باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل
( باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل ) أي : هذا باب في بيان حكم الكافر الذي يقتل المسلم ثم يسلم ، بضم الياء ، أي : القاتل . قوله : " فيسدد " بالسين المهملة ، أي : يسدد دينه ، يعني : يستقيم . قوله : " بعد " بضم الدال ، أي : بعد قتله المسلم .
قوله : " ويقتل " على صيغة المجهول ، وفي رواية النسفي " أو يقتل " وعليها اقتصر ابن بطال والإسماعيلي ، وقال الكرماني : أو ثم يصير مقتولا ، والجواب فيه يفهم من الحديث ، ولم يذكره اكتفاء به . 42 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ؛ يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد . مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة كالشرح لمعنى الحديث ، وذلك أن المذكور فيها " فيسدد " وفي الحديث " فيستشهد " ، والشهادة إنما تعتبر على وجه التسديد وهو الاستقامة فيها ، وقال بعضهم : يظهر لي أن البخاري أشار في الترجمة إلى ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعا " لا يجتمعان في النار مسلم قتل كافرا ثم سدد المسلم وقارب .
" الحديث انتهى ، قلت : الترجمة لا تكون إلا بما يدل على شيء من الحديث الذي وضعت الترجمة له ، فكيف تكون الترجمة هنا والحديث في كتاب آخر أخرجه غيره ؟ والإسناد المذكور بعين هؤلاء الرجال قد ذكر غير مرة ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث أخرجه النسائي فيه وفي النعوت عن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك به . ( ذكر معناه ) قوله : " يضحك الله " الضحك وأمثاله إذا أطلقت على الله يراد بها لوازمها مجازا ، ولازم الضحك الرضا .
وقال الخطابي : الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو يستفزهم الطرب غير جائز على الله عز وجل ، وإنما هو مثل ضربه لهذا الصنع الذي هو مكان التعجب عند البشر ، وفي صفة الله تعالى الإخبار عن الرضا بفعل أحد هذين والقبول للآخر ، ومجازاتهما على صنيعهما الجنة مع اختلاف أحوالهما وتباين مقاصدهما ، ومعلوم أن الضحك يدل على ج١٤ / ص١٢٣الرضا وقبول الوسيلة وإنجاح الطلبة ، فمعناه أن الله يجزل العطاء لهما لأنه هو مقتضى الضحك وموجبه ، أو يكون معناه تضحك ملائكة الله من صنيعهما لأن الإيثار على النفس أمر نادر في العادة مستغرب في الطباع ، وقال ابن حبان في صحيحه : يريد أضحك الله ملائكته من وجود ما قضى . وقال ابن فورك : أي يبدي الله من فضله توفيقا لهذين الرجلين ، كما تقول العرب : ضحكت الأرض من النبات إذا ظهر فيها ، وكذلك قالوا : للطلع إذا انفتق عنه كفري الضحك ، لأجل أن ذلك يبدو منه البياض الظاهر كبياض الثغر . وقال الداودي : أراد قبول أعمالهما ورحمتهما والرضا عنهما .
قوله : " إلى رجلين " عدي بإلى لتضمنه معنى الإقبال ، يقال : ضحكت إلى فلان ، إذا توجهت إليه بوجه طلق وأنت عنه راض . قلت : هذا يدل على أن المراد بالضحك هنا الإقبال بالوجه . قوله : " يدخلان الجنة " في محل الجر ، لأنها صفة للرجلين ، وفي رواية مسلم من طريق همام عن أبي هريرة " قالوا : كيف يا رسول الله ؟ " قوله : " يقاتل هذا " جملة مستأنفة يدل عليه رواية مسلم هذه ، لأن المعنى قالوا : يا رسول الله ، كيف يدخلان الجنة ؟ فقال : " يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل " على صيغة المجهول ، وزاد في رواية همام " فيلج الجنة " " ثم يتوب الله على القاتل " أي فيسلم ، وفي رواية همام " فيهديه الله إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد " .
وقال أبو عمر : يستفاد من هذا الحديث أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة . وقال أيضا : معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأول كان كافرا ، قيل : هو الذي استنبطه البخاري في ترجمته ، ولكن لا مانع أن يكون مسلما لعموم قوله : " ثم يتوب الله على القاتل " كما لو قتل مسلم مسلما عمدا بلا شبهة ثم تاب القاتل واستشهد في سبيل الله عز وجل .