33 - بَاب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا أَوِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَوَقَفَ أَنَسٌ دَارًا ، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نَزَلَهَا ، وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ : أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا ، فَإِنْ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ ، وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ . 2778 - وَقَالَ عَبْدَانُ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ ، وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، فَحَفَرْتُهَا ؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، فَجَهَّزْتُهُ ؟ قَالَ فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ ، وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ : لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ ، وَقَدْ يَلِيهِ الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ ، فَهُوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا ، أَوِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِمَنْ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ مِنْ وَقْفِهِ مَنْفَعَةً ، وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْجَوَازَ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ عَامَّةً كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَوَقَفَ أَنَسٌ ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ ( دَارًا ، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نَزَلَهَا ) . وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَنْصَارِيِّ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ وَقَفَ دَارًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ ، فَكَانَ إِذَا حَجَّ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ ، فَنَزَلَ دَارَهُ . وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ الدَّارَ ، وَيَسْتَثْنِيَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا بَيْتًا . قَوْلُهُ : ( وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا ، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ جَعَلَ دُورَهُ صَدَقَةً عَلَى بَنِيهِ ، لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ ، وَأَنَّ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ نِسَائِهِ ، وَصَوَّبَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَوَهَمَ ؛ فَإِنَّ الْوَاقِعَ بِخِلَافِهَا ، وَقَوْلُهُ : غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا بِكَسْرِ الضَّادِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ . قَوْلُهُ : ( وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِمَعْنَاهُ وَفِيهِ : أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِدَارِهِ مَحْبُوسَةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدَانُ ... إِلَخْ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدَانَ بِلَا رِوَايَةٍ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ عَبْدَانَ بِتَمَامِهِ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ السَّبِيعِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ السُّلَمَيُّ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُثْمَانُ وَالِدُ عَبْدَانَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ ؛ فَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْهُ كَهَذِهِ الرِّوَايَةِ . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَرَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عُثْمَانَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا ، وَتَابَعَهُ أَبُو قَطَنٍ ، عَنْ يُونُسَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . قُلْتُ : وَتَفَرُّدُ عُثْمَانَ وَالِدِ عَبْدَانَ لَا يَضُرُّهُ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ ، وَاتِّفَاقُ شُعْبَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَكَذَا أَرْجَحُ مِنِ انْفِرَادِ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، إِلَّا أَنَّ آلَ الرَّجُلِ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَيَتَعَارَضُ التَّرْجِيحُ فَلَعَلَّ لِأَبِي إِسْحَاقَ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُثْمَانَ ) أَيِ ابْنَ عَفَّانَ . قَوْلُهُ : ( حَيْثُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ( حِينَ حُوصِرَ ) أَيْ لَمَّا حَاصَرَهُ الْمِصْرِيُّونَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ تَوْلِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ الْمَذْكُورَةِ ، قَالَ : لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ فِي دَارِهِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ قَامَ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ . الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ ، عَنِ النَّسَائِيِّ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُـوَ . زَادَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ ، عَنْ عُثْمَانَ : أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ . قَوْلُهُ : ( مَنْ حَفَرَ رُومَةَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَاهَا لَا أَنَّهُ حَفَرَهَا . قُلْتُ : هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، فَقَالَ فِيهِ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُومَةَ لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْ مَائِهَا إِلَّا بِثَمَنٍ . لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الْوَهَمُ ؛ فَقَدْ رَوَى الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا الْمَاءَ وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا : رُومَةَ ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا الْقِرْبَةَ بِمُدٍّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبِيعُنِيهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي غَيْرُهَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَتَجْعَلُ لِي فِيهَا مَا جَعَلْتَ لَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : قَدْ جَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا عَيْنًا فَلَا مَانِعَ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا عُثْمَانُ بِئْرًا ، وَلَعَلَّ الْعَيْنَ كَانَتْ تَجْرِي إِلَى بِئْرٍ فَوَسَّعَهَا وَطَوَاهَا فَنُسِبَ حَفْرُهَا إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ ) فِي رِوَايَةِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ : أَرْسَلَ عُثْمَانُ وَهُوَ مَحْصُورٌ إِلَى عَلِيٍّ ، وَطَلْحَةَ ، وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ ، فَقَالَ : احْضُرُوا غَدًا ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، أَخْرَجَهُ سِيفٌ فِي الْفُتُوحِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ : أَنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ بِذَلِكَ هُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، أَيْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حِرَاءً حِينَ انْتَفَضَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اثْبُتْ حِرَاءُ ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، وَسَيَأْتِي هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي رِوَايَةِ زَيْدٍ أَيْضًا ذِكْرُ رُومَةَ : لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْهَا إِلَّا بِثَمَنٍ ، فَابْتَعْتُهَا فَجَعَلْتُهَا لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَابْنِ السَّبِيلِ . وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْنَفِ ، عَنْ عُثْمَانَ . فَقَالَ : اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَجْرُهَا لَكَ . وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا : وَأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا فَمِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْمَذْكُورَةِ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا ، وَنَحْوُهُ لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ ، عَنْ عُثْمَانَ فِي قِصَّةِ مَقْتَلِهِ مُطَوَّلًا ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، وَزَادَ فِي ذِكْرِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ ، فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا عِقَالًا وَلَا خِطَامًا . وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبَّابٍ السُّلَمَيِّ أَنَّهُ جَهَّزَهُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : أَنَّهُ جَاءَ بِأَلِفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا عَلَى عُثْمَانَ مِنْ عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ . وَأَخْرَجَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ حَمَلَ عُثْمَانُ عَلَى أَلْفِ بَعِيرٍ وَسَبْعِينَ فَرَسًا فِي الْعُسْرَةِ . وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ فَجَاءَ عُثْمَانُ بِسَبْعِمِائَةِ أُوقِيَّةِ ذَهَبٍ ، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَانَ عُثْمَانَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ ، فَجَاءَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَتُوَافِقُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ مِنْ صَرْفِ الدِّينَارِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ . وَمِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ : أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَقُولُ : هَذِهِ يَدُ اللَّهِ وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ الْحَدِيثَ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمِنْهَا : مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَنِي ابْنَتَيْهِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى رَضِيَ بِي وَرَضِيَ عَنِّي ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ . قَالَ : أَشْرَفَ عُثْمَانُ فَقَالَ : يَا طَلْحَةُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ : هَذَا جَلِيسِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلِلْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ : أَنَّ عُثْمَانَ حِينَ حُصِرَ قَالَ لِطَلْحَةَ : أَتَذْكُرُ إِذْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ عُثْمَانَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَنَاقِبُ ظَاهِرَةٌ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَفِيهَا جَوَازُ تَحَدُّثِ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ أَوْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفَاخَرَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ وَالْعُجْبِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ ) : تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ ، وَقَدِ ادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ شَيْءٌ يُوَافِقُ مَا تَرْجَمَ بِهِ إِلَّا أَثَرَ أَنَسٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مُطَابِقٌ لَهَا ، فَأَمَّا قِصَّةُ أَنَسٍ فَظَاهِرَةٌ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَأَمَّا قِصَّةُ الزُّبَيْرِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبِنْتَ رُبَّمَا كَانَتْ بِكْرًا فَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهَا عَلَى أَبِيهَا ، فَيَلْزَمُهُ إِسْكَانُهَا ، فَإِذَا أَسْكَنَهَا فِي وَقْفِهِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ رَفْعَ كَلَفِهِ . وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ فَتُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الْآلَ يَدْخُلُ فِيهِمُ الْأَوْلَادُ كِبَارُهُمْ وَصِغَارُهُمْ . وَأَمَّا قِصَّةُ عُثْمَانَ فَأَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِالْإِسْلَامِ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِيهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي ... الْحَدِيثَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ . وَأَمَّا قِصَّةُ عُمَرَ فَقَدْ تَرْجَمَ لَهَا بِخُصُوصِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَبْوَابٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِين · ص 476 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ فَهُوَ جَائِز · ص 479 34 - بَاب إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ : لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ 2779 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ ، قَالُوا : لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ : لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قَوْلِ بَنِي النَّجَّارِ ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَزِيَادَةٍ فِي مَتْنِهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبِيعُوهُ ثُمَّ جَعَلُوهُ مَسْجِدًا ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَ الْمَالِكِ : لَا أَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ لَا يُصَيِّرُهُ وَقْفًا ، وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ هَذَا لِعَبْدٍ فَلَا يَصِيرُه وَقْفًا ، وَيَقُولُهُ لِلْمُدَبَّرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ ، وَإِمَّا بِقَرِينَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَذَا قَالَ ، وَفِي الْجَزْمِ بِأَنَّ هَذَا مُرَادَهُ نَظَرٌ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَقْفًا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا وقف أرضا أو بئرا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين · ص 71 ( باب إذا وقف أرضا أو بئرا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا وقف شخص أرضا أو بئرا ، قال الكرماني : وكلمة " أو " للإشعار بأن كل واحد منهما يصلح للترجمة ، وإن كان بالواو فمعناه : إذا وقف بئرا واشترط ، ومقصوده من هذه الترجمة الإشارة إلى جواز شرط الواقف لنفسه منفعة من وقفه . وقال ابن بطال : لا خلاف بين العلماء أن من شرط لنفسه ولورثته نصيبا في وقفه أن ذلك جائز ، وقد مضى هذا المعنى في باب : هل ينتفع الواقف بوقفه ؟ وأوقف أنس دارا فكان إذا قدمها نزلها أنس هو ابن مالك قوله : " دارا " أي : بالمدينة . قوله : " إذا قدمها " أي : المدينة . " نزلها " ، وهذا التعليق وصله البيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي : أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود المروزي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا الأنصاري ، حدثني أبي ، عن ثمامة ، عن أنس أنه وقف دارا بالمدينة فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره . وتصدق الزبير بدوره ، وقال للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها ، فإن استغنت بزوج فليس لها حق . الزبير هو ابن العوام رضي الله تعالى عنه . قوله : " للمردودة " أي المطلقة من بناته ، ووقع في بعض النسخ " من نسائه " ، قيل : صوبه بعض المتأخرين فوهم ، فإن الواقع خلافها . قلت : من أين علم أن الواقع خلافها ؟ فلم لا يجوز أن يكون الواقع خلاف البنات ؟ وهذا التعليق وصله الدارمي في مسنده من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه ، لا تباع ولا توهب ، وللمردودة من بناته ، فذكر نحوه ، ووصله البيهقي أيضا . قوله : " أن تسكن " بفتح الهمزة ، والتقدير : لأن تسكن . قوله : " غير مضرة " بضم الميم وكسر الضاد ، اسم فاعل للمؤنث من الضرر . قوله : " ولا مضر بها " ، بضم الميم وفتح الضاد على صيغة اسم المفعول بالصلة . وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله أي : جعل عبد الله بن عمر الذي خصه من دار عمر ، رضي الله تعالى عنه ، سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله بن عمر ، يعني : من كان محتاجا إلى السكنى من أهله يسكن فيما خصه من دار عمر التي تصدق بها ، وقال : لا تباع ولا توهب . كذا ذكره ابن سعد . 39 - وقال عبدان : أخبرني أبي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن ، أن عثمان رضي الله عنه حيث حوصر ، أشرف عليهم وقال : أنشدكم ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من حفر رومة فله الجنة ، فحفرتها ! ألستم تعلمون أنه قال : من جهز جيش العسرة فله الجنة ، فجهزتهم ! قال : فصدقوه بما قال . مطابقته للترجمة في قوله : " فحفرتها " أي : حفرت رومة ، قال ابن بطال : ذكر الحفر وهم من بعض الرواة ، والمعروف أن عثمان اشتراها ، لا أنه حفرها . قلت : حفرها أو اشتراها وهي صدقة عنه ، فتطابق قوله : " أو بئرا " وتمام دلالته على الترجمة من جهة تمام القصة ، وهو أنه قال : " دلوي فيها كدلاء المسلمين " . قوله : " عبدان " هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي ، وعبدان لقبه ، يروي عن أبيه عثمان بن جبلة بن أبي رواد ، واسمه ميمون . وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي . وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي القاري ، له ولأبيه صحبة . وهذا التعليق وصله الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما من طريق القاسم بن محمد المروزي عن عبدان بتمامه ، وروى الترمذي : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، وعباس بن محمد الدوري ، وغير واحد ، المعنى واحد ، قالوا : حدثنا سعيد بن عامر ، قال عبد الله : أخبرنا سعيد بن عامر عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري ، عن أبي مسعود الجريري ، عن ثمامة بن حزن القشيري ، قال : شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ، فقال : ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي . قال : فجيء بهما كأنهما جملان ، أو كأنهما حماران . قال : فأشرف عليهم عثمان فقال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة ، فقال : من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة ؟ فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر ! فقالوا : اللهم نعم . فقال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة ؟ فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين ! قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي ! قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة ، ومعه أبو بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما وأنا ، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض فركضه برجله فقال : اسكن ثبير ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان . قالوا : اللهم نعم . قال الله أكبر ، شهدوا ورب الكعبة أني شهيد ، ثلاثة . هذا حديث حسن ورواه النسائي أيضا ، وزاد من رواية الأحنف عن عثمان فقال : لأجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك . وعن النسائي أيضا من رواية الأحنف أن عثمان اشتراها بعشرين ألفا أو بخمسة وعشرين ألفا . وزاد في جيش العسرة : فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالا ولا خطاما . وللترمذي من حديث عبد الرحمن بن حباب السلمي أنه جهزهم بثلاثمائة بعير . وفي رواية أحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة : أنه جاء بألف دينار في ثوبه فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم حين جهز جيش العسرة فقال : ما على عثمان ما عمل بعد اليوم . وروى الدارقطني من طريق ثمامة بن حزن عن عثمان قال : هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني إحدى ابنتيه ، واحدة بعد أخرى ، رضي بي ورضي عني ! قالوا : اللهم نعم . قوله : " حيث حوصر " وفي رواية الكشميهني " حين حوصر " ، وذلك حين حاصره المصريون الذين أنكروا عليه تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقصته مشهورة . قوله : " أنشدكم " يقال : نشدت فلانا أنشده ، إذا قلت له : نشدتك الله ، أي : سألتك بالله ، كأنك ذكرته إياه . قوله : " من حفر رومة " قد ذكرنا عن ابن بطال أنه قال : ذكر الحفر وهم ، والذي يعلم في الأخبار والسير أنه اشتراها ، ولا يوجد أن عثمان حفرها إلا في حديث شعبة . وروى البغوي في معجم الصحابة من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه ، قال : " لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة ، وكان يبيع منها القربة بمد ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تبيعنيها بعين في الجنة ! فقال : يا رسول الله ، ليس لي ولا لعيالي غيرها . فبلغ ذلك عثمان رضي الله تعالى عنه فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتجعل لي ما جعلته له ؟ قال : نعم . قال : قد جعلتها للمسلمين ، انتهى " . وإذا كانت عينا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرا ويحتمل أن العين المذكورة كانت تجري إلى بئر فوسعها عثمان أو طواها ، فنسب حفرها إليه . وقال الكرماني : رومة بضم الراء وسكون الواو كان ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها فاشتراها منه عثمان بعشرين ألف درهم . وذكر الكلبي أنه كان يشتري منها قربة بدرهم قبل أن يشتريها عثمان رضي الله تعالى عنه . قوله : " فصدقوه بما قال " أي : بالذي قال عثمان رضي الله تعالى عنه . وفي رواية النسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه بذلك هم علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم . وقال عمر في وقفه : لا جناح على من وليه أن يأكل . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " في وقفه " وكان وقفه أرضا وقد مر عن قريب في باب الوقف للغني والفقير . وقد يليه الواقف وغيره ، فهو واسع لكلٍ . هذا من كلام البخاري وأشار بهذا إلى أن قوله : " على من وليه " أعم من أن يكون الواقف أو غيره . وقال الداودي : استدلال البخاري من قول عمر قوله : " وقد يليه الواقف أو غيره " غلط ، لأن عمر جعل الولاية إلى غيره ، فكيف يليه الواقف ؟
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا قال الواقف لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز · ص 73 ( باب إذا قال الواقف : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز . ) أي هذا باب يذكر فيه إذا قال الواقف ، إلى آخره . 40 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس رضي الله عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم . قالوا : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله . الترجمة من نفس الحديث ، وقد مر هذا غير مرة غير أنه ذكره بهذا الإسناد بعينه عن قريب في باب : إذا أوقف جماعة أرضا مشاعا ، وليس فيه زيادة فائدة غير تغيير الترجمة ، قيل : فائدته أنه يشير به إلى أن الوقف يصح بأي لفظ دل عليه ، إما بمجرده أو بقرينة .