي في زمنه وأيامه . قوله ( تقين ) بضم التاء المثناة من فوق وفتح القاف وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره نون ، على صيغة المجهول من التقيين وهو التزيين ، والمعنى : ما كانت امرأة بالمدينة تتزين لزفافها إلا أرسلت تستعير ذلك الدرع . وقال ابن الجوزي : أرادت عائشة رضي الله تعالى عنها أنهم كانوا أولا في حال ضيق ، فكان الشيء المحتقر عندهم إذ ذاك عظيم القدر . وقال صاحب الأفعال : فإن الشيء يقينه قينا إذا أصلحه ، يقال قن إناءك . وقال الجوهري : قنت الشيء أقينه قينا لممته ، واقتانت الروضة أخذت زخرفها ، ومنه قيل للماشطة مقينة لأنها تزين النساء ، وشبهت بالأمة لأنها تصلح البيت وتزينه ، والقنية المغنية ، والقينة الأمة مطلقا ، والقين وكل صانع عند العرب قين . وقال المهلب : عارية الثياب للعرس من فعل المعروف والعمل الجاري عندهم ، لأنه مرغب في أجره ، لأن عائشة رضي الله تعالى عنها لم تمنع منه أحدا . وفيه أن المرأة قد تلبس في بيتها ما حسن من الثياب وما يلبسه بعض الخدم ، وفيه تواضع عائشة رضي الله تعالى عنها وأخذها بالبلغة في حال اليسار وقد أعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف درهم وذكرت ما كانوا عليه ليتذكر ذلك .