2740 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى ؟ فَقَالَ : لَا . فَقُلْتُ : كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَإِسْنَادُهُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ ، وَقَوْلُهُ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ ، ظَاهِرُهُ أَنَّ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ لَمْ يَنْسُبْهُ فَلِذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ : هُوَ ابْنُ مَغُولٍ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ مَالِكَ بْنَ مَغُولٍ تَفَرَّدَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى ؟ فَقَالَ : لَا ) هَكَذَا أَطْلَقَ الْجَوَابَ ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ وَصِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلِذَلِكَ سَاغَ نَفْيُهَا ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي : هَلْ قَالَ : كَيْفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ ، أَوْ قَالَ : كَيْفَ أُمِرُوا بِهَا ؟ زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُوصِ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الِاعْتِرَاضُ ، أَيْ كَيْفَ يُؤْمَرُ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ وَلَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ : لَعَلَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى أَرَادَ لَمْ يُوصِ بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بَعْدَهُ مَالًا ، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَقَدْ سَبَّلَهَا فِي حَيَاتِهِ ، وَأَمَّا السِّلَاحُ وَالْبَغْلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَا تُورَثُ عَنْهُ بَلْ جَمِيعُ مَا يَخْلُفُهُ صَدَقَةٌ ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوصِي بِهِ مِنَ الْجِهَةِ الْمَالِيَّةِ . وَأَمَّا الْوَصَايَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُرِدِ ابْنُ أَبِي أَوْفَى نَفْيَهَا . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ وَصِيَّتَهُ إِلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَأَبِي عَوَانَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ طَلْحَةُ : فَقَالَ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ : أَبُو بَكْرٍ كَانَ يَتَأَمَّرُ عَلَى وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ، وَدَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ وَجَدَ عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَزَمَ أَنْفَهُ بِخِزَامٍ وَهُزَيْلٌ هَذَا بِالزَّايِ مُصَغَّرٌ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَمِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْحَدِيثِ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِتَخْصِيصِ السُّؤَالِ بِالْوَصِيَّةِ بِالْخِلَافَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَا مُطْلَقِ الْوَصِيَّةِ . قُلْتُ : أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ فَقَالَ : سُئِلَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى : هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا تَرَكَ شَيْئًا يُوصِي فِيهِ . قِيلَ : فَكَيْفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالْوَصِيَّةِ وَلَمْ يُوصِ ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اسْتِبْعَادُ طَلْحَةَ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ ، فَلَوْ أَرَادَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَخَصَّهُ بِهِ ، فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةَ وَأُمِرُوا بِهَا فَكَيْفَ لَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَجَابَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ ، قَالَ : وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ، وَطَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَاجِبَةٌ ، كَذَا قَالَ ، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ أَيْ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا : كِتَابَ اللَّهِ . وَأَمَّا مَا صَحَّ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ : لَا يَبْقَيَنَّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ وَفِي لَفْظٍ : أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَقَوْلُهُ : أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الثَّالِثَةَ ، وَكَذَا مَا ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ : الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُمْكِنُ حَصْرُهَا بِالتَّتَبُّعِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى لَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَعْظَمَ وَأَهَمَّ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ إِمَّا بِطَرِيقِ النَّصِّ وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ ، فَإِذَا اتَّبَعَ النَّاسُ مَا فِي الْكِتَابِ عَمِلُوا بِكُلِّ مَا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ الْآيَةَ ، أَوْ يَكُونُ لَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنَ الْوَصَايَا الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهَا حَالَ قَوْلِهِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالنَّفْيِ الْوَصِيَّةَ بِالْخِلَافَةِ أَوْ بِالْمَالِ ، وَسَاغَ إِطْلَاقُ النَّفْيِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَبِقَرِينَةِ الْحَالِ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عُرْفًا ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوصِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْهُ ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى بِثَلَاثٍ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ أَمَرَ بِذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى بُعْدُ مَا قَالَ وَتَكَلَّفُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَوِ الْمَنْفِيُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ أَوِ الْإِمَامَةُ ، وَالْمُثْبَتُ الْوَصِيَّةُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَيْ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ انْتَهَى . وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، الْحَدِيثُ الرَّابِعُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْوَصَايَا وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَه · ص 425 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم وصية الرجل مكتوبة عنده · ص 31 3 - حدثنا خلاد بن يحيى ، قال : حدثنا مالك ، قال : حدثنا طلحة بن مصرف ، قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى ، فقال : لا ، فقلت : كيف كتب على الناس الوصية ، أو أمروا بالوصية ، قال : أوصى بكتاب الله . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( كيف كتب على الناس ) إلى آخره ، وخلاد بفتح الخاء المعجمة ، وتشديد اللام ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي ، وهو من أفراد البخاري ، ومالك هو ابن مغول بكسر الميم ، وسكون الغين المعجمة ، وفتح الواو ، وباللام البجلي الكوفي ، مات سنة تسع وخمسين ومائة ، وفي بعض النسخ : حدثنا مالك هو ابن مغول ، فالظاهر على هذه النسخة أن شيخ البخاري لم ينسبه ، فلذلك قال : هو ابن مغول ، وهذا من جملة احتياط البخاري ، ومغول هو ابن عاصم البجلي الكوفي ، مات سنة تسع وخمسين ومائة في أولها ، وطلحة بن مصرف بلفظ اسم الفاعل من التصريف ابن عمرو بن كعب اليامي من بني يام من همدان ، مات سنة ثنتي عشرة ومائة ، وعبد الله بن أبي أوفى واسمه علقمة بن خالد الأسلمي له ولأبيه صحبة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن أبي نعيم ، وفي فضائل القرآن عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الوصايا عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد . قوله : ( فقال : لا ) أي ما أوصى ، أراد به ما أوصى بالمال ؛ لأنه لم يترك مالا ، ثم إن ابن أبي أوفى لما فهم أن النفي عام بحسب الظاهر عاد وسأل ، فقال : ( كيف كتب على الناس الوصية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوابه : بكتاب الله ) ، أي : أوصى بكتاب الله ، أي : بالعمل به ، ويقال : أراد بالنفي أولا الوصية التي زعم بعض الشيعة أنه أوصى بالأمر إلى علي رضي الله تعالى عنه ، وقد تبرأ علي رضي الله تعالى عنه من ذلك حين قيل له : ( أعهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يعهده إلى الناس ، فقال : لا ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله ، وما في هذه الصحيفة ) ، وهو يرد لما أكثره الشيعة من الكذب على أنه أوصى له بالخلافة ، وأما أرضه وسلاحه ، وبغلته ، فلم يوص فيها على جهة ما يوصي الناس في أموالهم ؛ لأنه قال : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) ، فكان جميع ما خلفه صدقة ، فلم يبق بعد ذلك ما يوصي به من الجهة المالية . قوله : ( أو أمروا بالوصية ) شك من الراوي ، وهو على صيغة المجهول ، وروى ابن حبان هذا الحديث بلفظ يوضح ما في رواية البخاري من المنافاة الظاهرة ، أخرجه من طريق ابن عيينة عن مالك بن مغول بلفظ : ( سئل ابن أبي أوفى ، هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ما ترك شيئا يوصي فيه ، فقيل : فكيف أمر الناس بالوصية ، ولم يوص ، قال : أوصى بكتاب الله ) .