27 - بَاب وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنْ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ . وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ إِلَى قَوْلِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ انْفِرُوا ثُبَاتٍ : سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ ، ويُقَالُ : واحدُ الثُّبَاتِ : ثُبَةٌ . 2825 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . قَوْلُهُ : ( بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيِ الْخُرُوجُ إِلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ ، وَأَصْلُ النَّفِيرِ مُفَارَقَةُ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَمْرٍ حَرَّكَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يَجِبُ مِنَ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ ) أَيْ وَبَيَانُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْجِهَادِ وَمَشْرُوعِيَّةُ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ ، وَلِلنَّاسِ فِي الْجِهَادِ حَالَانِ : إِحْدَاهُمَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْأُخْرَى بَعْدَهُ ، فَأَمَّا الْأُولَى فَأَوَّلُ مَا شُرِّعَ الْجِهَادُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ إِلَى الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا . ثُمَّ بَعْدَ أَنْ شُرِّعَ هَلْ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ ؟ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : كَانَ عَيْنًا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِنَصْرِ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : كَانَ عَيْنًا عَلَى الْأَنْصَارِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ مُبَايَعَتُهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى أَنْ يُؤْوُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْصُرُوهُ ، فَيُخْرَجُ مِنْ قَوْلِهمَا أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ كِفَايَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي حَقِّ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى التَّعْمِيمِ ، بَلْ فِي حَقِّ الْأَنْصَارِ إِذَا طَرَقَ الْمَدِينَةَ طَارِقٌ ، وَفِي حَقِّ الْمُهَاجِرِينَ إِذَا أُرِيدَ قِتَالُ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ ابْتِدَاءً ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ ، وَقِيلَ كَانَ عَيْنًا فِي الْغَزْوَةِ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهَا ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّهِ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ . الْحَالُ الثَّانِي : بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ إِلَّا أَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ كَأَنْ يَدْهَمَ الْعَدُوُّ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ ، وَيَتَأَدَّى فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِهِ فِي السَّنَةِ مَرَّةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ بَدَلًا عَنْهُ وَلَا تَجِبُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ اتِّفَاقًا فَلْيَكُنْ بَدَلُهَا كَذَلِكَ ، وَقِيلَ يَجِبُ كُلَّمَا أَمْكَنَ وَهُوَ قَوِيٌّ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ تَكَامَلَتْ فُتُوحُ مُعْظَمِ الْبِلَادِ وَانْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ ثُمَّ صَارَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَالتَّحْقِيقُ أَيْضًا أَنَّ جِنْسَ جِهَادِ الْكُفَّارِ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِمَّا بِيَدِهِ وَإِمَّا بِلِسَانِهِ وَإِمَّا بِمَالِهِ وَإِمَّا بِقَلْبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا الْآيَةَ ) هَذِهِ الْآيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَالْأَمْرُ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِمَا قَبْلَهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى عَاتَبَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالنَّفِيرِ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدَّمَ آيَةَ الْأَمْرِ عَلَى آيَةِ الْعِتَابِ لِعُمُومِهَا ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الضُّحَى قَالَ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ بَرَاءَةٌ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعُمُومَ فَلَمْ يَكُونُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْغَزْوِ حَتَّى مَاتَ مِنْهُمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ خِفَافًا وَثِقَالًا : مُتَأَهِّبِينَ أَوْ غَيْرَ مُتَأَهِّبِينَ نِشَاطًا أَوْ غَيْرَ نِشَاطٍ ، وَقِيلَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ الْآيَةَ ) قَالَ الطَّبَرِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا خَاصًّا وَالْمُرَادُ بِهِ مَنِ اسْتَنْفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَامْتَنَعَ ، وَأَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ثُمَّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَطَرِيقُ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَسَنٍ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْفِرُوا ثُبَاتٍ سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِهَذَا ، أَيِ اخْرُجُوا سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ ، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا أَيْ مُجْتَمِعِينَ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَالتَّحْقِيقُ أَنْ لَا نَسْخَ ، بَلِ الرُّجُوعُ فِي الْآيَتَيْنِ إِلَى تَعْيِينِ الْإِمَامِ وَإِلَى الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْقَابِسِيِّ ثُبَاتًا بِالْأَلِفِ ، وَهُوَ غَلَطٌ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ جَمْعٌ ثُبَةٍ كَمَا سَتَرَى . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ : وَاحِدُ الثُّبَاتِ : ثُبَةٌ ) أَيْ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَزَادَ : وَمَعْنَاهَا جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا قَالَ : وَقَدْ يُجْمَعُ ثُبَةٌ عَلَى ثِبِينَ وَقَالَ النَّحَّاسُ : لَيْسَ مِنْ هَذَا ثُبَةُ الْحَوْضِ وَهُوَ وَسَطُهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ يَثُوبُ إِلَيْهِ أَيْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَجْتَمِعُ فِيهِ لِأَنَّهَا مِنْ ثَابَ يَثُوبُ وَتَصْغِيرُهَا ثُوَيْبَةٌ ، وَثُبَةٌ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ مِنْ ثَبَا يَثْبُو وَتَصْغِيرُهَا ثُبَيَّةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ) أَيْ فَتْحِ مَكَّةَ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : كَانَتِ الْهِجْرَةُ فَرْضًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى الِاجْتِمَاعِ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَقِيَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ أَوْ نَزَلَ بِهِ عَدُوٌّ انْتَهَى . وَكَانَتِ الْحِكْمَةُ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِيَسْلَمَ مِنْ أَذَى ذَوِيهِ مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَذِّبُونَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا الْآيَةَ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا . وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِقُ الْمُشْرِكِينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى دِينِهِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ) قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ : هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ حُكْمِ مَا بَعْدَهُ لِمَا قَبْلَهُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ انْقَطَعَتْ إِلَّا أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ بَاقِيَةٌ ، وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ وَالنِّيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ) قَالَ النَّوَوِيُّ : يُرِيدُ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ ، وَإِذَا أَمَرَكُمُ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ وَلَكِنْ جِهَادٌ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلٍّ مَدْخُولٍ لَا هِجْرَةَ أَيِ الْهِجْرَةُ مِنَ الْوَطَنِ إِمَّا لِلْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ أَوْ إِلَى الْجِهَادِ أَوْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَطَلَبِ الْعِلْمِ ، فَانْقَطَعَتِ الْأُولَى وَبَقِيَ الْأُخْرَيَانِ فَاغْتَنِمُوهُمَا وَلَا تَقَاعَدُوا عَنْهُمَا ، بَلْ إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . قُلْتُ : وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ مِنَ الْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مَا قَالَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْهِجْرَةُ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَانَتْ فَرْضًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَالَّتِي انْقَطَعَتْ أَصْلًا هِيَ الْقَصْدُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ . وَفِي الْحَدِيثِ بِشَارَةٌ بِأَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ أَبَدًا . وَفِيهِ وُجُوبُ تَعْيِينِ الْخُرُوجِ فِي الْغَزْوِ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْتَبَرُ بِالنِّيَّاتِ . ( تَكْمِلَةٌ ) : قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا مُحَصِّلُهُ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَحْوَالِ السَّالِكِ لِأَنَّهُ أَوَّلًا يُؤْمَرُ بِهِجْرَةِ مَأْلُوفِهِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْفَتْحُ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أَمْرٌ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فِي ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنْ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ · ص 44 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية · ص 120 ( باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية ) أي هذا باب في بيان وجوب النفير ، بفتح النون وكسر الفاء ، أي : الخروج إلى قتال الكفار ، وأصل النفير مفارقة مكان إلى مكان لأمر حرك ذلك . قوله : " وما يجب من الجهاد " أي : وفي بيان القدر الواجب من الجهاد ، قوله : " والنية " أي : وفي بيان مشروعية النية في ذلك . وقوله : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ " الآية " وقوله " بالجر ، عطفا على قوله : " وجوب النفير " أي : وقول الله تعالى ، وفي بعض النسخ " وقول الله عز وجل " وقال سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى مسلم بن صبيح : هذه الآية : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا أول ما نزل من سورة براءة . وقال أبو مالك الغفاري وابن الضحاك : هذه أول آية نزلت من براءة ، ثم نزل أولها وآخرها . وفي التفسير : قال جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم : لما نزلت آية الجهاد ؛ منا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والشغل ، فنزل قوله تعالى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا ويقال : كان المقداد عظيما سمينا ، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكى إليه وسأل أن يأذن له ، فنزلت : " انْفِرُوا " الآية . أمر الله بالنفير العام مع الرسول صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب ، وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر ، فقال : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وعن أبي طلحة : كهولا وشبانا ، ما سمع الله عذر أحد ، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل . وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة والحسن البصري والشعبي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم . وقال مجاهد : شبانا وشيوخا ، وأغنياء ومساكين . وقال الحكم بن عتيبة : مشاغيل وغير مشاغيل . وعن ابن عباس : انفروا نشاطا وغير نشاط ، وكذا قال قتادة ، وعن الحسن البصري : في العسر واليسر . وقيل : الخفاف أهل اليسرة ، والثقال أهل العسرة . وقيل : أصحاء ومرضى . وقيل : مقلين من السلاح ومكثرين . وقيل : رجالا وركبانا . وقيل : عزبانا ومتأهلين . وقال السدي : لما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله تعالى فقال : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قوله : " وخفافا " جمع خفيف ، و" ثقالا " جمع ثقيل ، وانتصابهما على الحال من الضمير الذي في " انْفِرُوا " . قوله : " وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ " إيجاب للجهاد بهما إن إمكن أو بأحدهما على حسب الحال . قوله : " ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ " يعني في الدنيا والآخرة ، لأنكم تغرمون في النفقة قليلا فيغنمكم أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الله يريد الخير قوله : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا الآية ، نزلت في المنافقين في غزوة تبوك ، والمعنى : لو كان ما دعوا إليه غنيمة قريبة وسفرا قاصدا - أي سهلا قريبا - لاتبعوك طمعا في المال ، وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي : السفر البعيد . وقرأ ابن عمير عبيد بكسر الشين ، وهي لغة قيس . قوله : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أي : يحلفون بالله لكم إذا رجعتم إليهم لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ أي : لو قدرنا وكان لنا سعة من المال لخرجنا معكم ، وذلك كذب منهم ونفاق ، لأنهم كانوا مياسير ذوي أموال ، قال الله تعالى : يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وقال الزمخشري : يهلكون أنفسهم إما أن يكون بدلا من " سيحلفون " أو حالا بمعنى مهلكين ، والمعنى أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب ، وبما يحلفون عليه من التخلف . وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ إلى قوله : عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " وقوله " بالجر عطف على قوله الأول ، هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ ، فقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، قوله : " اثاقلتم " أصله : تثاقلتم ، ادغمت التاء في الثاء فسكنت الأولى فأتى بألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن ، معناه : تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار . قوله : أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ أي : بدل الآخرة ثم قال تعالى : فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هذا تزهيد من الله في الدنيا وترغيب في الآخرة بأن متاع الدنيا قليل بالنسبة إلى الجنة لانقطاع ذلك ودوام هذا ، ثم توعد على ترك الخروج فقال : " إِلا تَنْفِرُوا " أي : إلا تخرجوا مع نبيكم إلى الجهاد يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ لنصرة نبيه وإقامة دينه ، قوله : وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا أي : ولا تضروا الله تعالى بتوليتكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه ، " وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " أي : قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم . ويذكر عن ابن عباس : انفروا ثبات ، سرايا متفرقين ، يقال : أحد الثبات ثبة . هذا التعليق وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسيره عنه ، ومعناه : اخرجوا ثبات ، يعني : سرية بعد سرية ، أو انفروا مجتمعين . قوله : " ثبات " بضم الثاء المثلثة وتخفيف الباء الموحدة ، وهو جمع ثبة ، وهي الجماعة ، وجاء جمعها أيضا : ثبون وثبون وأثابي ، وأصل ثبة : ثبي ، على وزن فعل ، بضم الفاء وفتح العين ، وفي التوضيح . وعند أهل اللغة : الثبات الجماعات في تفرقة ، أي : حلقة حلقة كل جماعة ثبة ، والثبة مشتقة من قولهم : ثبيت الرجل إذا أثنيت عليه في حياته ، لأنك كأنك قد جمعت محاسنه . وقال أبو عمر : والتثبية الثناء على الرجل في حياته . قوله : " ثبات ، سرايا متفرقين " ، أحوال ، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الحسن القابسي " ثباتا " بالنصب ، وهو غير صحيح ، لأنه جمع المؤنث السالم مثل الهندات والنصب والجر فيه سواء ، والسرايا جمع سرية وهي من يدخل دار الحرب مستخفيا . قوله : " ويقال واحد الثبات ثبة " لا طائل تحته ، لأن هذا معلوم قطعا أن ثبات جمع ثبة ، وأما الثبة التي بمعنى وسط الحوض ، فليس من باب ثبة الذي بمعنى الجماعة ، لأن أصل هذه ثوب ، وهو أجوف واوي فلما حذفت الواو عوض عنها الهاء وسمي وسط الحوض بذلك لأن الماء يثوب إليه ، أي : يرجع . 41 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثني منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا . مطابقته للترجمة في قوله : " ولكن جهاد ونية " ، وعمرو بن علي بحر بن يحيى بن كثير أبو حفص الباهلي البصري . ويحيى هو ابن سعيد القطان . وسفيان هو الثوري . والحديث مضى في باب فضل الجهاد بهذا الإسناد ، غير أن شيخه هناك علي بن عبد الله ، وهنا عمرو بن علي ، وقد مضى الكلام فيه هناك .