28 - بَاب مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ ، وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ ، ( وَاذَكَرَ في الكتاب إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ، وَقَضَى ابْنُ الْأَشْوَعِ بِالْوَعْدِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ ، فقَالَ : وَعَدَنِي فَوَفَى لِي ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : رَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ 2681 - حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ : سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ يأمر بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، قَالَ : وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ ) وَجْهُ تَعَلُّقِ هَذَا الْبَابِ بِأَبْوَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّ وَعْدَ الْمَرْءِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : إِنْجَازُ الْوَعْدِ مَأْمُورٌ بِهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَوْعُودَ لَا يُضَارِبُ بِمَا وُعِدَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ ا هـ . وَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ مَرْدُودٌ ، فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ ، لَكِنَّ الْقَائِلَ بِهِ قَلِيلٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَجَلُّ مَنْ قَالَ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِنِ ارْتَبَطَ الْوَعْدُ بِسَبَبٍ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا ، فَمَنْ قَالَ لِآخَرَ : تَزَوَّجْ وَلَكَ كَذَا ، فَتَزَوَّجَ لِذَلِكَ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ . وَخَرَّجَ بَعْضُهُمُ الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ هَلْ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ أَوْ قَبْلَهُ . وَقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إِشْكَالَاتٍ عَلَى الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا عَنِ الْآيَةِ ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ وَحَدِيثِ آيَةُ الْمُنَافِقِ قَالَ : وَالدَّلَالَةُ لِلْوُجُوبِ مِنْهَا قَوِيَّةٌ ، فَكَيْفَ حَمَلُوهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ مَعَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ ؟ وَيُنْظَرُ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَحْرُمُ الْإِخْلَافُ وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ ؟ أَيْ يَأْثَمُ بِالْإِخْلَافِ وَإِنْ كَانَ لَا يُلْزَمُ بِوَفَاءِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ ) أَيِ الْأَمْرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ . قَوْلُهُ : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ قَرْيَةً هُوَ وَرَجُلٌ فَأَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ ، وَقَالَ لَهُ إِنَّهُ يَنْتظرُهُ ، فَأَقَامَ حَوْلًا فِي انْتِظَارِهِ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَوْذَبٍ أَنَّهُ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَسْكَنًا ، فَسُمِّيَ مِنْ يَوْمَئِذٍ صَادِقَ الْوَعْدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَضَى ابْنُ الْأَشْوَعِ بِالْوَعْدِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَشْوَعِ ، كَانَ قَاضِيَ الْكُوفَةِ فِي زَمَانِ إِمَارَةِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ عَلَى الْعِرَاقِ وَذَلِكَ بَعْدَ الْمِائَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ رِوَايَتِهِ كَذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ ( رَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ ( يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَشَوْعَ ) أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجُّ بِهِ فِي الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إِنْجَازِ الْوَعْدِ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ بَيْنَ التَّعْلِيقِ عَنِ ابْنِ الْأَشْوَعِ وَبَيْنَ نَقْلِ الْمُصَنِّفِ عَنْ إِسْحَاقَ فِي أَكْثَرِ النَّسْخِ . وَالَّذِي أَوْرَدْتُهُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ . أَحَدُهَا : حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ ، أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى كَثِيرٍ مِنْ شَرْحِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْد · ص 341 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من أمر بإنجاز الوعد · ص 257 ( باب من أمر بإنجاز الوعد ) أي هذا باب في بيان من أمر بإنجاز الوعد أي الوفاء به ، يقال : أنجز الوعد إنجازا أوفى به ونجز الوعد وهو ناجز إذا حصل وتم ، وقال الكرماني : وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات هو أن الوعد كالشهادة على نفسه ، وقال المهلب : إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع ، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء ، ولا خلاف في أن ذلك مستحسن ، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره وذلك من مكارم الأخلاق ، ولما كان الشارع أمر الناس بها وندبهم إليها أدى ذلك عنه خليفته الصديق وقام فيه مقامه ، ولم يسأل جابرا البينة على ما ادعاه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العدة لأنه لم يكن شيئا ادعاه جابر في ذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما ادعى شيئا في بيت المال والفيء ، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام ، وعن بعض المالكية : إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا لا ، فمن قال لآخر تزوج ولك كذا فتزوج لذلك وجب الوفاء به . ( وفعله الحسن ) أي فعل إنجاز الوعد الحسن البصري ، وقال الكرماني : الفعل بلفظ المصدر ، والحسن صفة مشبهة صفة للفعل ، وفي بعضها فعل بلفظ الماضي ، والحسن البصري . ( قلت ) : الوجه الأول أحسن وأوجه على ما لا يخفى ، ومعناه فعل إنجاز الوعد الحسن ، فارتفاع الحسن في هذا الوجه مرفوع على الوصفية وعلى الوجه الثاني يكون ارتفاعه بالفاعلية فافهم . وذكر إسماعيل إنه كان صادق الوعد أي ذكر الله تعالى إسماعيل في كتابه الكريم بقوله : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وهذا الذي في المتن رواية النسفي ، وفي رواية غيره : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إلى آخره ، وروى ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل - صلى الله عليه وسلم - دخل قرية هو ورجل ، فأرسله في حاجة وقال له إنه ينتظره ، فأقام حولا في انتظاره ، ومن طريق ابن شوذب أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا فسمي من يومئذ صادق الوعد . وقضى ابن الأشوع بالوعد ابن الأشوع هو سعيد بن عمرو بن الأشوع الهمداني قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق ، وذلك بعد المائة ، مات في ولاية خالد ، وذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، وقال يحيى بن معين : مشهور يعرفه الناس ، وابن الأشوع بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو وفي آخره عين مهملة ، قوله : ( بالوعد ) أي بإنجاز الوعد . وذكر ذلك عن سمرة أي ذكر ابن الأشوع القضاء بإنجازالوعد عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه ، وقع ذلك في تفسير إسحاق بن راهويه . وقال المسور بن مخرمة : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر صهرا له قال : وعدني فوفى لي المسور بكسر الميم ومخرمة بفتحها ، قوله : ( وذكر ) أي النبي - صلى الله عليه وسلم - صهرا له يعني أبا العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : يعني أبا بكر رضي الله عنه ، واعلم أن الأختان من قبل المرأة ، والأحماء من قبل الرجل ، والصهر يجمعهما ، وكان صلى الله عليه وسلم صهر أبي الربيع لأنه كان زوج بنته زينب وصهر أبي بكر الصديق أيضا لأنه كان زوج بنته عائشة الصديقة ، قوله : ( قال وعدني ) أي قال صلى الله عليه وسلم " صهري وعدني فوفى لي " ، ويروى فوفاني ، ويروى فأوفاني . قال أبو عبد الله : ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن الأشوع أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ، قوله : ( يحتج بحديث ابن الأشوع ) هو الحديث الذي ذكره عن سمرة بن جندب ، وأراد به أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد ، ووقع في كثير من النسخ ذكر إسماعيل بين التعليق عن ابن الأشوع وبين نقل البخاري عن إسحاق ، والذي وقع في نسختنا أولى . 44 - حدثنا إبراهيم بن حمزة قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره قال : أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له : سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال : وهذه صفة نبي . مطابقته للترجمة في قوله : " والوفاء بالعهد " يعني كان صادق الوعد ، وإبراهيم بن حمزة أبو إسحاق الزبيري المديني وهو من أفراده ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المديني ، وصالح هو ابن كيسان أبو محمد مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود ، وهذا قطعة من حديث قصة هرقل ذكره في أول الكتاب ، وذكرنا هناك ما فيه الكفاية .