29 - بَاب لَا يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنْ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ؛ لِقَوْلِهِ عز وجل : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ، وَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ الْآيَةَ . 2685 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَؤونَهُ لَمْ يُشَبْ ؟ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ، بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ ، وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا : هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ، أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ ؟ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنِ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ حُكْمِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى رَدِّهَا مُطْلَقًا ، وَذَهَبَ بَعْضُ التَّابِعِينَ إِلَى قَبُولِهَا مُطْلَقًا - إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ - وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ، فَقَالُوا : تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ حَالَةَ السَّفَرِ فَأَجَازَ فِيهَا شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ الْوَصَايَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثُ ، وَإِسْحَاقُ : لَا تُقْبَلُ مِلَّةٌ عَلَى مِلَّةٍ ، وَتُقْبَلُ بَعْضُ الْمِلَّةِ عَلَى بَعْضِهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ لِبُعْدِهِ عَنِ التُّهْمَةِ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ إِلَخْ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُـشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى أُخْرَى إِلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِزَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عِيسَى - وَهُوَ الْخَيَّاطُ - عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ ، وَالْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ . قُلْتُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الشَّعْبِيِّ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ وَطَائِفَةٍ الْجَوَازَ مُطْلَقًا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْجَوَازَ مُطْلَقًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَخْ ) وَصَلَهُ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ قِصَّةٌ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ ثَمَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا النَّهْيُ عَنْ تَصْدِيقِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِمْ ، فَيَدُلُّ عَلَى رَدِّ شَهَادَتِهِمْ وَعَدَمِ قَبُولِهَا كَمَا يَقُولُ الْجُمْهُورُ . قَوْلُهُ في حديث ابن عباس : ( يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ ) أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . قَوْلُهُ : ( وَكِتَابُكُمْ ) أَيِ الْقُرْآنُ . قَوْلُهُ : ( أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ ) أَيْ أَقْرَبُهَا نُزُولًا إِلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَالْحَدِيثُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْزُولِ إِلَيْهِمْ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ قَدِيمٌ ، وَقَوْلُهُ : ( لَمْ يُشَبْ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ لَمْ يُخْلَطْ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا ، الْحَدِيثَ . وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَإِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُمْ لَا تُقْبَلُ فَشَهَادَتُهُمْ مَرْدُودَةٌ بِالْأَوْلَى ; لِأَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ مِنْ بَابِ الرّوَاةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنْ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَ · ص 344 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها · ص 260 باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها أي هذا باب يذكر فيه لا يسأل إلى آخره ، ويسأل على صيغة المجهول ، وأراد بهذا عدم قبول شهادتهم ، وقد اختلف العلماء في ذلك ، فعند الجمهور لا تقبل شهادتهم أصلا ولا شهادة بعضهم على بعض ، ومنهم من أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض للمسلمين ، وهو قول إبراهيم ، ومنهم من أجاز شهادة أهل الشرك بعضهم على بعض وهو قول عمر بن عبد العزيز والشعبي ونافع وحماد ووكيع ، وبه قال أبو حنيفة ، ومنهم من قال : لا تجوز شهادة أهل ملة إلا على أهل ملتها ؛ اليهودي على اليهودي والنصراني على النصراني ، وهو قول الزهري والضحاك والحكم وابن أبي ليلى وعطاء وأبي سلمة ومالك والشافعي وأحمد وأبي ثور ، وروي عن شريح والنخعي تجوز شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر للضرورة ، وبه قال الأوزاعي . وقال الشعبي : لا تجوز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض لقوله تعالى : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ أي قال عامر بن شراحيل الشعبي ، قوله : ( أهل الملل ) أي ملل الكفر ، وهو بكسر الميم جمع ملة ، والملة الدين كملة الإسلام وملة اليهودي وملة النصارى ، هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، حدثنا سفيان ، عن داود ، عن الشعبي قال : لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا المسلمين ، واحتج الشعبي بقوله تعالى فَأَغْرَيْنَا أي ألصقنا ، ومنه سمي الغرى الذي يلصق به ، وقال الربيع : يعني به النصارى خاصة لأنهم افترقوا نسطورية ويعقوبية وملكائية ، وعن ابن أبي نجيح يعني به اليهود والنصارى . واختلف فيه على الشعبي فروى عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عيسى وهو الحناط ، عن الشعبي قال : كان يجيز شهاة النصراني على اليهودي واليهودي على النصراني ، وروى ابن أبي شيبة من طريق أشعث عن الشعبي قال : تجوز شهادة أهل الملل للمسلمين بعضهم على بعض . وقال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ الآية هذا التعليق وصله البخاري في تفسير سورة البقرة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة ، والغرض منه هنا النهي عن تصديق أهل الكتاب فيما لا يعرف صدقه من قبل غيرهم ، فيدل على رد شهادتهم وعدم قبولها . 48 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - أحدث الأخبار بالله ، تقرءونه لم يشب ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم ، ولا والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الرد عن مساءلة أهل الكتاب لأن أخبارهم لا تقبل لكونهم بدلوا الكتاب بأيديهم ، فإذا لم يقبل أخبارهم لا تقبل شهادتهم بالطريق الأولى ، لأن باب الشهادة أضيق من باب الرواية . ورجاله قد ذكروا غير مرة . والأثر أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن موسى بن إسماعيل ، وفي التوحيد عن أبي اليمان عن شعيب . قوله : ( كيف تسألون أهل الكتاب ) إنكار من ابن عباس عن سؤالهم من أهل الكتاب ، قوله : ( وكتابكم ) أي القرآن وارتفاعه على أنه مبتدأ ، وقوله : ( الذي أنزل على نبيه ) صفته ، وقوله : ( أحدث الأخبار ) خبره ، قوله : ( على نبيه ) أي محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - قوله : ( الإخبار ) بكسر الهمزة بمعنى المصدر وبفتحها بمعنى الجمع ومعناه إنه أقرب الكتب نزولا إليكم من عند الله ، فالحديث بالنسبة إلى المنزول إليهم ، وهو في نفسه قديم على ما عرف في موضعه ، قوله : ( لم يشب ) على صيغة المجهول من الشوب وهو الخلط أي لم يخلط ولم يبدل ولم يغير ، وفي ( مسند أحمد ) رحمه الله من حديث جابر مرفوعا : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا الحديث ، قوله : ( بدلوا ) من التبديل ، قال الله تعالى في حق اليهود : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا قوله : ( ولا والله ) كلمة لا زائدة إما تأكيد لنفي ما قبله أو ما بعده ، يعني هم لا يسألونكم فأنتم بالطريق الأولى أن لا تسألوهم ، واحتج بهذا الحديث المانعون عن شهادتهم أصلا . وفيه أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا كما أخبر الله تعالى عنهم في القرآن الكريم ، وسأل محمد بن الوضاح بعض علماء النصارى فقال : ما بال كتابكم معشر المسلمين لا زيادة فيه ولا نقصان وكتابنا بخلاف ذلك ؟ فقال : لأن الله تعالى وكل حفظ كتابكم إليكم فقال استحفظوا من كتاب الله ، فلما وكله إلى مخلوق دخله الخرم والنقصان ، وقال في كتابنا : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ فتولى الله حفظه فلا سبيل إلى الزيادة فيه ولا النقصان منه .