حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية

( باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية )

وقوله : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ " الآية " وقوله " بالجر ، عطفا على قوله : " وجوب النفير " أي : وقول الله تعالى ، وفي بعض النسخ " وقول الله عز وجل " وقال سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى مسلم بن صبيح : هذه الآية : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا أول ما نزل من سورة براءة .

وقال ج١٤ / ص١٢١أبو مالك الغفاري وابن الضحاك : هذه أول آية نزلت من براءة ، ثم نزل أولها وآخرها . وفي التفسير : قال جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم : لما نزلت آية الجهاد ؛ منا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والشغل ، فنزل قوله تعالى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا ويقال : كان المقداد عظيما سمينا ، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكى إليه وسأل أن يأذن له ، فنزلت : " انْفِرُوا " الآية . أمر الله بالنفير العام مع الرسول صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب ، وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر ، فقال : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وعن أبي طلحة : كهولا وشبانا ، ما سمع الله عذر أحد ، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل .

وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة والحسن البصري والشعبي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم . وقال مجاهد : شبانا وشيوخا ، وأغنياء ومساكين . وقال الحكم بن عتيبة : مشاغيل وغير مشاغيل .

وعن ابن عباس : انفروا نشاطا وغير نشاط ، وكذا قال قتادة ، وعن الحسن البصري : في العسر واليسر . وقيل : الخفاف أهل اليسرة ، والثقال أهل العسرة . وقيل : أصحاء ومرضى .

وقيل : مقلين من السلاح ومكثرين . وقيل : رجالا وركبانا . وقيل : عزبانا ومتأهلين .

وقال السدي : لما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله تعالى فقال : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قوله : " وخفافا " جمع خفيف ، و" ثقالا " جمع ثقيل ، وانتصابهما على الحال من الضمير الذي في " انْفِرُوا " . قوله : " وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ " إيجاب للجهاد بهما إن إمكن أو بأحدهما على حسب الحال . قوله : " ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ " يعني في الدنيا والآخرة ، لأنكم تغرمون في النفقة قليلا فيغنمكم أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الله يريد الخير قوله : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا الآية ، نزلت في المنافقين في غزوة تبوك ، والمعنى : لو كان ما دعوا إليه غنيمة قريبة وسفرا قاصدا - أي سهلا قريبا - لاتبعوك طمعا في المال ، وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي : السفر البعيد .

وقرأ ابن عمير عبيد بكسر الشين ، وهي لغة قيس . قوله : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أي : يحلفون بالله لكم إذا رجعتم إليهم لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ أي : لو قدرنا وكان لنا سعة من المال لخرجنا معكم ، وذلك كذب منهم ونفاق ، لأنهم كانوا مياسير ذوي أموال ، قال الله تعالى : يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وقال الزمخشري : يهلكون أنفسهم إما أن يكون بدلا من " سيحلفون " أو حالا بمعنى مهلكين ، والمعنى أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب ، وبما يحلفون عليه من التخلف . وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ إلى قوله : عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " وقوله " بالجر عطف على قوله الأول ، هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ ، فقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، قوله : " اثاقلتم " أصله : تثاقلتم ، ادغمت التاء في الثاء فسكنت الأولى فأتى بألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن ، معناه : تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار .

قوله : أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ أي : بدل الآخرة ثم قال تعالى : فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هذا تزهيد من الله في الدنيا وترغيب في الآخرة بأن متاع الدنيا قليل بالنسبة إلى الجنة لانقطاع ذلك ودوام هذا ، ثم توعد على ترك الخروج فقال : " إِلا تَنْفِرُوا " أي : إلا تخرجوا مع نبيكم إلى الجهاد يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ لنصرة نبيه وإقامة دينه ، قوله : وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا أي : ولا تضروا الله تعالى بتوليتكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه ، " وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " أي : قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم . ويذكر عن ابن عباس : انفروا ثبات ، سرايا متفرقين ، يقال : أحد الثبات ثبة . هذا التعليق وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسيره عنه ، ومعناه : اخرجوا ثبات ، يعني : سرية بعد سرية ، أو انفروا مجتمعين .

قوله : " ثبات " بضم الثاء المثلثة وتخفيف الباء الموحدة ، وهو جمع ثبة ، وهي الجماعة ، وجاء جمعها أيضا : ثبون وثبون وأثابي ، وأصل ثبة : ثبي ، على وزن فعل ، بضم الفاء وفتح العين ، وفي التوضيح . ج١٤ / ص١٢٢وعند أهل اللغة : الثبات الجماعات في تفرقة ، أي : حلقة حلقة كل جماعة ثبة ، والثبة مشتقة من قولهم : ثبيت الرجل إذا أثنيت عليه في حياته ، لأنك كأنك قد جمعت محاسنه . وقال أبو عمر : والتثبية الثناء على الرجل في حياته .

قوله : " ثبات ، سرايا متفرقين " ، أحوال ، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الحسن القابسي " ثباتا " بالنصب ، وهو غير صحيح ، لأنه جمع المؤنث السالم مثل الهندات والنصب والجر فيه سواء ، والسرايا جمع سرية وهي من يدخل دار الحرب مستخفيا . قوله : " ويقال واحد الثبات ثبة " لا طائل تحته ، لأن هذا معلوم قطعا أن ثبات جمع ثبة ، وأما الثبة التي بمعنى وسط الحوض ، فليس من باب ثبة الذي بمعنى الجماعة ، لأن أصل هذه ثوب ، وهو أجوف واوي فلما حذفت الواو عوض عنها الهاء وسمي وسط الحوض بذلك لأن الماء يثوب إليه ، أي : يرجع . 41 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثني منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا .

مطابقته للترجمة في قوله : " ولكن جهاد ونية " ، وعمرو بن علي بحر بن يحيى بن كثير أبو حفص الباهلي البصري . ويحيى هو ابن سعيد القطان . وسفيان هو الثوري .

والحديث مضى في باب فضل الجهاد بهذا الإسناد ، غير أن شيخه هناك علي بن عبد الله ، وهنا عمرو بن علي ، وقد مضى الكلام فيه هناك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث